اوورد وينجت في السودان، 1928 – 1933م 

Orde Wingate in the Sudan, 1928 - 1933
Simon Anglim سايمون إنقلم
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لغالب مقال عن الضابط البريطاني اوورد تشارلز وينجت وخدمته العسكرية في السودان بين عامي 1928 – 1933م، نشر في مجلة "معهد الخدمات الملكية المتحدة RUSI" في يونيو عام 2003م.
ولد اوورد ونجيت بالهند في فبراير من عام 1903، وتوفي في بورما (الآن مينمار) في مارس عام 1944م، وعرف عنه قيامه بتأسيس وحدات عسكرية خاصة في فلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين، وخدم كذلك في الحبشة وبورما والسودان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وأشتهر بتكوين فرق خاصة للقيام بـ "حرب عصابات". وقد حظي اوورد وينجت بتقريظ كبار الساسة والقادة البريطانيين، منهم ونستون تشرشل، الذي وصفه بالعبقرية. ونشرت عدد من الكتب عن الرجل منها كتاب ترافور رولي بعنوان "اوورد ونجيت: رجل عبقري Orde Wingate: A Man of Genius".
أما كاتب المقال فهو المؤرخ الحربي سايمون إنقلم، الذي يعمل باحثا ومدرسا بقسم الدراسات الحربية في كلية كنجز بجامعة لندن، حيث يدرس مقررا عن الاستراتيجية والحرب وحرب العصابات، والحرب والمجتمع. وقد حصل في 2007م على درجة الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية برسالة عن اوورد وينجت، موضوع هذا المقال. ومن اهتمامات الكاتب البحثية تاريخ الجيوش البريطانية في الشرق الأوسط.
المترجم
***** ******
تخرج اوورد وينجت في الأكاديمية الحربية الملكية بمدينة ووليش بإنجلترا عام 1922م، وغدا في مستقبل الأيام رمزا مهما من رموز المعلمين الحربيين في قوة الدفاع الإسرائيلية، وعمل قبل ذلك في "القوات الخاصة" في بورما بين عامي 1942 و1944م. وقضى الأربع سنوات التي تلت تخرجه يعمل برتبة ملازم أول (Subaltern) بسلاح المدفعية البريطانية في لارك هيل. وحتى ذلك الوقت لم يكن هنالك ما يميزه عن المئات من زملائه من الضباط الشباب، إذ كان يجعل من هوايته في ممارسة رياضة الفروسية وغشيان حفلات الرقص همه الأول قبل عمله في الجيش. غير أن كل ذلك تغير بعد أن أوفده الجيش ليتعلم اللغة العربية في "مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية" بجامعة لندن. وأبدى الشاب اهتماما كبيرا وشغفا بالغا بدراسة تلك اللغة أهلاه للحصول على 85% في أول اختبار لغة عربية جلس له بعد قضاء نحو أربعة أشهر ونصف في دراستها. وشجعه معلمه سير توماس أرنولد على البحث عن وظيفة مترجم في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا. وكان اوورد وينجت راغبا في العمل بمصر والسودان منذ بدايات عام 1924م، حينما بدأ يتلقى بصورة منتظمة رسائل من عمه (ابن عم والده) سير ريجلاند وينجت، الذي ربما كان هو من شجعه على الالتحاق بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية لتعلم اللغة العربية، ومواصلة تعلمها في السودان عن طريق المشاركة في فصول للغة العربية كانت حكومة السودان الكُوْلـوْنيـالـية تقدمها للبريطانيين (سير ريجلاند وينجت، 1861 - 1953م، ضابط في الجيش البريطاني، عمل في الجيشين الهندي والمصري، وشارك مع الجيش المصريين في معركتي توشكي وطوكر. وعمل في 1894م حاكما لمديرية سواكن. وحارب أيضا في معركتي أتبرا وكرري وأم دبكيرات، وعين لاحقا حاكما عاما للسودان الإنجليزي المصري بعد كتشنر، وذلك بين عامي 1899 – 1916م. المترجم). وتحمس اوورد لمقترح عمه، والذي كان قد أضاف إليه العم الالتحاق بقوة دفاع السودان، وسطر له عمه خطاب تعريف (توصية) إلى الفريق سير هيوبرت هيدليستون. وكانت تلك التوصية سببا في إزالة عائق القيد الزمني المفرض على الضباط البريطانيين الراغبين في الانضمام لقوة دفاع السودان، والبالغ خمس أعوام. غير أن القانون كان يبيح التغاضي عن ذلك القيد الزمني في حالة وجود توصية من أحد ضباط قوة دفاع السودان. وهذا ما لم يحصل عليه اوورد. وكان "الحصول على تأييد وعون نصراء أقوياء، ورعاة patrons في مناصب رفيعة" هو أهم ما ميز تاريخ اوورد وينجت المهني في المستقبل.
