The Fung Kingdom of Sennar

Kenneth David Druitt Henderson كينيث ديفيد دروت هيندرسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لأجزاء من عرض لكتاب كرافورد "مملكة الفونج في سنار"، تم نشره عام 1953م في العدد الرابع والثلاثين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR".
ومؤلف الكتاب، الدكتور الأسكتلندي أوزبرت قاي كرافوردOsbert Guy Stanhope Crawford (1886 – 1957م)، هو عالم آثار جعل من آثار السودان وبريطانيا مجال تخصصه الدقيق. وكان هنري وليكم قد استأجره للعمل في السودان لاستكشاف آثاره في منطقة قيلي؟ Abu Geili في عشرية القرن العشرين الأولى. وسبق للرجل أن أتهم بميول ماركسية، وبالتعاطف مع السوفييت. ثم تفرغ الرجل بعد تقاعده عن العمل الرسمي في عام 1946م لتأليف عدة كتب عن السودان، كان هذا الكتاب الذي عرضه هيندرسون واحدا منها. وبعد موته في عام 1957م نقشت على قبره عبارة
"Editor of Antiquity" بحسب وصيته.
أما كاتب العرض (كينيث هيندرسون، 1903 -1981م) فهو موظف بريطاني بدأ عمله إداريا في خدمة حكومة السودان بواد مدني في عام 1926م (وعمره 23 عاما فقط)، ثم عمل بعد ذلك بالنهود وكوستي والخرطوم وسنكات، ثم الخرطوم مرة أخرى (مساعدا للسكرتير الإداري)، ونائبا لحاكم كسلا، وأخيرا حاكما لدارفور بين عامي 1949 و1953م. وللرجل مقالات وكتب كثيرة منها كتاب "Sudan" الذي صدر عام 1965، وكتاب آخرا عن حياته بالسودان عنوانه "Set Under Authority" سبق لنا ترجمة بعض الصفحات منه.
ومما يعيب هذا العرض عدم الترابط، وكثرة الإشارات لأسماء وأماكن قديمة يصعب على القارئ غير المتخصص معرفتها. ومن المفيد مقارنة هذا العرض بعرض آخر لذات الكتاب نشره ج. هنتيقفورد في مجلة The Bulletin of the School of Oriental and African Studies عام 1953م.
المترجم
***** ******
يعد هذا الكتاب هو المفتاح لتاريخ السودان منذ سقوط مروي. وهو كتاب مدرسي للطلاب، وربما للخبراء أيضا. ويجب أن نوضح منذ البداية أن هذا الكتاب ليس نسخة معدلة من كتاب "سن النار Tooth of Fire" (هذا كتاب عن تاريخ مملكة سنار القديمة، صدر عام 1912م للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. المترجم). ورغم أن هنالك سرد قصصي في كتابنا هذا أيضا مثلما هو موجود في كتاب "سن النار"، إلا أن هنالك فرقا واحدا مهما بينهما. فالكتاب الذي نحن بصدده هو في الواقع مسح شامل يمحص ويحلل كل أو غالب الأدلة الشفوية والمكتوبة والأثرية المتوفرة. وبالإضافة لذلك جلب المؤلف في سفره هذا كل المصادر التي لم تكن معروفة من قبل، وأدرجها في قائمة مراجعه وحواشيه وعلق عليها. وهذا بالطبع أمر في غاية الفائدة، ويحفز الطلاب على البحث، ويمثل تحديا مستمرا لكل علماء الآثار، وللجامعات والجهات الممولة للأبحاث، وأهمهم في هذا المقام هي جامعة الخرطوم والحكومة الجديدة (لعل المقصود هي حكومة إسماعيل الأزهري التي تكونت في 9/1/1954م. المترجم). وهنالك واجب عملي ينتظر التنفيذ يتلخص في حصر واحصاء وحفظ كل البعثات الميدانية التي تم القيام بها منذ عقود – فهذا مجال بحثي بكر وواعِد، يمكن الخروج منه بفوائد جمة، ويمكن أيضا أن تتفرع من كل موضوع بحثي فيه عدة موضوعات متنوعة عن غرب وجنوب البلاد. ومن دواعي الأسف أن الخريطة التاريخية لأفريقيا ما تزال تبدو إلى الآن كما رسمها الجغرافيون قبل قرن كامل، ورغم ذلك فليس هنالك أستاذ كرسي في التاريخ الأفريقي حتى الآن.
