منذ أن صدح الفنان العملاق محمد وردي بكلمات الشاعر الفذ صاحب السهل الممتنع محجوب شريف بأغنيته الوطنية ياشعبا لهبا ثوريتك وحتى هذا اليوم مضت أكثر من ثلاث عقود من عمر الانتفاضة الشعبية في أبريل ولايزال البعض من ساسة المحاصصات والامتيازات والأحزاب الوهمية الجدد يرددون عبارة مخرجات الحوار و" رتق النسيج الاجتماعي " وكأنها اكتشاف جديد وهي العبارات التي برعت وسائل الاعلام السودانية في تدويرها وإعادة تدويرها لدرجة أفقدتها معناها وأصابت بها المتلقي بالملل .

ثلاث عقود على آخر انتفاضة شعبية سودانية رجب ابريل 85 انتفاضة كانت حديث العالم قبل ان يعرف العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط ما يسمى بثورات الربيع لكننا ورغم هذا الإرث الثوري للأسف لانزال نبحث حتى الآن عن الحريات الأساسية وحق التعبير والتنظيم والاجتماع وعن حرية الصحافة والإعلام كمن يبحث عن إبرة في كومة قش ولا نزال نطالب بمحاربة الفساد والتنمية ووجبة الإفطار لتلاميذ المدارس وتقليل نسبة الوفيات من الأمهات عند الوضع وبناء دولة المؤسسات وإرساء قيم الديمقراطية تارة بالحوارات الثنائية بين الحاكمين والمعارضين وتارة بالحوارات السياسية والمجتمعية عبر الوثبات والقفزات التي تستخدمها الحكومة أحيانا كـ فيتمين بي 12 لتنشيط وضبط الجهاز العصبي للشارع العام دون جدوى بل دون أن يلامس الشعار والمطلب أرض الواقع في ظل نظام للأسف لاتزال تعلو فيه القوانين على الدستور وتعلو فيه السلطة التنفيذية ومؤسساتها الأمنية وحزبها الحاكم على كل المؤسسات القضائية والتشريعية والإعلامية وغيرها .

هذه العقود الثلاث وتزيد وهي ما يقارب عمر نظام الجبهة القومية الإسلامية بزعامة الراحل الدكتور حسن الترابي الذي قضى بقرار انقلابه على السلطة الديمقراطية عام 89 على آخر أمل في بناء تجربة تراكمية سودانية لنظام ديمقراطي حقيقي يصحح أخطاءه من داخله ويمر آمنا بالمراحل التي مرت بها جميع الأنظمة الديمقراطية العريقة في العالم حتى استقرت واستوى عودها وكانت المحصلة أن منيت البلاد بخسائر فادحة مادية ومعنوية بلغت بالمواطنين حد اليأس لولا إيمانهم بالله وصبرهم على البلاء سنين عددا .
في الجنوب ذهب ثلث الوطن إلى غير رجعة ليس لخيار الجنوبيين فقط ولكن لأن النظام فرض عليه ذلك من الخارج كما يقول قادته فانصاع راضيا لتجنيب نفسه الغضبة الأميركية بسبب تداعيات أحداث سبتمبر2001 ليصبح الجنوب فيما بعد كدولة محرقة لكل الشعارات التي رفعتها حركته الشعبية قبل أن يكون محرقة لكل أبناءه .

وفي الشمال انتحرت كل الشعارات الإسلامية التي رفعتها ما يسمى بالحركة الإسلامية ونظامها تحت شعارات دولة التوجه الحضاري بعد أن أصيبت بداء السلطة وملذاتها أمام استشراء الفساد والثراء الحرام وأكل أموال الناس بالباطل وشراء آيات الله بثمن قليل ومصادرة الخصوم وإفقارهم وسجنهم واعتقالهم وتحويل موارد الدولة إلى ضياع خاصة .
ثم أصبح السودان محاصرا ومتهما ومقيدا وملاحقا ومدانا ومديونا تلتهم أطرافه نيران الحروب الأهلية الصغيرة وأصبح أبناؤه وشبابه يحملون حقائبهم وأحلامهم يهيمون على أنفسهم بين مدن العالم بحثا عن واقع جديد.
عقود ثلاث وتزيد تمر على انتفاضة رجب ابريل وما حملته من شعارات وقد بلغ نظام الإنقاذ بالبلاد مالم يبلغه الأوائل خاض بها كل التجارب الفاشلة وأضاع لها كل الفرص الممكنة وأهدر فيها كل الموارد المتاحة في نفس الوقت ونفس المدة التي عبرت فيها دول أخرى بتجاربها التنموية إلى مصاف الدول المزدهرة اقتصاديا وديمقراطيا والتي يحكمها القانون والشفافية كماليزيا وتركيا وغيرها .

وبعد ما يقارب الثلاثين عاما من الحكم الفاشل الذي لايزال يتحدث عن معاش الناس والمواصلات ونظافة الطرق لايزال صعبا على نظام الإنقاذ ومؤسسته السياسية رغم ما يبشر به، وضع نقطة على السطر وتقديم عربون المصداقية الحقيقي ببسط الحريات العامة الأساسية وحظر ممارسات الفساد واستغلال النفوذ واستعادة المال العام المنهوب من قبل المحاسيب وأهل السلطة إلى خزينة الدولة وإعمال القانون وكفالة حرية القضاء وحرية الصحافة وبناء مناخ إيجابي لبناء أحزاب ديمقراطية يقرر مشروعيتها الشارع وليس أمانة حوار قاعة الصداقة حتما سيكون ذلك صعبا على نظام تعود أن يكون هو المالك والسيد إلا من بطانة يغدق عليها لتسمعه اللحن الذي يريد .
لكن يبقى الرهان على شرفاء الوطن وعلى الشباب والوطنيين في كل الأحزاب والمؤسسات دون استثناء في استلهام معاني وشعارات ومطالب كل الثورات الوطنية السودانية للانتقال بالسودان إلى واقع يستحقه الوطن ويستحقه شعبه يعبر الزمن ويطوع المستحيل والسودانيون يستحقون أن يعيشوا أحرارا وكرماء في بلادهم .





عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.