Salubrious Khartoum: Building a Colonial City, 1899 – 1912

Henrik Kuklick هنريكا كوكليك

ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال للبروفسيورة هنريكا كوكليك حول تاريخ بناء (أو إعادة بناء) المستعمر لمدينة الخرطوم بين عامي 1899 و1912م. نشر المقال عام 2008م في العدد الرابع من المجلة الأمريكية السنوية "تاريخ الأنثروبولوجيا" AnnualAnthropology of Histories.

وكاتبة المقال هنريكا كوكليك (1942م – 2013م) عالمة أنثروبولوجيا عملت لسنوات في جامعة بنسلفانيا الأمريكية بعد أن درَسَت هذه المادة في جامعات لندن وييل (التي حصلت منها على درجة الدكتوراه في الإدارة الاستعمارية في غانا). وحررت الكاتبة مؤلفا شهيرا نشر بعنوان "تاريخ جديد للأنثروبولوجيا A New History of Anthropology".

وكما قد يلاحظ قمت ببعض التغيير في عنوان المقال الأصلي. وسيلاحظ القارئ أيضا أن لغة بعض تقارير معمل ويلكم لأبحاث المناطق الحارة التي نشرت في بداية القرن العشرين لا تخلو من عنصرية وفجاجة إن قيست بمعايير أيامنا هذه.

المترجم

***** ***** *****

موقع الخرطوم الاستراتيجي

تقع الخرطوم عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق. وكانت للمدينة أهمية عظيمة في العهد التركي – المصري بالسودان (1821 – 1885م)، حين كان عدد سكانها نحو 50000 نسمة. وخلال السنوات الاِثْنَيْ عشر التالية تناقص عدد سكانها بصورة متسارعة بسبب الهجرة من المدينة، والأمراض الفتاكة، والمجاعة – وكانت تلك كلها من نتائج وعقابيل الثورة ضد الحكم التركي – المصري.

ثم تمت استعادة الأمن والاستقرار وتهدئة الأوضاع في السودان بجيش مصري يقوده جنرال بريطاني هو السير هيربرت كتشنر، والذي أعاد الخرطوم عاصمة إدارية ومركزا لحكمه القائم على

ثنائية (اسمية / شكلية) بين مصر وبريطانيا ابْتِداءً من 19/1/1899م. وكان الحكم في الواقع بريطانيا خالصا، إذ أن بريطانيا كانت قد احتلت مصر نفسها في عام 1882م بذريعة الدفاع عن سلطة الحكم الخديوي المتوارث، والتحسب من مطامع منافسيها الاستعماريين، خاصة الفرنسيين. وأتى الضابط البريطاني اللورد كرومر (حاكم مصر الفعلي) بفكرة "الحكم الثنائي" هذه حتى يتحاشى أي مطالبة مستقبلية للإمبراطورية العثمانية بحكم السودان، ولتكون السيادة على السودان من حق أي دولة من الدولتين. غير أن كرومر أكد في أكثر من موضع أن اليد العليا في إدارة السودان هي لبريطانيا دون منازع، وأن سيادة مصر على السودان أمر شكلي فحسب.

وبدأ اللورد كتشنر، أول حاكم عام للسودان (الإنجليزي – المصري) عمله بالتخطيط لإعادة بناء الخرطوم، وتواصل تنفيذ تلك الخطة حتى بعد انتهاء عمل من تولى الحكم بعده (سير ريجلاند وينجت) في نهايات عام 1899م. وقام جنود كتشنر بتسوية المباني المتهدمة بالأرض، وتهيئتها لبناء مدينة جديدة بالكلية. ولم تتم إعادة التأهيل إلا للقليل من مباني الخرطوم القديمة وبساتين النخيل فيها. ومدت العاصمة للضفة الشمالية من النيل الأزرق وسميت بالخرطوم بحري. وأقيمت فيها لاحقا محطة للسكة حديد ومخازن وأسواق وبعض الثكنات العسكرية. وكان كتشنر يفترض في تخطيطه أن الخرطوم "ستغدو أكبر مدينة في أفريقيا"، إذ كان يتوقع أن "يوفر السودان لمصانع الغزل والنسيج في لانكشير كل ما تستطيع استيعابه من قطن" وأن الخرطوم "ستنمو وتنتعش اقتصاديا وتغدو مركزا ضخما لتجارة القطن". واتخذت بين عامي 1899 – 1912م قرارات أساسية وبالغة الأهمية لتجعل من المدينة تجسيدا للأفكار البريطانية الاستعمارية في النظام الاجتماعي، بالمعنى الرمزي، والعملي كذلك. وحرص كتشنر على أن يذكر تخطيط الشوارع في الخرطوم دوما بالسلطة الاستعمارية: ففي شبكة الشوارع التي خططها سمي الشارع الرئيسي "شارع فيكتوريا"، وخطط حوله شبكة جانبية من الشوارع سمي كل واحد منها على اسم معركة استعمارية ناجحة. وكان الغرض النهائي من تخطيط الشوارع على ذلك النحو هو المساعدة في السيطرة العسكرية على المدينة.

