الديمقراطية في السودان (1)
Democracy in Sudan (1) dof
ليو سيلبرلمان Leo Silberman
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لبض ما ورد في مقال عن تاريخ كتابة الدستور والانتخابات والديمقراطية بالسودان في السنوات التي سبقت وتلت الحكم العسكري الأول، نشر في عام 1958م بالعدد الثالث من المجلد الثاني عشر لمجلة "الشؤون البرلمانية Parliamentary Affairs" التي تصدر عن دار نشر "أكسفورد أكاديميك". ولقد سبق لنا ترجمة مقالين نشرا في نفس المجلة هما "الانتخابات في السودان خلال عهد النظام العسكري" لأستاذ هندي بجامعة الخرطوم، و"الانتخابات العامة في السودان" للقاضي الهندي سوكومار سن والإداري السوداني مكي عباس.
والكاتب ليو سيلبرلمان (1925 – 1960م) هو مؤرخ وعالم اجتماع بريطاني تخرج في جامعة لندن. وكان مهتما بالصراع في القرن الأفريقي، وبتاريخ شرق أفريقيا والسودان، وتحليل مجتمعاتها. وله عدد من الكتب والمقالات أهمها كتابه "أزمة في أفريقيا Crisis in Africa" ومقال طويل عن الصراع في القرن الإفريقي بعنوان: "لماذا تم التنازل عن هود؟ Why the Haud was ceded". وتم استشارته كعالم اجتماع في إنشاء وتخطيط بعض المدن الأفريقية مثل نيروبي ومومباسا وبورت لويس وموريشيوس.
يمكن النظر في مقالات مشابهة لهذا المقال مثل مقال البروفيسور البريطاني بيتر وودويرد المعنون "هل السودان قابل للحكم؟ بعض الأفكار حول تجربتي الديمقراطية الليبرالية والحكم العسكري"، ومقال البروفيسور الأمريكي وليام آدمز "عدم المساواة والديمقراطية في السودان عبر التاريخ".
أسدى الكاتب في باب "الشكر والعرفان" الثناء على السيدين كي. جي. كروتكي وعثمان عبد السلام (من قدامى موظفي مصلحة الإحصاء) لتقديمهما له بعض النصائح والمقترحات بخصوص كتابة المقال. وبدوري أشكر الأستاذ صديق محمد عثمان لجلبه لي هذا المقال لترجمة بعض أجزائه.
المترجم
**** **** ****
قيام الديمقراطية في السودان
لا شك بأن ضحايا الدستورية (constitutional casualties) في المستعمرات البريطانية السابقة كُثْرُ بصورة تدعو للأسف. ويتساءل المرء عما إذا كانت بقية المستعمرات (المشغولة الآن بالنقاشات المطولة والتحضيرات للانتخابات العامة) ستواجه مصيرا مشابها يخبئه لها القدر، أو عما إذا كان التأمل الفاحص في حال السودان سيكون درسا نافعا لهم. وسبق أن تحدث بعض الفلاسفة الإغريق عن قانون بموجبه تستبدل الأوليغارشية الأرستقراطية دوما بديموقراطيات، سرعان ما تحل محلها ديكتاتوريات. أترى ستثبت أفريقيا وآسيا صحة ذلك القانون، بعد أن أكدت أوروبا خطله؟
وبدا السودانيون في غاية الاعجاب في البداية بنموذج "ويست مينستر". وكان أعضاء البرلمان يحضرون جلساته بانتظام، ويتصرفون فيه بكل لياقة واحترام. وكان كل الوزراء من السياسيين المحنكين العالمين بالمشاكل الإدارية. وكان معظمهم قد أعيد انتخابهم في عام 1958م بعد حملات انتخابية حامية. غير أنه يجب القول، على وجه العموم، بأن حرية التعبير والدعايات الانتخابية لم تكن مألوفة عند كثير من الناس. فقد تمت محاكمة بعض المرشحين لاستخدامهم لغة عنيفة. ولم يكن البند رقم 105 الخاص بالتحريض في قانون العقوبات (المنقول من القانون الهندي) قد عدل بعد، رغم شجب مجلس النواب له. وأصدرت لجنة الانتخابات تقريرا تضمن "توصيات للانتخابات القادمة" نشرت قُبَيْلَ انقلاب نوفمبر العسكري. وكان من ضمن تلك التوصيات نصيحة للحكومة في ذلك اليوم –
"ألا تقوم الحكومة بالتوسع في تقديم رجال الأحزاب ممن يقومون بالدعايات الانتخابية التي تقارب التحريض للمحاكمة... وكان سحب مثل بعض تلك القضايا مصدر ارتياح لنا".