لقد كان مؤلف هذا الكتاب شديد الحرص على تحاشي الوصول إلى خلاصات لا تسندها الأدلة والبراهين من كل ذلك الكم الهائل من المعلومات التي جمعها. وكان حكيما في ذكره أن مزيدا من الأبحاث في المستقبل قد تثبت خطل ما توصل إليه في أمر ما. غير أن التوفيق جانبه في افتراضه أن كتابه هذا سيغدو مجرد "عدد سابق" من مجلة ما، فهو سيظل – بلا ريب - كنزا نفيسا ومُستداما يرجع إليه عند دراسة تاريخ هذا القطر، وسيضم إلى كتاب هارولد ماكمايكل العمدة (قبائل شمال ووسط كردفان) وغيره من كتبه التي تثير الحماس عند الهواة من القُرّاء.
ويعد الجزء الأول من الكتاب فهرسا طبوغرافيا وتاريخيا (gazetter) للسودان النيلي، تعرض فيه الكاتب بصورة مختصرة عامة للمناطق الأثرية وتاريخها في الأزمان التي سبقت ظهور دولة الفونج. وأعقب ذلك بوصف مملكة سنار جزءًا جزءًا، بتفصيل شديد، من الشمال للجنوب، ومصحوبة بعدد من الصور الممتازة ومستنسخات من رسومات قديمة لأنقاض قلاع النبلاء القديمة، غير المعروفة لغالب السودانيين. ولكون أنه لم يسبق تسجيل أي معلومة أو صورة أو رسم تلك الأنقاض، فهنالك فرص ذهبية للهواة المحليين، والتلاميذ الكشافة وغيرهم للقيام بأعمال مفيدة (أو على الأقل لا ضرر منها) بعمل إسكتشات وخرائط، شريطة أن يدعوا أمر الحفريات والكشف عن الآثار للمختصين.
وأفترض المؤلف في كل أجزاء كتابه أن للقارئ معرفة أولية مسبقة بتاريخ الفونج وبما كتبه الخبراء في هذا الجانب. وقد يسبب ذلك بعض القلق والارتباك للقارئ الذي لم يسمع من قبل بتلك المملكة، ويضطره للتنقل بين صفحات الكتاب بحثا عن تفسير أو مراجع لبعض ما يقرأه. فعلى سبيل المثال ذكر في صفحة 112 من الكتاب اسم كنتباي محمود عند الحديث عن ملفات نيوبولد، وذكر أيضا اسم شيخ جامود Gamod) (لعل الاسم المقصود هو جقود. المترجم). في نفس الصفحة، وديومة العبدلابي في صفحة 88.
ويعرض الفصل الأول باختصار للعصر المروي. غير أن المؤلف، للعجب، لم يأت على أي ذكر في هذا الفصل لأصل النوبيين، ولكن يجب القول بأنه أيضا لم يأت بشيء يخالف النظرية الحالية السائدة (التي رفضها أو تجاهلها ترينقهام وكيروان) القائلة بأن النوبة الحمر أتوا من الصحراء، ونقلوا لاحقا لغتهم جنوبا عبر كردفان إلى الدلنج بعد الغزو العربي.
أما البحث المقترح للبحث عن سيمبوبيتس Sembobitis (صفحة 18)، تلك المستعمرة التي شيدها المرتزقة الآتين من مصر في القرن السابع قبل الميلاد، فهو فرصة جيدة لأي فرد في الجزيرة يمكنه الذهاب لود العباس واستعارة قارب! وهل من شيء أفضل لأي رجل من أن يستكشف في صباح يوم جمعة تلك الجزر المهجورة المدفونة تحت أرضها كثير من المدن. وليس هنالك من دليل أو تحدار أو تراث قديم يدل على أن تلك المنطقة التي تطرق إليها المؤلف كانت مكانا لإقامة الناس منذ زمن بعيد، وما زالت تلك المنطقة إلى الآن (أو كان قبل ربع عقد من الزمان) خاليا تقريبا من السكان.