وفي عام 1906م تم إنجاز تصميم مركز رمزي لمدينة الخرطوم الاستعمارية، وقامت صاحبة السمو الملكي الأميرة بياترس بوضع حجر أساس كاتدرائية أنغليكانية أطلق عليها اسم "كنيسة كاتدرائية كل القديسين" وافتتحت في عام 1912م.

وكان إعادة تخطيط الخرطوم قد صمم لتكون المدنية "مدينة صحية" بحق، وذلك بفضل الإدارة البريطانية الكفؤة، والتي أدركت أن الحفاظ على مستوى عالٍ من الصحة العامة بالمدينة سيجعل من

الإقامة والاستيطان فيها أمرا جاذبا للأوربيين – الذين كانوا يعدون أهم أوائل المستهدفين للاستفادة من جهود الحكومة في مجال الصحة العامة، كما هو معتاد في بقية المدن الاستعمارية.

وكانت إدارة حكومة وينجت في السودان من أوائل حكومات المستعمرات التي قررت الاستفادة من علماء الأنثروبولوجيا (من كمبردج وأكسفورد) في دورات تثقيفية تقدم للإداريين البريطانيين في السودان عام 1908م، وفي القيام بأبحاث أكاديمية أيضا. وكان أبرز هؤلاء هو سيلقمان وزوجه بيرندا (سبق لنا ترجمة لعرض عن كتاب لسيلقمان "الكبابيش قبيلة سودانية عربية. المترجم).

كان لاحتلال بريطانيا للسودان أهمية رمزية، رغم أن بريطانيا الرسمية لم تكن ترغب في فرض سيادتها على السودان. غير أن وينجت أفلح في تحفيز الرأي العام البريطاني بالتركيز على قصص درامية عن نهاية الجنرال (الشهيد المسيحي) غردون البطولية، وضرورة الانتقام له بإعادة احتلال السودان. وأيدت الملكة فيكتوريا ذلك المسعى. غير أن بريطانيا لم تكن على استعداد لمقابلة التكاليف المالية لإعادة احتلال السودان، فتولتها مصر.

وصفت نشرة قدمت لرجال القوات البريطانية في السودان الأحوال غير الصحية التي كانت عليها الخرطوم. وكانت هنالك حاجة ماسة وعاجلة لبناء مرافق صحية في المدينة المهدمة بمبانيها الطينية البائسة والبالغة القذارة، خاصة في موسم الأمطار، حيث تركد مياه الأمطار في برك ضخمة تكون مستودعا ضخما للهوام الضارة. ولا ريب أن رفع المستوى الصحي لتلك المدينة من شأنه أن يجذب السياح والتجار والمستثمرين، وربما حتى المستوطنين الأوربيين.

وخلص مخططو المدينة إلى أن معمار المدينة يجب أن يضع في الاعتبار أن "عددا مقدرا من سكان المدينة ليسوا في مكانهم الطبيعي، ولذا فهم ليسوا في حالة توائم مع بيئتهم. وينبغي أن توفر لتلك الشريحة من سكان المدينة ولو جزءً من "الراحة" التي ينعم بها الأهالي المعتادين على أحوال وطقس / مناخ مدينتهم".