وعمل اوورد وينجت في قوة دفاع السودان بين عامي 1928 و1933م، قضى السنوات الأربع الأخيرة منها برتبة بمباشي (مقدم). وقاد في فترته بالسودان عدة عمليات صغيرة، كانت هي أطول فترة متصلة عمل فيها في ميدان القتال.
ولم يذكر الكثير في الكتابات العسكرية عن مدى تأثير أعوامه في السودان على خدمته العسكرية اللاحقة. فقد ذكر أحد المؤرخين بأن اوورد وينجت كان يعد الحدود الاثيوبية بمثابة أرض مثالية للتمرين كان يجرب فيها عمليا نظرياته في "حرب العصابات"، التي كانت تدور سلفا في عقله.
وخلص أحد الكتاب إلى أن اوورد وينجت تعلم ثلاثة دروس من عمله بالسودان، أولها أن مجموعة صغيرة من الرجال المدربين ذوي الدافعية العظيمة يمكنهم تعلم العيش تحت ظروف معادية. وثانيها هو تعليم الجنود على العمل بصورة مستقلة في مناطق بعيدة عن موطنهم شريطة أن يجدوا التقدير والرعاية والاهتمام من قادتهم، وأن يثقوا في تلك القيادة. أما ثالثها فهو ضرورة الاستمرار في تدريب الجند بصورة متواصلة تضمن بقاءهم على أهبة الاستعداد للمشاركة في العمليات في أي وقت.
وكان الذين أرخوا لحياة الرجل يركزون، بصورة عامة، على ما أثر في سيكولوجيته الشخصية، إذ أنه عانى في تلك الفترة من أول نوبة اكتئاب تصيبه بسبب عيشه لفترة متصلة وطويلة نسبيا في صحراء السودان الرتيبة المملة، ولرؤيته لأول مرة لمشهد الموت، إذ قتل جنوده أمامه رجل (من الشفتة) وتوفيت شقيقته فجأة، وواجهته مشكلة عظيمة تتعلق بخيارته الدينية (قد يكون لخياراته تلك علاقة بزواجه من فتاة انجليزية، لورنا باتريسون، كانت متعاطفة مع الصهيونية. ووردت تفاصيل عن هذا الجانب في مقال بعنوان: The Zionism of Orde Wingate A Complex Origin المترجم). غير أن الفترة التي قضاها اوورد وينجت في السودان، وتجربته فيه لا بد أن تكون قد تركت أثرا كبيرا على مسيرته وتطوره المهني والفكري. وذكر موشي ديان (الذي كان بمثابة متدرب protégé عنده) في كتاب مذكراته المعنون "قصة حياتي" صراحة بأن اوورد وينجت استفاد من كل الدروس التي استوعبها من تجربته في السودان وطبقها عمليا في جهود عملياته لمكافحة الإرهاب في فلسطين.
سنتناول في هذا المقال بعضا من سيرة اوورد وينجت في السودان، خاصة فيما يتعلق بتأثيرها الممكن على مسيرته المهنية وفكره الحربي. وسيتضح من النظر في سيرته في السودان بعض أوجه الشبه المثيرة في مواقف لاحقة وجد فيها اوورد وينجت نفسه.

قوة دفاع السودان
أنشئت قوة دفاع السودان في عام 1924م بعيد سحب القوات المصرية من السودان عقب اغتيال السردار الفريق ليي استاك بالقاهرة في 19 نوفمبر من عام 1924م. (تذكر مصادر أخرى أنها أنشئت في عام 1925م، ولعل هذا أقرب للصحة. المترجم)، بسبب إثارة الضباط والجنود "الوطنيين العروبيين" لقلاقل في أوساط الجيش (المقصود هي حركة 1942م. المترجم). وعند وصول اوورد وينجت للسودان، كانت قوة دفاع السودان تتكون من فيلق / فرقة هجانة (وهي قوة مختلطة من أفراد سِلَاح الْمُشَاة، ونقل ميكانيكي، وكتيبة مدفعية، وثلاث كتائب للمشاة. وكانت هنالك قيادات لقوة دفاع السودان في غرب البلاد وشرقها وجنوبها.