أما الفصل الثاني فيتناول الممالِك المسيحية في دنقلا وعلوة. وسجل المؤلف في صفحة 27 مذكرة صغيرة عن أطلال زانكور Zankor (بحسب موسوعة الويكيبيديا هي من مدن السودان الأثرية القديمة التي تقع على بعد 5 كيلومترات غرب وادي الملك، اكتشف وجودها الضابط البريطاني أ. بن عام 1924م. المترجم). ومنذ أن زرت تلك المنطقة في عام 1930م ظل شعوري الخاص هو أن "كاجا سويرجKaja Serrug " كانوا يتجهون دوما شمالا وليس شرقا. وكان الطريق عبر وادي الملك (طريق الملك السريع) من دنقلا يتجه غربا هنا إلى برووش Burush وسمياط Simiat، كما كان يفعل في أيام اينسور Ensor. وفي عصور ما قبل الإسلام لم يكن لـ "طريق الحج" إلى الشرق بذي أهمية كبيرة. وجعلت السجلات الغربية (التي تعكس القوائم التي أعدها الجغرافيون العرب) تسلسل الممالك (وبالتالي طرق القوافل) تنحرف لشمال – شرق دنقلا، وليس لجهة علوة في الشرق. ومن المثير للانتباه ما قام به آركل من استعراف على صلة بين سمياط وسينيا Sinia القديمة، إذ أن سينيا كانت هي عاصمة التاجو Tagu التي غزاها "Lord of the Bulak"، تابع ملك دنقلا. وعلى كل حال، فإن تلك الصلة تثبت أن التاجو، وهي أكبر قوة أفريقية في الشرق، كانت على صلة بدنقلا، وليس بعلوة. وإن كانت زانكور خاضعة لسلطان دنقلا، فلا غرابة في أن يخلط كاتب عربي في القرن الثالث عشر ميلادي بسهولة بينها وبين علوة، وهي مملكة أخرى تقع بالقرب من مركز البديرية في كاب بلول. (أنتوني جون آركل (1898 – 1980م) الذي ورد ذكره أعلاه، هو عالم آثار بريطاني كان قد التحق بخدمة القسم السياسي بحكومة السودان في 1920م، ثم عمل لاحقا بالتدريس في قسم الآثار بجامعة لندن. وشملت أعماله البحثية كتابا عن السودان عنوانه "تاريخ السودان منذ أقدم العصور إلى عام 1921م"، صدر عام 1955م عن دار نشر جامعة لندن، بالإضافة إلى عدد من الدراسات في علم الآثار المصرية (Egyptology) وأشغال الحديد في مروي، وغير ذلك كثير. المترجم).
وتطرق الفصل الثالث والرابع لمناطق نفوذ الفونج على النهر. أما الفصل الخامس فقد خصصه لوصف جزيرة مروي.
أما ما جاء به الكاتب في صفحة 88 من أن "أم ديوم" فقد يشير ببساطة إلى مكان يعيش فيه الناس، ويطلق عليه دوما كلمة "ديم". وكنت قد هجرت قبل سنوات مكانا بالقرب من سنكات وصف لي بأنه كان مكانا يقطنه قديما "ديوم فيحا".
أما زعم فيرني (الوارد في صفحة 89) بأن الشكرية كانوا يتحدثون بلغة البجا عام 1847م، فربما كان بسبب أن الشكرية كانوا يتحدثون بلغتين. وتبدو قبيلة لشكرية الآن قبيلة عربية الطابع. غير أن جي. أ. ريد كانت لديه نظرية تفيد بأن فرع النوراب من قبيلة الكبابيش (الذين اختصوا بنحاس القبيلة) يرتبطون بصورة من الصور بالدار الملكية في دنقلا، ربما عن طريق الركابية. ومن المفارقات السائدة في النيل الأزرق أن عائلة شيخ أبي سن تجري في عروقها دماء ركابية (أورد الكاتب في الهامش أن علي أفندي أبو سن باشمفتش غرب دارفور أكد له أن هنالك دماء ركابية عند أفراد عائلة أبي سن بسبب زواج أحدهم بابنة شيخ محمد صادق الركابي، والذي اشتهر بترويض الأفيال. المترجم). غير أني لم أعثر على دليل على هذا، ولم أجد في كتاب ماكمايكل (الجزء الأول ص 323 – 324) ولا في كتاب هيللسون عن الشكرية ومعارفها وتراثها أي إشارة لكيفية بلوغ هذه العشيرة المستقرة ذات الارتباطات الدينية إلى مرتبة "ملوك البطانة"، حتى طردهم الشكرية.