الرمزي والعملي

توافق "الرمزي" مع "العملي" في خلق مؤسسة أدت دورا كبيرا في عملية تخطيط الخرطوم. كانت تلك المؤسسة هي معامل ويلكم لأبحاث المناطق الحارة. وكان كتشنر قد ناشد في عام 1898م الخيريين في بلاده للتبرع بما يكفي لإقامة مدرسة ثانوية في الخرطوم تسمى "كلية غردون التذكارية". واستجاب لنداء كتشنر السيد/ هنري ويلكم (الأمريكي المولد والتعليم، 1853 –

1936م)، أحد كبار رجل الصناعات الدوائية في بريطانيا وتبرع لحكومة السودان بمبلغ كبير من المال. عرف عن ويلكم اهتمامه الكبير بالشؤون الصحية في أفريقيا، وقد سبق له زيارة السودان، حيث قابل بعض المسئولين فيه، ولاحظ تفشي الأوبئة والأمراض. عرض ويلكم تجهيز معمل متكامل يقام في مباني كلية غردون التذكارية شريطة أن تتولى الحكومة إدارة المعمل وأن تدفع رواتب كل العاملين به. ولم تكن تلك هي بادرة الإحسان الوحيدة التي قدمها ويلكم، بل عرض أيضا إقامة متحف علمي / طبي بالخرطوم مجاور لذلك المعمل. وبلغ به الاهتمام بالسودان أن زاره في أوقات مختلفة، واشتغل في زياراته تلك بالتنقيب بنفسه عن الآثار المتعلقة بحياة سكان البلاد، وكان يودع ما يعثر عليه في ذلك المتحف. وقضى الرجل غالب السنوات الأربع التي تلت إقامة معمله في رحلات استكشافية مع آلاف العمال السودانيين في منطقة "جبل موية".

وكان هدف المعمل الرئيسي هو القيام بأبحاث علمية تطبيقية تخدم أفراد المجتمع، وتشجع التعليم التقني، وتدرس أمراض الانسان والحيوان، وتساعد الأطباء البشريين والبيطريين والأساتذة في كلية غردون التذكارية في أعمالهم، ودراسة مياه الشرب والمحاصيل الغذائية والثروات المعدنية، وتشجيع النمو الصناعي بالبلاد. وكان من ضمن المشاريع البحثية التي قام بها معمل ويلكم هي دراسة تجريبية لفحص السموم في المواد التي يستخدمها الأهالي في الغذاء والتداوي، والبحث عن بعض العناصر النباتية الفعالة التي قد تصلح للتطوير والتصنيع الدوائي. وأفلح العاملون بالمعمل في تنفيذ غالب أهداف المعمل المعلنة. فقد جاء في أول تقرير سنوي للمعمل عن أنه قام بجمع ما يربو على المئة من الأدوية الشعبية / العشبية التي يستخدمها الأهالي في العلاج، وأنشأ "حديقة نباتية" في داخل مبناه لدراسة النباتات الطبية والسامة وغيرها.

واختار ويلكم بنفسه مدير المعمل، واسمه أندرو بالفور (1873 – 1931م)، والذي باشر عمله في 1902م. تخرج بالفور في كلية الطب بجامعتي أدنبرا وكمبردج، متخصصا في الصحة العامة، خاصة في المناطق المدارية. وكانت بريطانيا من أوائل الدول التي اهتمت بالطب المداري (طب المناطق الحارة) وأنشأت له مدرستين في جامعتي لندن وليفربول في عام 1899م. وكان الغرض من إقامة المدرستين هو "جعل المناطق المدارية" آمنة للأوربيين. وشغل بالفور بالإضافة لعمله كمدير لمعمل ويلكم منصب طبيب في قسم الصحة في مديرية الخرطوم، التي لم تكن تشمل مدينة أم درمان المجاورة، باعتبارها مدينة لا يقطنها غير الأهالي. وكان أهم ما تصدى له بالفور هو مكافحة الهوام، خاصة البعوض. غير أن مفتشي الصحة الذين كانوا تحت إمرته كانوا يقومون أيضا بمهام أخرى