التحق اوورد وينجت بقوة دفاع السودان في يونيو من عام 1928م بالقيادة الشرقية التي أقيمت على الحدود السودانية – الإرترية في رتبة بمباشي في الإدارة الثالثة لفرقة المشاة عرب التي كان مركزها بالقضارف، حيث كانت الغالبية العظمي من جنوده (وعددهم 375) من العرب المسلمين، مع أقلية من الجنود الصوماليين السود من جنوب السودان. وكان للضباط في تلك الأيام استقلالية ومسئوليات أكبر مما هو مطبق في المواقع الموازية الأخرى في الجيش البريطاني. فقد كان كل بمباشي يقوم بتعيين مجنديه بنفسه، ويقوم وحده بالتخطيط والتنفيذ لبرنامج التدريب، ويرقي من يشاء ويفصل من يشاء من جنوده دون تدخل من أحد. وكان البمباشي مسئولا أيضا عن إدارة وتنفيذ أحكام القضاء العسكري على من تحته من الجنود. وانطبق ذلك أيضا على كل قوة عسكرية عمل بها اوورد وينجت لاحقا، بما في ذلك مجموعة شينديتس Chindits (بحسب ما ورد في موسوعة الويكيبيديا عرفت مجموعة شينديتس رسميا باسم "مجموعات الاختراق طويلة المدى"، وهي وحدات عمليات خاصة من الجيوش البريطانية والهندية عملت في الحرب العالمية الثانية (خاصة بين عامي 1943-1944) خلال حملة بورما. وكان العميد اوورد وينجت هو من شكل وقاد تلك المجموعة الخاصة للقيام بعمليات هجومية ضد الجيش الإمبراطوري الياباني، واختراقه، وقطع خطوط اتصالاته. المترجم). غير أن مجموعة شينديتس كانت أكثر "نظامية" من تلك التي أنشأها في سنوات عمله في القضارف، خاصة بعد عام 1943م.
وكان تدريب اوورد وينجت لجنده في السودان واقعيا، فالصحراء المقفرة الخالية من السكان كانت تتيح استخدام الذخيرة الحية في التدريبات، والسير/ الزحف في طوابير (مارشات) لمسافات تتراوح بين 5 و600 ميل بصورة دورية منتظمة في مناطق نائية بقصد جعل الأهالي يرون العلم البريطاني (show the flag). وكانت كل إدارة تحمل معها مستلزماتها الخاصة في تلك المارشات، بينما يحمل البمباشي مستلزمات صيده بنفسه، إذ كان من مهام البمباشي الأخرى هي صيد الأسود، التي كانت تعد أهم مهدد للحياة في تلك البرية. ونجح اوورد وينجت ذات مرة في قتل ثلاثة منها في دورية واحدة.
وكان من المعتاد أن تقوم قوة دفاع السودان في شهر فبراير من كل عام بتدريبات مشتركة مع سرب طيران قوة دفاع السودان (47 - B)، المسؤولة عن الحفاظ على المجال الجوي في المناطق النائية للبلاد. وأشترك اوورد وينجت في تجارب العمليات الجوية – الأرضية المشتركة في غضون كل سنواته بالسودان.

المعارضة
تنوعت التهديدات التي كانت تواجه البلاد. كان من أهم تلك التهديدات (الممكنة) عودة المهدية من جديد. وأخذت حكومة السودان ذلك الاحتمال على محمل الجد في الثلاثينيات، خاصة بعد قيام بعض محاولات التمرد في كل من دارفور وكردفان، حدث أخطرها في أعوام 1916، 1921 و1928م. وظلت الشرطة منشغلة بإخماد حوادث تمرد متكررة وصغيرة نسبيا مستمرة في مناطق الجبال حيث تقطن القبائل السوداء بجنوب السودان (هكذا! المترجم).
غير أن المشكلة الكبرى التي واجهت اوورد وينجت إبان خدمته في القضارف كانت تشابه كثيرا ما واجهه لاحقا في فلسطين بعد نحو ثمان سنوات من تاريخ عمله في السودان. تلخصت تلك المشكلة في وجود أعداد كبيرة من العصابات الإثيوبية (تسمى " الشفتة") وقطاع الطرق السودانيين الذين يعبرون الحدود السودانية من الحبشة وأرتيريا لصيد الحيوانات البرية صيدا جائرا (للحصول على العاج أو لحوم وجلود بعض الحيوانات)، أو لخطف بعض الأفراد من القبائل النوبية غير المحاربة القاطنة في مناطق الحدود واسترقاقهم، لبيعهم في أديس أبابا أو الرياض. وبلغ من ضيق السلطات الاستعمارية بالخرطوم من عصابات الشفتة أن رحبت بالغزو الإيطالي لأرتيريا في عام 1935م، أملا في أن يفلح الإيطاليون في كبح جماح تلك العصابات. وذكر المؤرخ ليونارد موسلي في كتابه الموسوم (Gideon Goes to War) بأن الصورة الذهنية المرتسمة في عقل وخيال اوورد وينجت عن الرجل الإثيوبي كـ "لص نذل وتاجر رقيق" كان لها بعض الأثر في عملياته العسكرية ضدهم في عام 1941م. إلا أن ذلك لم يكن هو سلوك أو موقف اوورد وينجت من الإثيوبيين بصورة عامة، إذ كان قد أقام علاقات صداقة مع كثير من التجار الإثيوبيين الذين دخلوا للسودان بطريقة شرعية عبر الحدود التي كانت قواته تحرسها، بل كان يعبر هو نفسه تلك الحدود ليشارك الإثيوبيين في صلواتهم بالكنيسة القبطية. ومع مرور الوقت بدأ اوورد وينجت يؤمن بأن الإثيوبيين "شعب مختار people of destiny" بفضل مسيحيتهم، وحكومتهم المنظمة (نسبيا)، وثقافتهم المستقرة. وفي مقبل السنوات آمن اوورد وينجت، بصورة أشد وأقوى، بنفس المقولة عن اليهود.