وما ذكره الرحالة جيمس بروس عن فضلي (Fidele) شيخ القضارف (صفحتي 90 و248) ربما كان المقصود منه فضيلي (Fideili) وهي تصغير اسم فضل. ويوجد مكان يسمى "القلابات" بالقرب من زالنجي (صفحة 93)، ولا أدري أن كانت "القلابات" الدارفورية سابقة لسميتها في الشرق.
وتتناول الفصول السادس والسابع والثامن قبيلة البجا ومدينة سواكن وأرتيريا، وكل تلك الأماكن ذات أهمية تاريخية كبيرة، رغم أنها لم تحظ بكثير من الدراسات خلا تلك التي نشرت في مجلة "السودان في رسائل ومدونات"، وفي ملفات السير دوجلاس نيوبولود. وللجزء الخاص ببني عامر في هذا الكتاب قيمة خاصة، وقد نصحت به السيد أ. بول، والذي يحاول التقاط الخيوط التي كان دوجلاس نيوبولد قد بدأ في جمعها. (بدأ السير دوجلاس نيوبولد، 1894-1945م، عمله في خدمة حكومة السودان عام 1920م في دار الكبابيش، وشغل منصب حاكم كردفان بين عامي 1932 – 1938م، ثم منصب السكرتير الإداري بين عامي 1939 – 1945م. المترجم).
وفي ختام الفصل السابع بدأ الكاتب في الالتفات إلى الفونج وأصولهم. وبالنسبة لكثير من القراء هذه هي "زبدة" الكتاب (كتبها هيندرسون بالحروف الأبجدية اللاتينية هكذا -Zibda- المترجم).
لقد حكم العرب البلو (Belaw) قبيلة البني عامر حتى نهاية القرن السادس عشر، ووصفهم الفاريز واييز (Alvarez and Paez) بأنهم كانوا سادة دكين (Dequin)، وهي المنطقة الواقعة بين الحبشة والنوبة (أي المنطقة بين أتبرا – القاش – بركة). وعرفوا في التاريخ بالفروسية وشدة المراس في القتال، وذلك قبل أن يسمع أي واحد بالفونج. وعند أول صدام بين جيوش الفونج والأحباش، افترض الأحباش أن من يقاتلونهم هم من البلو. أيكون ذلك بسبب أن البلو كانوا يحاربون نيابة عن الفونج، أم لأن الأحباش لم يكونوا على علم بتغيير السلطة الذي حدث في المنطقة، أم لأن الفونج كانوا على صلة وثيقة بالبلو؟ أم هل أتى عمارة دنقس من دنكاس (Dunkas) على نهر بركة، التي كانت العاصمة الصيفية للنبتاب، والذين حلوا محل البلو كحكام لبني عامر؟ (أوردت موسوعة الويكيبيديا مقالة غير مراجعة عن تاريخ قبيلة البني عامر تجدها في هذا الرابط: goo.gl/dJ7LA2 . المترجم).
وسرد المؤلف في الفصل التاسع من كتابه رحلة (اليهودي) ديفيد روبيني (Reubeni) في أرجاء منطقة سنار في عام 1552م، كمقدمة لتناول سلطنة الفونج بسنار ببعض التوسع في الفصلين العاشر والحادي عشر. ومن أهم ما يمكن استخلاصه مما سطره روبيني هو أن عمارة دنقس كان على قيد الحياة في عام 1522م، ويسيطر سيطرة تامة على كامل وادي النيل حتى منطقة حنك (على الحدود الجنوبية لمحلية دلقو. المترجم)، وأن مركز قيادته كان في مكان يسمى لامول (Lamul) على الحدود الحبشية، على مسيرة ثمانية أيام من سنار. (انظر مقال جبرائيل واربيرج المترجم بعنوان "رحالة يهودي في ضيافة سلطان الفونج عمارة دنقس -1523م"، ومقال كاتب هذا العرض (هيندرسون) في مجلة "السودان في رسائل ومدونات عام 1933م.المترجم).