ويثبت مجرد إسداء مثل تلك النصيحة في نهاية عام 1958م أن الديمقراطية بالسودان كانت في حالة من التدهور المتسارع ينذر بقرب نهايتها. لقد كانت الحكومة التي فازت في الانتخابات تتمتع بخدمة مدنية ممتازة يمكن مقارنتها دون كثير مبالغة بنظيراتها في كثير من الدول الأوربية. لقد كانت "روح الجماعة esprit de corps"، سائدة عند رجال الخدمة المدنية، الذين كانوا دوما على استعداد للتحرك، والانتقال عبر كلية غردون، وتقبل توقعات الشعب بسهولة الوصول إليهم، بكل رحابة صدر.
وكان عامة أفراد الشعب أنفسهم في غاية الانضباط والتهذيب. ويحس الزائر بذلك أكثر ما يحس وهو قادم للسودان عبر مصر، حيث لا يرى شحاذين، ويرفض الناس قبول الاكراميات (البقشيش) حتى وإن قاموا بأداء خدمات ممتازة. وتحس بين الشباب، بالطبع، شعورا بالاستياء من الاستقلال. فمعظمهم يتعاطفون مع عبد الناصر. غير أن بعضهم صدم عندما أزاح صغار الضباط الجنرال محمد نجيب (وهو "نصف سوداني")، وعندما أطلق الإخوان المسلمون النار ...
وذهبت الحكومة (الديموقراطية) القديمة، وأَدْبَرَ معها استقلال مفوضية الخدمة (المدنية) العامة، وحجرت مع ذهابها حرية الصحافة في الانتقاد، ومنعت النقابات العمالية من ممارسة نشاطها. كل ذلك اِنقَضَى. ولكن ما الذي حدث في شهور الأزمة: بين مايو ونوفمبر 1958م؟ وهنالك سؤال أخر مهم وأكثر عمومية: كيف سقط النظام الديمقراطي دون أن تصدر جماهير الشعب مجرد همهمة، أو أي صورة من الاحتجاج؟ كيف لأفضل شعب (في المنطقة) رأى بعينيه استقلال بلاده يتحقق، والديمقراطية تسود، وبلاده تمسك عاليا بالشعلة، فخورة بأنها الدولة العربية الوحيدة التي تخلو من الفساد، وتقام فيها انتخابات نزيهة، ولديها حركة عمالية حرة، كيف لمثل ذلك الشعب أن يشعر بأن هنالك تناقضا وصداما بين الحريات المدنية والسلام المدني؟ وهل هنالك من دروس مستفادة من الأحداث الأخيرة (المقصود هو انقلاب 17 نوفمبر 1958م) للمناطق الأخرى.