وكان للجيش البريطاني كتيب دليل ارشادي لقواعد الاشتباك عنوانه "الحرب ضد البلدان غير النامية وشبه المتحضرة Warfare in Underdeveloped and Semi – Civilized Countries “. وشمل فصل في ذلك الكتيب في نسخته الصادرة عام 1929م جملة في البداية تفيد بأن "المبادئ الحربية الأساسية للجيش البريطاني تنطبق أيضا على حملاته في تلك البلدان (أي في البلدان "غير النامية وشبه المتحضرة")، وأن الهدف يجب أن يظل هو القضاء على مقاومة العدو عن طريق تركيز جمعهم في منطقة واحدة للقتال. ويمكن فعل ذلك بتهديد عاصمتهم، وأماكنهم المقدسة، أو آبارهم ومحاصيلهم. وهنالك بديل لهذه الخطة، وهو السيطرة على أجواء العدو، وقصف قراه ومحاصيله، وتعطيل الحياة اليومية العادية فيه بضربات جوية محكمة تجبر العدو على أن يرضخ للشروط التي نمليها عليه. غير أن السلاح الجوي قليل الفاعلية في البلدان المقفولة أو المناطق المهدمة أصلا (مثل منطقة الحدود السودانية – الأثيوبية)، أو في المناطق التي تعيش أو تختلط فيها القبائل المعادية والصديقة معا. وفي مثل هذه الحالات يتطلب الأمر الاستخدام المحكم التخطيط لخليط من القصف الجوي والهجوم البري، الذي ينبغي أن يتم بواسطة أفراد سِلَاح الْمُشَاة (على ظهور الإبل أو العربات المدرعة)، خاصة في المناطق الصحراوية".
وتطبيقا لما ذكر أدت قوة دفاع السودان تدريبات مشتركة مع سرب من طائرات سلاح الجو البريطاني، تحت قيادة القائد العام لقوة دفاع السودان. وقام سلاح الجو البريطاني بتوفير التموين والاستطلاع لدوريات طويلة المدى لأفراد قوة دفاع السودان على الحدود مع ليبيا (الإيطالية) في عام 1931م، حين قامت القوات الإيطالية باحتلال بعض الواحات في شمال غرب السودان. وقام سلاح الجو البريطاني كذلك بتقديم العون لسلاح الهجانة في إخماد محاولة تمرد مهدوي في مناطق النوير عام 1928م، وتمرد آخر في مناطق جبل اللير بجبال النوبة في 1929م (جاء في موسوعة الجزيرة: "وإثر قدوم الاستعمار البريطاني إلى السودان استقبلته النوير بمعارضة قوية رافضة "حكم البيض"، لكن البريطانيين أخضعوا هذه القبيلة القوية لإدارتهم الصارمة بعمليات عسكرية عُرفت بـ "حرب النوير" تمت خلال أعوام 1928-1930. وقد استخدم البريطانيون في تلك الحرب الطائرات والدبابات مقابل سلاح النوير المتمثل في السهام والحراب، فقتلوا أعدادا كبيرة من النوير واعتقلوا زعيمهم "دوال ديو". وجاء في مقال اسفيري للأستاذ آدم جمال أحمد أن النوبة ثاروا على فترات متقاربة على الاستعمار منذ عام 1908م، وجاء في مقال اسفيري للأستاذ آدم جمال أحمد أن الإدارة البريطانية الأجنبية لم تتمكن من السيطرة النهائية على جبال النوبة، إلا في عام 1929. حيث قمعت المعارضة الثائرة بشراسة لقبائل الليري". المترجم).