ثم التقط الكاتب ما ورد نهاية الفصل السابع حول تفسير ما وقع فيه جيمس بروس من خلط بين الفونج والشلك، وبين الشلك والنوبة والشنقلا. وناقش المؤلف هنا ما كتب حول ذلك، وحاول أن يوفق بين الآراء التي كتبت، وأن يضعها في سياق الأصل الشمالي – الشرقي عبر القلابات إلى أرتيريا. وليس هنالك ما يمنع احتمال أن تكون نظرية المؤلف صحيحة. غير أن قراءتي لمحاولاته المعتادة للاستعراف على الأماكن التي يأتي على ذكرها يؤكد لي أنها محاولات بها قدر كبير من التخمين. فمدينة لامول التي ذكرها المؤلف قد تكون في أي مكان في منطقة مسافة قطرها مسيرة ثمانية أيام، ومنطقة سيطرة الفونج قد تكون في أي مكان على الحدود. وذكر آخرون (مثل روسيني) بأن هنالك قبيلة في إرتريا اسمها "الفونج" في نهايات القرن الخامس عشر، وتوجد كذلك أسماء معينة ذكر أنها تقع "على نهر بركة" تؤكد هذه الصلة بين الفونج وإرتريا. (ذكر المؤلف هنا في الهامش أمرا لا علاقة له بالموضوع المثار، مفاده أن جزيرة امرا (التي ورد ذكرها في صفحة 144) هي "تؤم" لجزيرة في مقابل كوستي، يسمونهما "العروس" و"العزبة"، لأن النيل (الأب) يزور واحدة منها بانتظام، ولا يغشى الأخرى إلا لماما. المترجم). ولعل هذا هو أكثر ما قرأته صحةً عن الفونج. وليس من المستبعد أن يكون عمارة قد قابل لاجئين من سوبا، وأن يكون قد جمع بين أمرين: فعل الخير، وجني مكاسب جمة، وذلك بالانتقام لهم من العرب الذين هزموهم. ولم يخطر ببالي وأنا أقرأ هذا الجزء في الكتاب إلا أن أؤمن بأنه كان من المؤكد أن هؤلاء "الهمج" كانوا سيعودون معه حتما ولن يستقروا في جنجار. والرأي بأن عمارة دنقس هو الذي انتقم من سوبا ودمرها يختلف بعض الشيء عن نظرية شاتوي Chatawy في هذا الأمر (شاتوي هو أحد الإداريين البريطانيين في القلم السياسي لحكومة السودان. المترجم).
ويترك الكاتب القارئ غير المتخصص في حيرة من أمره حيال كثير من الوقائع والأسماء والأماكن. ويظل محتارا فيمن طرد الفونج من وادي أنسيبا (Anseba)، ومن هم أعداء عمارة دنقس في أربجي؟ ومن قادهم إن كان عبد الله جماع في تلك السنوات طفلا صغيرا؟ وهل كتاب جيمس بروس هو المرجع الوحيد المعتمد في تلك المعركة؟ وأليس من الممكن أن يكون قد خلط بينها وبين بعض غارات الشلك في ثمانينات القرن السابع عشر؟ ما الذي يعيب القصة المألوفة عن تحالف بين العبدلاب والفونج (غير الشك في سن عبد الله جماع حينها بالطبع). وما الذي يظن أنه قد حدث بين عام 1504م وتاريخ معركة حنك. وكان بإمكان المؤلف في هذا الموضع من الكتاب أن يضيف بعض المعلومات عن حنك نفسها، إلا أنه لم يأتي لها على ذكر إلا في الفصل الثالث عشر. ولعله كان من الأجدى للمؤلف أن يسرد هنا تسلسل الأحداث – كما يظن أنها وقعت – وأن يعطي القارئ أسباب قبوله بذلك التسلسل.
ويعود المؤلف في الفصل الحادي عشر إلى التناول المتعاطف مع قضية أصل الشلك، ويربط بينهم وبين همج فازوغلي. والهمج هم جميع من سكنوا سوبا قبل سقوطها وخرابها. وقد يعني الفرق بين "الهمج" و"العنج" بلغة عصرنا كالفرق بين "السكان الأصليين المعروفين Known aborigines"، والسكان الأصليين المجهولين Unknown aborigines".