منها التخلص من النفايات، وقتل الكلاب الضالة، ومراقبة جودة المياه المعدنية (لعل المقصود هو مياه الشرب العادية. المترجم) والألبان والمواد الغذائية الأخرى، والمرور على المساكن (بيتاً بيتاً) للتأكد من نظافتها العامة، والوقوف أمام المحاكم للإدلاء بشهادتهم في القضايا التي ترفع من قبل مصلحة الصحة ضد الأفراد. وبذا غدا معمل ويلكم جزءً لا يتجزأ من النظام الحكومي بالبلاد. وصار من الممكن للعاملين في المهن الصحية الانتقال من المعمل إلى مصلحة الصحة، والعكس صحيح أيضا. وأمتد عمل بالفور لخارج مديرية الخرطوم، إذ عمل على وضع خطط لمكافحة الملاريا في بعض أجزاء السودان البعيدة. وكان العاملون بالمهن الصحية يبعثون له بعينات من الأدوية الشعبية التي يستخدمها الأهالي لدراستها. وفي حالة أوردها بالفور في كتابه بعث له بصبي أفريقي مصاب بداء المثقبيات (Trypanosomiasis) كان قد عولج بدواء محلي أضر به. (أشارت الكاتبة إلى الصبي الأفريقي بأنه "فرد تجريبي/ عينة تجريبية experimental subject، وهذا ما لا يعد مقبولا أخلاقيا الآن في الأوراق العلمية الطبية. فينبغي الإشارة صراحة إلى أن البحث قد عمل على (المرضى) أو (الحيوانات). المترجم".

وأفلح مجهود بالفور في مكافحة البعوض بدءً من عام 1905م في تمكين السكان من النوم دون الحاجة لاستخدام "ناموسيات". وأفلح هو ومن معه من مفتشي الصحة الأجانب والسودانيين في تقليص تلوث المياه من 50% إلى 9.5% عن طريق إضافة خليط من البترول الخام والمكرر (المنقى) لكل مستودعات المياه بالمدينة خلا تلك التي تستخدم في الشرب. وأعلن بالفور في عام 1911م بأنه على يقين من أن ما مدينة أكثر صحية في أفريقيا من الخرطوم في تلك السنوات، على الأقل فيما يتعلق بالأمراض السارية. ونشرت الصحيفة اللندنية "ديلي ميل" في يوم 25 سبتمبر 1906م ما يفيد بأن "كل مناطق وسط أفريقيا ستغدو قابلة للسكن للرجل الأبيض، وستصبح مواردها الزراعية والصناعية والتجارية متاحة ... (لتقوم بإعاشة) شعوب متعددة وسعيدة".

واستفاد بالفور من كونه تلقى تعليما طبيا، وحصل أيضا على درجة الدكتوراه في تخصص الصحة العامة، مما منحه القدرة على التفكير والتخطيط الصحي بفهم شامل على مستوى السكان والبيئة. وكان يؤمن بأن البيئة هي أكبر عامل مؤثر في صحة السكان، ويؤمن أيضا بفوائد إصلاح البيئة وسلوكيات أفراد المجتمع. وكان ينصح بالتشجير وإقامة الحدائق التي تقلل من درجة الحرارة وتزيد من رطوبة الجو. وكان من رأي بالفور أيضا استحالة وضع استراتيجية لإدارة الصحة في أي منطقة دون معرفة وفهم خواص البشر والحيوانات الذين يعيشون فيها. وقبل أن يشرع في حملته للقضاء على البعوض

الناقل للأمراض في الخرطوم قام بالفور بتوجيه العاملين معه لحصر أعداد البعوض في المنطقة وتحديد أنواعها وتوزيعها وطرق عيشها. وذكر في تقرير معمل ويلكم الأول الصادر عام 1904م ما نصه: "... الخرطوم هي معبر طرق لأعداد كبيرة من الأهالي الحاملين للأمراض الذين يدخلون ويخرجون من المدينة بصورة مستمرة متكررة. لذا فهي معرضة دوما لخطر انتشار الأوبئة التي قد تنتقل من القادمين من المناطق الحارة (المدارية) التي تتميز برطوبة عالية مثل جنوب السودان". ووصف التقرير أيضا سلوك سكان الخرطوم بتفصيل وطريقة تشابه الطريقة التي وصف بها سلوك الحشرات حتى يمكن تحديد الأخطار التي يمكن أن تهدد صحة السكان الأوربيين بالمدينة (هكذا؟! المترجم).