تجربة وينجت
لم تكن السيطرة على الأجواء، أو العمليات المشتركة الواسعة للقوات الجوية والبرية بذات نفع ضد خصم مثل الشفتة، الذين لا يمكن توقع تحركاتهم ولا أفعالهم، وينتشرون على مساحات واسعة من الأراضي، خاصة وهو يجدون الملجأ الآمن عبر الحدود. وكانت السيطرة على تلك الحدود تتطلب دوريات قوة مشاة مستمرة لتتعقب أفراد العصابات وتعتقلهم أو تقضي عليهم. وعرف الكاتب ريتشارد سيمسكن تلك العمليات بأنها: "مهام محدودة ذات هدف استراتيجي". وبهذا التعريف يمكن اعتبار كل دورية من تلك الدوريات بمثابة "عملية صغيرة"، وكان ينبغي على قادة تلك الدوريات الأخذ في الاعتبار عوامل عديدة على مستوى أرفع من المستوى التكتيكي البحت. وتجلى ذلك في دورية سيرها اوورد وينجت في 11/4/1931م ضد أفراد من عصابات الشفتة كانوا يغزون محمية الدندر ومنطقة Gallegu ويصطادون حيواناتها البرية. وكانت عصابة الشفتة تلك تتكون من 12 فردا، نصفهم من المسترقين. وأمر اوورد بعدم إطلاق النار عليهم إلا إذا قاوموا الاعتقال أو حاولوا الفرار. وكان اوورد قد خطط مسار تلك الدورية بطريقة خدعت الخصم، وأخذته على حين غرة. فقد بدأ تحركه من مدينة سنجة وأعلن أنه سيسير جنوبا نحو الروصيرص. غير أنه غير مسيرة الدورية إلى جزيرة على نهر الدندر اسمها "أم عروق"، التي قبض فيها على رجلين من الشفتة، ووعدهما بالعفو عنهما إن أخبراه بمكان بقية أفراد العصابة. وبالفعل قبض عليهم بعد أيام قليلة في "راس عامر"، وقتل منهم في تبادل لإطلاق النار رجل كان، للغرابة، يعمل جنديا سابقا بقوة دفاع السودان. ويقال إن تلك الحادثة الأخيرة ساهمت في إصابة اوورد وينجت بمرض الاكتئاب. وفي يوم 21 من ذات الشهر قام الرجل بقيادة دورية أخرى ضد الشفتة طبق فيها نفس الخدعة العسكرية للالتفاف على العدو من كل جانب. وظل تفكير اوورد وينجت العسكري قائم دوما حتى وفاته على تكتيك "خداع العدو والهجوم عليه بغتة".
وكانت معضلة التفريق بين المتمردين والمدنيين أثناء تلك العمليات هي من أقسى ما واجه اوورد وينجت، مما اضطره للاعتماد على دوريات يقوم بها خارج السودان، ومباغتة عصابات الشفتة في الطرق التي كانوا يسلكونها عادة. وهذا ما اتبعه لاحقا في عملياته في فلسطين.
وختاما، يجب ذكر أن ما أُشتُهِرَ به اوورد وينجت من ميل وحماس لإثارة للمشاكل لزملائه ورؤسائه لم يتضح (كثيرا) خلال سنوته في السودان. إلا أن هنالك حادثة واحدة في هذا الجانب تستأهل الذكر هنا. كان قائد القيادة الشرقية قد نصح اوورد وينجت عند وصوله لمباشرة عمله بأن لا يقرب مناقشة الدين والسياسة (ويشمل ذلك الماركسية) مع أحد من الناس في "ميز" الضباط. وبغض النظر عن تلك النصيحة، فقد كان اوورد وينجت محبوبا، بشكل عادي، من زملائه الضباط في قوة دفاع السودان، ومحترما لمهارته العالية في لعبة البولو. غير أنه، مع مرور الوقت، بدأ اوورد وينجت يقوم بتدريب جنوده على طريقة تفكيره في التعامل مع عصابات الشفتة وغيرهم، ومكونا فرق سماها "فرق الليل الخاصة"، متجاهلا الطريقة المعتادة في التدريب، ودون مشورة من هو أعلى رتبة. وظل اوورد وينجت يقوم بتطبيق فكره العسكري الخاص، وتجاهل الفكر العسكري التقليدي إلى أن توفي. وكان ذلك من أسباب حنق الكثيرين في المؤسسة العسكرية عليه.
لقد كانت الخبرة العسكرية التي اكتسبها الرجل في السودان هي أساس لكل نجاح عسكري لأوورد وينجت في باقي أيامه.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.