طريق السودان نحو تكوين أمة ديمقراطية: الحكم الثنائي
كان التفسير الأوضح للسؤال السابق أن تلك الحريات الديمقراطية لم تكن سوى ملابس جميلة وجديدة، لكنها غير مألوفة. لذا فعندما تتصرف الديمقراطية بنوع من السخف أو الطيش أو الاستهزاء في أوساط أناس بالغي الحساسية تجاه تلك الممارسات، فإنهم يتأبون من طرحها جانبا. لقد بلغ عمر الديمقراطية خمسة عشر عاما في سنة 1958م. لقد بدأت عملية إنشاء الأنظمة العسكرية في المنطقة قبل قيام المؤسسات الممثلة للشعب، وكان محمد علي باشا هو من أقحم تلك الأنظمة في عام 1829م في بحثه عن جنود يحلو محل رجاله الألبان والأتراك الذين لا يمكن الاعتماد عليهم، والذين كانوا لا يجدون من ضباط الجيش المصري – التركي إلا الازدراء. فتخلص محمد علي من جنوده الألبان والأتراك في "حرب مقدسة". ثم جاء نظام المهدية، وكان عسكري الطابع أيضا. وأستعاد كتشنر حكم السودان بنظام عسكري. ولم يشرع في اي إصلاح حقيقي في الحكم إلا في عام 1943م، وكان ذلك، للمفارقة، على يد حاكم عام عسكري، ربما بسبب حدوث ذلك الإصلاح في سنوات الحرب العالمية الثانية.
وكان أمر السرعة التي ينبغي بها التقدم نحو المؤسسات (المدينة) الحرة يثير دوما الكثير من النقاشات والجدال. وحتى بعد مرور أكثر من عشرين عاما من حكم بريطانيا للسودان ورد في كتيب لوزارة الخارجية البريطانية ما يفيد بضرورة بالتريث، ربما للأبد. وفي صفحة 32 من ذلك الكتيب ورد التالي:
" لم يجز البرلمان البريطاني أي تشريعات حول السودان. وفي ذلك البلد يعمل نظام الحكم (الثنائي) الغريب نوعا ما الآن بصورة ممتازة. ويمكن القول بأن طبيعة ذلك الحكم شبه العسكرية كانت ولا تزال أمرا محتوما، غير أن عنصر المدنية فيه في تزايد مضطرد".
وكانت لذلك أسباب بالغة الوضوح في عام 1919م. ففي أيام الحكم الثنائي تلك لم تكن حكومة السودان بحاجة لتقديم تقارير عن عملها لأي من الحكومتين البريطانية أو المصرية. وكانت حكومة السودان تتولى بنفسها (دون مشورة أحد) أمر تعيين أفراد طبقة المتعلمين السودانيين الصفوية في سلك إدارتها. ثم صدر في عام 1920م تقرير ميلنير عن لامركزية الحكم بالسودان التي اقترحت تلك السياسة بسبب "اتساع مساحة السودان (مليون ميل مربع) وترامي أطرافه، وتنوع ثقافات وخواص سكانه". وعلى إثر ذلك التقرير صدر ما سمي مرسوم "سلطات شيوخ قبائل الرحل"، والذي كان الأول في مراسيم هدفت لإعادة تنظيم وتقنين سلطات شيوخ القبائل التقليدية. وأنشأت الحكومة مجلسين للمدن، إلا أن عضويتهما كانت بالتعيين وليس بالانتخاب. وبعد مضي أكثر من عشرين عاما من ذلك، لم تقم الحكومة السودانية بأي مجهود لتطوير هذين المجلسين، أو إنشاء مجالس جديدة.
وتفتقر الحضارة الإسلامية، رغم أنها مدنية الطابع، لأي حس بمفهوم "الحكومة المحلية". وفي هذا تختلف تلك الحضارة عن الحضارة الأوربية التي منحت بعض الحريات الخاصة للمدن منذ العصور الوسطى.
وفي جانب آخر، بدأ تطبيق الديمقراطية في السودان مباشرة بعد إدخالها في البلاد بجرعات متزايدة ، وتواصلت وتطورت العملية بعد منح السودان استقلاله. ففي عام 1943م كونت الحكومة "مجالس مديريات"، أعقبته في العام التالي بـ "المجلس الاستشاري لشمال السودان". ومنحت الحكومة في 1948م زعماء القبائل والمدن مجالس منتخبة جزئيا، مما أكسبهم تجربة واسعة في ممارسة الديمقراطية. وفي ذات العام أنشأت "الجمعية التشريعية"، وكانت منتخبة جزئيا، و"المجلس التنفيذي"، الذي كان نصف عضويته من السودانيين. وبعد ذلك اعترفت مصر بحق السودانيين في تقرير مصيرهم. ومهد ذلك الطريق لإقامة أول انتخابات عامة بالسودان في عام 1953م. وتكونت إثر ذلك حكومة مسؤولة عن تحديد مصير البلاد المستقبلي. وتم انتخابات مجالس محلية في المدن والمناطق المختلفة بالبلاد.