وفي الواقع كان بالفور يدرك أيضا أن النظام الاستعماري يمثل هو نفسه خطرا على الصحة في الخرطوم. إذ أنه وضع حاميات للجيش المحتل (بها ما لا يقل عن 3000 جندي) في وسط السكان بالخرطوم والخرطوم بحري. وكان أولئك الجنود من الأهالي والمصريين والسود الحاملين للعديد من الأمراض. وفوق ذلك مثلت أو ستمثل المشاريع الزراعية التي أقامتها الحكومة خطرا على صحة السكان، إذ أنها تتطلب الري، وهو يتطلب إقامة تُرَع قد تتجمع فيها الهوام والحشائش إن لم تصمم جيدا وتتابع وتراقب بصورة لصيقة مستمرة.

ولعل بالفور كان محقا في تصوره للأخطار الصحية التي قد يتعرض لها الأوربيون في الخرطوم، وتعقيداتها المركبة المتمثلة في وجود كائنات ممرِّضة معينة وطقس وَخِيم يشجع على تكاثر الحشرات الناقلة للأمراض. هذا بالإضافة إلى المناخ المداري الذي يتميز بالحر الشديد والرياح المغبرة وأشعة الشمس الساطعة – وكل تلك العوامل لا تناسب الأوربيين الذين لم يعتادوا – بحكم تكوينهم وخواصهم العرقية – على العيش تحتها لفترات طويلة. غير أن الطقس في الخرطوم عادة ما يكون معتدلا نسبيا في الفترة بين منتصف نوفمبر إلى بداية مارس، مما يقلل من حدوث الأمراض في غضونها. أما شهور مايو ويونيو ويوليو فهي شهور تثور فيها الأعاصير الرملية العنيفة، قد يعقبها هطول أمطار غزيرة تصاحبها بروق ورعود. وهذه الرياح الرملية تسبب الكثير من القلق والإزعاج وعدم النوم، وتضر بالصحة على وجه العموم (معلوم الآن أنه من الثابت أن العواصف الرملية هي من ملوثات الهواء الضارة بالصحة التي قد تتطلب دخول المستشفى. وليس للأمر علاقة بالعرق. وهنالك الكثير من الأبحاث من الصين وتايوان والهند في هذا الجانب. المترجم). وذكر بالفور في تقريره أيضا أن "هنالك في المناطق المدارية أيضا مشكلة رتابة وإملال الحياة، وما تفعله الحرارة المفرطة وأشعة

الشمس الحارقة على الجهاز العصبي، إضافة للإجهاد (stress) الذي يكابده الأوربيون وهم يلعبون دورا ليس باليسير في إحداث ذلك التهيج العصبي المشهور عند سكان المناطق المدارية".

ما الذي يمكن اتخاذه من احتياطات وقائية لضمان صحي الأوربيين بالسودان؟ أقترح بالفور وزملاؤه نظاما سلوكيا لهؤلاء البيض، لخصوه في منشور إرشادي لكل الموظفين الاستعماريين. وتضمن ذلك المنشور الملابس المناسبة التي يحسن بالأوربي ارتداءها، مثل ارتداء ملابس داخلية سوداء أو برتقالية، وعدم (أو تقليل) التعرض لأشعة الشمس، خاصة عند منتصف النهار، وتنقية مياه الشرب، وعدم الاستحمام أو السباحة في المياه خارج المنزل، خاصة في الأوقات التي تزداد فيها أعداد الهوام في الجو. وذكر بالفور أن استمرار حملات مفتشي الصحة (لمراقبة الأوضاع الصحية العامة وتجفيف برك المياه وقتل الهوام) هي الضمان الأكيد لاستقرار الأوضاع الصحية بالمدينة. ويمكن منع حدوث الأوبئة مثل الزُّحار (الدسنوتاريا) بتنظيم ومراقبة التخلص من الفَضَلات الآدمية. غير أن بالفور ذكر أيضا أن كل ما أتخذ من سياسات وإجراءات سيكون مصيرهما الفشل إن لم يتعاون الأهالي مع السلطات في اتباع الارشادات الصحية المقدمة لهم. وهو يؤمن بأن الأهالي لن يلتزموا بتلك الإجراءات إن لم يراقبوا مراقبة لصيقة، ويهددوا بغرامات مالية إن لم يقوموا بدورهم في الحفاظ على الصحة العامة بالمدينة.

