تابعت قبل بضعة أشهر تفاصيل حملة الانتخابات الأميركية التي تنافس من خلالها كل من السيد دونالد ترمب والسيدة هيلاري كلينتون وكنت ضمن من شاركوا و أعطوا أصواتهم لصالح كلنتون إلا أن ترمب فاجأ الجميع ليصعد إلى سدة الرئاسة الأميركية في اول سابقة من نوعها تؤهل رجل أعمال من خارج المنظومة السياسية الأميركية التقليدية ليصبح رئيسا للولايات المتحدة دون خبرة في عالم السياسة بشهادة الاعلام الأميركي .
إلا ان ذلك لم يمنع ترمب في الواقع من ممارسة الرئاسة رغم تعدد الأخطاء التي ارتكبها لأن أميركا في النهاية دولة كبرى تحكمها مؤسسات راسخة بدليل أن ما يعانية ترمب حاليا من أزمات وصدامات داخلية يؤكد دور هذه المؤسسات وتأثيرها في مراقبة المسؤولين ومحاسبتهم وصنع القرار وتحديد مسار الرئيس وفق ما نص عليه الدستور الأميركي.
في هذا السياق إذا نظرنا إلى عدم مشاركة الرئيس البشير في القمة العربية الإسلامية بعد ترحيبه بالمشاركة وتفاؤله الذي أبداه عبر تصريحات معلنة بسبب الفيتو الأميركي المفاجئ ندرك أن إدارة ترمب ورغم خطوات رفع العقوبات الجارية تعمل ألف حساب وحساب لمساءلة المؤسسات الأميركية الأخرى وجماعات الضغط والمنظمات المدنية التي تتبنى المطالبة بملاحقة البشير رغم الحرج البالغ الذي سببه هذا الموقف ليس للرئيس البشير فحسب بل لقطاعات واسعة من الشعب السوداني الذي ينظر للأمر بمنظور وطني مجرد رغم اختلافه مع البشير ورغبته في رئيس منتخب بحرية دون وصاية .
ورغم أن كثيرا من السودانيين أحسوا بشيء من الغضب المكتوم عن حال السودان وابتسار دوره ومكانته ليأتي دون مقدمات تغييب منصب الرئيس بفيتو السفارة الأميركية في الخرطوم وخارجيتها بسبب لعنة المحكمة الجنائية الدولية الكارثة التي تسبب فيها نظام الإنقاذ نفسه حيث لم يجني الحس الوطني إلا ألما قبل أن يبرد إحساس المواطنين ببوادر الانفراج المعنوي قبل السياسي والاقتصادي.
وبسبب هذا جاء مستوى مشاركة السودان في القمة العربية الإسلامية التي شهدتها الرياض كأبلغ دليل على مبعث هذا الغضب المكتوم في دواخل السودانيين من المتأثرين بارتفاع ضغط الدم السياسي ، بحسبان أن رئاسة السودان منصب رمزي لسيادة الوطن وكرامة شعبه بغض النظر عن من يجلس عليه إلا أن سوء طالع الشعب السوداني الكريم جعل هذا المنصب يتعرض للتغييب والملاحقة من قبل المجتمع الدولي بسبب قائمة الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية والتي أصبحت عصا وورقة سياسية الهدف منها في الواقع هو تحقيق مصالح بعض الدول من خلال تعاملاتها مع النظام الحالي وفق أفضل الشروط بالنسبة لها ..
قد يختلف او يتفق معي البعض في أن الدول التي تتبنى تأييد قرارات المحكمة الجنائية الدولية بمن فيها الإدارة الأميركية الحالية أو السابقة وبعض دول الاتحاد الأوروبي التي ترفع شعار تحقيق العدالة في السودان لم تكن حريصة حقا وبما يكفي لكفالة الحريات وحقوق الانسان في السودان ولو كان ذلك كذلك لكان من الأولى أن تساعد الشعب السوداني في تحقيق مطالبه العادلة طوال ربع قرن في بسط الحرية والديمقراطية والسلام لا ان تتغاضى عن ذلك وفق سياسات براغماتية بحسب مصالحها مع الحكومة السودانية على نحو ما نشاهد ونرى وهي تعاملات ترحب بها الحكومة الحالية وفق منطق العرض والطلب .
الحزب الحاكم يبدو واضحا أن الصدمة من بيان السفارة الأميركية في الخرطوم لم تكن متوقعة بالنسبة له في إطار ما ظل يردده قادته ومسؤولي الحكومة دون انقطاع عن الصفحات الجديدة في علاقة السودان مع اميركا دون التحقق والانتظار حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ودون اكتراث لفهم أن السياسة الأميركية تختلف كليا عن إدارة الحكومة السودانية لسياستها بالطريقة التي نعرفها لاسيما وأنها حاليا تدار في ظروف استثنائية في عهد ترمب .
قد يجد المواطن السوداني بعض العذر للمملكة العربية السعودية التي قدمت الدعوة للرئيس ثم عدلت عنها بسبب ضغوط الضيف القادم عليها واهتمامها بإنجاح الحدث ثم تعديل الدعوة إلى مستوى ادنى في التمثيل وما تلا ذلك من انشغالها بفرح العمدة دونالد ترمب واسرته إلا انها قد تسببت بشكل أو بآخر في أن يصاب اسم السودان بحرج بالغ على المستوى الإقليمي والدولي وكأن الأدوار التي طالما تعددها الحكومة السودانية سواء مساهمات السودان في عاصفة الحزم أو في دوره في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وما إلى ذلك من أدوار تتباهي بها الحكومة لم تجد التقدير اللائق بها .
غير أن مكا نتوقعه من المملكة العربية السعودية لتخفيف هذا الحرج الدبلوماسي والسياسي لها وللسودان هو أن تواصل جهدها بما لديها من ثقل وتأثير ليس على الرئيس ترمب وعلى أصدقائها من أعضاء الكونغرس الذين تقف من ورائهم شركات كبرى لها مصالح مع السعودية والامارات لا كمال مسعى رفع العقوبات عن السودان وتطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي لرفع الخناق عن الشعب السوداني وليصبح واجب السودانيين بعد ذلك استرداد حرياتهم الأساسية وحقوقهم الضائعة بدعم المجتمع الدولي وبوسائل سلمية متحضرة وبناء نظامهم الديمقراطي بمساعدة الرأي العام والمؤسسات الأميركية التي تتبنى منظومة القيم الحضارية والحقوق المدنية دون إبطاء.
وللحديث بقية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.