الانتخابات العامة بالسودان، 1953م
كان المقترح الدستوري الأول هو انتخاب نواب من خمس وثلاثين دائرة فقط بالانتخاب الحر المباشر من جملة اثنين وتسعين دائرة إقليمية. وتكونت مفوضية دولية للإشراف على تلك الانتخابات، رأت أن يزاد عدد النواب المنتخبين إلى ثمانية وستين. وسعيا نحو زيادة المتعلمين في مجلس النواب الجديد سمح لـ 2247 خريجا بانتخاب خمسة ممثلين لهم. وكان معظم هؤلاء الخريجين أعضاءً في "مؤتمر الخريجين العام" الذي تكون في عام 1924م، وأعلن عن نفسه كتنظيم سياسي في عام 1937م، يضم في عضويته 1200 فردا (ذكرت غالب المصادر أن مؤتمر الخريجين تأسس في عام 1938م. المترجم). وكان ذلك "المؤتمر" هو النسخة المتشددة للاتحاد السابق لطلاب كلية غردون والمدارس الثانوية العليا". وشارك بتلك الانتخابات في "دوائر الخريجين" 1899 فردا. أما "مجلس الشيوخ" فقد تم انتخابه من قبل 5000 فردا فقط. وكانت الدوائر الانتخابية في المدن أصغر من تلك التي كانت في المناطق الريفية.
وعلى الرغم مما يتصف به رجال المدن من أوهام وغرور، فقد مرت تلك الانتخابات بسلام وهدوء حتى في أكثر المناطق الريفية تخلفا. وجاء في صفحتي 17 و18من التقرير الختامي لمفوضية الانتخابات، الذي صدر في لندن عام 1954م التالي:
"كانت حالات الفساد التي ثبتت وحوكم من قاموا بها، وأخطرت بها المفوضية، قليلة جدا. وصدرت في حق المتهمين بتلك المخالفات الأحكام التي نص عليها القانون بصورة سريعة. وتم تغريم القلة الذين ثبتت عليهم تهمة الرشوة، أو تهمة جعل المنتخبين يقسمون (على المصحف) بأن يعطوا أصواتهم لمرشح معين. ولم يحكم على أي مدان في قضايا الفاسد تلك بالسجن سوى وكيل ناظر قام بتهديد أحد المرشحين حتى ينسحب من الانتخابات، فحوكم بالسجن ثلاثة أشهر.
وبلغت المفوضية شكوى من أحد المشاركين في الانتخابات يزعم فيها أن خطأ ما قد حدث في عد الأصوات. وزعم آخر (ثبت فيما بعد خطل زعمه) أن هنالك اختلافا بين عدد الأصوات التي تم أدلي بها فعلا وبين العدد الذي ظهر في نتائج الانتخابات".
ومثل تلك الحوادث في بداية ديمقراطية السودان لم تكن بالأمر المستغرب أو غير المتوقع. فنحو 95% من السكان لم يتعلموا حرفا في حياتهم. غير أنهم كانوا أناسا في غاية الانضباط والتحضر، إذا كان لـ "التحضر" أي معنى. وعلى كل حال، كان الرأي العام بعد عام 1953م يتطلع للمضي قدما في التجربة الديمقراطية. وجاء دستور عام 1956م تجسيدا لتلك الرغبة الشعبية.