إذن فأنجع السبل لضمان صحة الأوربيين بالخرطوم هو تخطيط عمراني / حضري منهجي يهدف لتحسين الأحوال المعيشية بالمدينة. وهذا لا يعني بالطبع أن رجالا مثل بالفور لم يكونوا يساوون / يوازنون (equate) بين المعمار الراقي وبين الحضارة العظيمة. فقد ساد بين البريطانيين في تلك السنوات من أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أن الإنجازات المعمارية هي كما قال أحد أعضاء البرلمان البريطاني في عام 1909م "تجسد التقاليد البريطانية، وتظهر أفضل صفات عرقنا". وكان بالفور يؤمن أيضا بما كان شائعا ومصدقا في بريطانيا في تلك السنوات من أن مهمة حكام المستعمرات هي جلب "الأمن والاستقرار والحرية وفقا للقانون" لتلك الشعوب المستعمرة، وتمكينهم من "تنمية وتطوير حضارتهم القومية على ذات النسق المتوافق مع تقاليدهم ووجهات نظرهم".

غير أن خطط بالفور بخصوص معمار المدينة المثالي وسياسة الصحة العامة فيها كان يتطلب إمكانيات مادية فوق ما كان بمقدور الحكومة تمويله. فقد كان يطمح في إنشاء نظام صرف صحي في كل أرجاء المدينة، أو عمل ما يلزم لرفع مستواها من على الأرض (elevation of the city).

كان ويلكم (مخدم بالفور) مغرما بالعلاقات العامة، فعمل على طباعة أكثر من الفي نسخة من تقرير معمله الذي صدر في عام 2004م وتوزيع نسخ إكرامية منه إلى كثير من الساسة وكبار موظفي الحكومة البريطانية وحكومة السودان والمتخصصين في طب المناطق الحارة ورجال الأعمال في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الأمراء في بريطانيا واليابان وألمانيا وروسيا.

وكانت للبحوث التي أجريت في تلك السنوات في معمل ويلكم بالخرطوم أهمية عالمية عظيمة، إذ لم يكن لذلك المعمل من نظير في الدول المستعمرة.

غادر بلفور السودان في عام 1912م، ولم يؤثر البقاء فيه بأكثر مما فعل لإيمانه بأن الإقامة المتطاولة به مضرة بالصحة. وبالإضافة لذلك فقد بدأ ويلكم في تلك السنوات يفقد اهتمامه المباشر بذلك المعمل، فدبر لبالفور وظيفة في مكتب للأبحاث الطبية في لندن عام 1913م. وغدا بالفور مستشارا وخبيرا عسكريا في وزارة الدفاع في سنوات الحرب العالمية الأولى لمتابعة احتياجات الجنود البريطانيين في المناطق المدارية. وعقب انتهاء الحرب عين مديرا لمدرسة لندن للصحة العامة وطب المناطق الحارة.

خاتمة

وفر التقدم في طب المناطق الحارة لعلماء الأنثروبولوجيا بيئة آمنة للعمل الحقلي، مما ساهم مساهمة عظيمة في تغيير هذا العلم بصورة كبيرة. فعوضا عن استخدام المعلومات المجموعة بطريق غير مباشر لتأكيد تراتيبية متخيلة لشعوب العالم، صار من الممكن لطلاب وعلماء الأنثروبولوجيا إدراك أن الاختلافات المشاهدة بين شعوب العالم هي "تنوع /اختلاف شكل variation of type"، أكثر منه "تنوع / اختلاف جودةvariation of quality ".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////