ولم يتطرق المؤلف إلى ما كتب عن الشلك وصلتهم المزعومة بالفونج (وهو ما ذكر في ورقة بالصفحة الثانية من العدد الرابع وعشرين لمجلة "السودان في رسائل ومدونات"). وقد نفى رث الشلك في عام 1936م أي صلة للشلك بالفونج. وعلى العموم أعتقد أن نفي أو اثبات هذه الصلة يتطلب المزيد من الدراسة. ويجب في هذا الصدد أن نذكر أن "دار شلك" كانت تمتد حتى عام 1898م إلى الكوة، وكان الشلك يسمونها "بلد الغارة Raiding country". وحكى الشيخ الكبير عبد الرحيم أبو دقل عن قصة قبضه على أولاد المهدي بعد معركة كرري، وقال: "قبضت عليهم بالقرب من الفششوية في دار شلك". وهذا مما يؤكد أن الشلك كانوا قد توغلوا في مناطق في الشمال بأبعد مما يقول به المؤلف. ورجال الشلك مولعون بالقتال، وشديدو الاعتداد بأنفسهم وبكرامتهم، ويقدسون زعيمهم (الرث). وجاء في إحدى الروايات أن "العرب المسلمون" قبضوا على رث الشلك في معركة ما، فما كان منه إلا أن خنق نفسه بيديه أمام من أسروه حتى مات".
وأورد المؤلف في الفصل الثاني عشر مقدمة لسجل تسلسل الملوك في مملكة الفونج، وفسر عدم حصول عبد الله جماع على رئاسة التحالف بين الفونج والعبدلاب في عام 1504م بسبب صغر سنه. وذكر المؤلف في الفصل الثالث عشر الكثير من المعلومات عن معركة حنك التي ورد ذكرها آنفا.
أما في بقية الكتاب، فقد تناول المؤلف تاريخ كل منطقة من مناطق سلطنة الفونج إلى عام سقوطها في عام 1821م، وذلك بكثير من التفصيل والتجويد والصرامة الأكاديمية، ومستعينا الوثائق وما كتبه الرحالة الأوربيين، وسجلات الأحباش Abyssinian chronicles.
****** ****
وفي ختام عرضه للكتاب، ذكر هيندرسون أن على الموظفين البريطانيين (والسودانيين الذين سيحلون محلهم) جمع وتسجيل كل الوثائق والروايات الشفاهية قبل أن تندثر بفعل حملات محو الأمية وكتب "تاريخ السودان" المدرسية (هكذا!المترجم). وذكر أنه قد يكون أيضا ممن سببوا ضررا بتلخيصه لكتاب لامبن عن تاريخ دارفور في صحيفة "عافية"، التي كان يصدرها مكتب تعليم دارفور منذ يناير 1951م. (المقصود هو جراهام ديدلي لامين الذي عمل مفتشا إداريا في مختلف أرجاء دارفور بين 1918 و1932م، وكتب عن تاريخها. المترجم). وذكر هيندرسون أيضا أنه ينبغي على الخبراء القيام بغربلة وتنقيح ونشر كل ما يتحصلون عليه من مواد تاريخية (عن فترة سلطنة الفونج) كما فعل كرافورد، كاتب هذا السفر القيم، وأن يخضعوا نظريات الخبراء (عن تاريخ تلك السلطنة) إلى الفحص مجددا على ضوء ما استجد من معرفة بالأوضاع الحالية في المنطقة.
وأضاف بالفرنسية: ("plus ca change plus c'est la meme chose" ربما بمعنى "وعلى كل، فكل ما بدا أن الأمر قد تغير، تجده كما هو")، ولا يمكن أن يعيش المرء في بلد لعقود دون أن يكتسب بعض القدرات الطبيعية والنزوات لـ "الجريمة والشهوة والاستبداد" التي تقبع تحت سطح زائف، وأيضا لما يمكن تسميته "الاحتمالات".
لا بد في الختام من تقديم السودان جزيل الشكر والعرفان لكرافورد، وينبغي على ذلك القطر أن يجاهد كي يسد دين الرجل بتنفيذ بعض ما أوصى به.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.