ديمقراطية غير مبنية على دستور سياسيDemocracy Extra –constitutional
الديمقراطية هي وسيلة شعوب الدول المستعمرة للحَلَّ من الاستعمار، الذي كان يمثله أساسا في السودان كبار الإداريين البريطانيين العاملين في "القسم السياسي". وتمت سودنة ذلك القسم على عجل بسبب غياب أو قلة الموظفين الهنود العاملين في شرق أفريقيا، أو حتى في أرض الصومال البريطانية مما عجل منذ البداية بترقيه الموظفين السودانيين للمراتب العليا. وقد سبق لصغار الموظفين السودانيين أن رُفِعَوا لمناصب أعلى كان يحتلها الموظفون المصريون الذين طردهم البريطانيون كرد فعل لاغتيال حاكم عام السودان في مصر عام 1924م، ولتمرد القوات السودانية التي كان يقودها مصريون في الخرطوم. وأتت موجة سودنة أخرى بعد عام 1953م لكثير من المهندسين والزراعيين والفنيين البريطانيين. وأسف السودانيون على ذلك فيما بعد، تماما كما حدث في الهند. فقد تم توطين تلك الوظائف دون تَرَوٍّ وتدبر في المآل. ولم يغفر الناس قط للساسة الذين قدموا الأمور السياسية على المهام الإدارية، ولم يغفر لهم حتى هؤلاء الإداريين الجدد أنفسهم!
وحملت نتائج انتخابات عام 1953م ساسة الحزب الوطني الاتحادي للحكم، الذين خلفوا (الأشقاء). وكان هؤلاء (الأشقاء) قد قاطعوا من قبل انتخابات الجمعية التشريعية. وكان برنامجهم السياسي هو الاتحاد مع مصر، بشكل يتم تحديده لاحقا. وكان المصريون قد أقدموا على مخاطرة عظيمة بمواقفتهم على السماح للسودانيين بتقرير مصيرهم. غير أنه بدا أن نتيجة الانتخابات قد سوغت تلك اللفتة الديمقراطية. وكان إسماعيل الأزهري (سكرتير مؤتمر الخريجين العام السابق) هو رئيس الحزب الوطني الاتحادي الفائز في تلك الانتخابات. وكان الرجل وثيق الصلة بمصر وعلى معرفة ممتازة بها. وكان الأزهري هو أول من طالب في عام 1937م بإصلاحات ديمقراطية في السودان. ونال الحزب الوطني الاتحادي الأغلبية المطلقة في البرلمان بعد حصوله على 51 مقعدا (3 منها من نواب جنوبيين تحالفوا معهم) وذلك من جملة 97 نائبا. وقيل إن فوز الحزب الوطني الاتحادي بتلك الأغلبية كان نتيجة لعون مقدر من مصر. وأشتكى بالفعل قلة من أعضاء مفوضية الانتخابات في "تقرير أقلية" من التدخل المصري في تلك الانتخابات. وورد أيضا في تقرير تجاري عن تلك الانتخابات أن هنالك 800000 جنيه دخلت البلاد، ولا يعلم أحد مصدرها بصورة رسمية. وذكر وزير الخارجية البريطانية في يوم 5 نوفمبر 1953م أمام مجلس العموم التالي:
"حاول المصريون مررا – بصورة علنية - منذ توقيعهم للاتفاقية، حث الأحزاب السودانية على المشاركة في الانتخابات بقائمة موحدة من المرشحين. ولم تتوقف تلك المحاولات إلا بعد أن تم التوضيح لهم بأن تلك النصيحة غير مرغوب فيها، ولن يؤخذ بها .... وأعلن الجنرال نجيب في رسالة له بأن مصر ليس بوسعها القبول بسودان مستقل إلا إذا دخل مع مصر في وحدة عسكرية واقتصادية. وتم لاحقا سحب ذلك الخطاب، ولكن بعد أن تم تداوله بصورة واسعة وسط الجماهير السودانية، التي استهجنته واحتجت عليه. ويمكن للمرء أن يلمس ذات الاتجاه في الخطط المصرية لـ "مساعدة" السودان في مشاريعه لتنمية الزراعة".
وبرزت وجهتا نظر في مصر: أولهما "أن ينظر (الشعب المصري) إلى المستقبل البعيد ويقف مع الجنرال نجيب في رؤيته، التي تؤمن بأنه "لن يهدأ لأبناء وادي النيل بال حتى تمتد حدود مصر ولا تقف عند حدود السودان، بل تمتد شمالا لجبال طوروس (في الجزء الجنوبيّ من تركيا في وسط هضبة الأناضول. المترجم)، وإلى المحيط شرقا، وفي الغرب...". وكانت النظرة الأخرى هي نظرة الصاغ صلاح سالم (وزير الإعلام الدعائي) والذي عمل بكل الوسائل لتعبئة الشعب السودان لمصلحة الاتحاد مع مصر. وكان وزير الخارجية البريطاني قد قدم لمجلس العموم في خطابه المذكور أعلاه تقريرا مفصلا عن نشاطات ذلك الصاغ (المريبة) إبان جولاته في أصقاع السودان المختلفة.
وبدأت عملية استقلال السودان من كل من بريطانيا ومصر بتوقيع البلدين لاتفاقية 1953م. وفي 19 ديسمبر 1955م ناقش مجلس النواب اقتراحا بإعلان استقلال السودان التام، وأجاز المجلس بالإجماع ذلك الاقتراح بعد ثلاثة أيام من المناقشات. وبالفعل احتفلت البلاد في 1/1/ 1956م باستقلالها التام. وأتى ذلك الاستقلال بفضل جهود ونشاط الحركة الوطنية بالبلاد عبر سنوات طويلة، وبتضحيات جسيمة (شملت مقتل 30 مواطنا في صدامات مع الشرطة صاحبت زيارة الجنرال محمد نجيب للخرطوم حيث قدم للعاصمة 35000 من "الأنصار" وهم يرفعون رايات المهدية من جديد).
وتميزت تصرفات الأزهري (أول رئيس للوزراء) بالحذر الشديد. فقد أنكر تصريحات سابقة أدلى بها لصحيفة التايمز قال فيها أنه يتمنى بناء دولة السودان كدولة مستقلة. ونفى أيضا إقدامه على فصل ثلاثة من وزرائه الموالين لمصر قبل شهر واحد من الاستقلال. ويمكن تفهم مثل تلك المواقف المتناقضة في عالم السياسة، والحاجة إليها في بعض المواقف (مثل ما أدلى بها إبان أزمة السويس، وبُعَيْدَ انقلاب 17 نوفمبر). غير أن مثل تلك المواقف والتصريحات المتناقضة ربما قد تكون لعبت دورا في تآكل وإضعاف الديمقراطية.
وأكدت الإرادة الشعبية في عام 1956م رفضها لنتائج انتخابات 1953م، فحرمت بذلك مصر من جائزتها الكبرى، وحرمت كذلك الأزهري من رئاسته للحكومة التي لم تستمر طويلا إلى عام 1957م. وظهر في تلك الفترة جمال عبد الناصر كحاكم مصر الأقوى، ومضى السودانيون يترقبون ما يخطط له للسودان.
وكتب دينكان في كتابه "الطريق إلى الاستقلال The Sudan’s Path to Independence" ما يفيد بأن البريطانيين قد عملوا بجد من أجل تنمية المناطق التي استعمروها، غير أنهم عجزوا عن وضع سياسة واضحة حينما حان أوان الاستقلال. وتخلى البريطانيون عن الحكم، ولكنهم لم يكفوا عن التدخل في شؤون البلاد التي كانوا قد استعمروها. ولم يكن هنالك أضر على تلك الدول التي نالت حريتها حديثا من ذلك التدخل المخرب.
كان كل ما تطلبه الدول حديثة الاستقلال هو الاعتراف الإنساني ما قمنا نحن أنفسنا تجاههم – أي المساواة. كانوا يرغبون في إنهاء الغرور الشخصي والشعور بالتفوق والتميز (المفترض). الناس في الشرق، مثلنا تماما، يقيمون الآخرين كبشر. وربما كانوا يفعلون ذلك قبلنا بقرون، وبغريزة طبيعية".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.