لم ينجلي بالطبع حتى الان غبار الحملة الإعلامية لبعض قنوات الاعلام المصري التي تتبارى في برهان ولائها ووطنيتها لبلادها وكأن ذلك البرهان لا يكتمل إلا باكتمال حلقات الإساءة والسخرية من السودان وشعبه وتاريخه وثقافته وهذا خطأ مصري قاتل يصيب مصر قبل أن يصيب السودان.
فالبيان الذي صدر مؤخرا من وزيري خارجية البلدين لتهدئة الأجواء يفهم أنه يتم في إطار التقاليد الدبلوماسية المتبعة بين الدول في مثل هذه الحالات لكن تبقى المشكلة قائمة تحتاج إلى حلول جذرية وتصحيح في المفاهيم وهي مهمة ليست سهلة لأن هذه المفاهيم المغلوطة حول السودان وشعبه في عقول قطاع واسع من الاشقاء في مصر هي نتاج لتراكم ثقافة معرفية مشوهة عن الأنسان السوداني تم التعبير عنها بوسائل شتى لكنها تكون أكثر وضوحا في قراءة تعليقات السخرية المشاهدة والمقروءة لبعض المصريين في نظرتهم السالبة للسودان وشعبه رغم ما يطلق من شعارات موسمية هنا وهناك.
وفي اعتقادي أن مصلحة العلاقات وتطورها بين الشعبين والبلدين لابد أن تبنى على إدراك معرفي متبادل مشترك فالسودانيون مثلا يعرفون تاريخ مصر وقدرها ودورها وكل تفاصيلها لكن معظم المصريين لا يعرفون تاريخ السودان وجغرافيته وثقافاته وحضارته وتفاصيله وبالتالي عادة ما يصبحون اسارى للمفاهيم المغلوطة والمقصودة التي يلقنها لهم الاعلام الموجه لأسباب بعينها وهذا بالطبع لا ينفى على الجانب الآخر تقصير السودان الإعلامي في هذا المجال .ومعلوم أن كل ما يعرف عن تاريخ السودان وحضارته وامكاناته كان بفضل وسائل الاعلام الأجنبي والدولي والبعثات الدولية في مجالات البحث والتنقيب والاكتشافات المختلفة .

المشكلة الثانية هي أن الاشقاء في مصر ينظرون إلى السودان كحديقة خلفية لمصر وهذا هو المفهوم المغلوط الذي تبنته العقلية الخديوية التي تبناها ساسة مصر في السابق والذي حمل السودانيين بمختلف طوائفهم وتوجهاتهم السياسية للمطالبة باستقلال السودان حتى دعاة الوحدة وذلك تحت شعار السودان للسودانيين حتى نالوا استقلال بلادهم .

ويعتقد الأشقاء في مصر أن السودان هو ملك لمصر وما يزالون يرددون ذلك بناء على مفاهيم مغلوطة رغم أن التاريخ الصحيح الذي يتجاهلونه يؤكد أن الفترة التي يشيرون إليها على عهد العثمانيين والانكليز لم تكن مصر نفسها تملك سيادتها أو استقلالها أو إرادتها حتى تملك بلدا آخرا فمصر والسودان معا كانتا تحت الاحتلال البريطاني التركي بل أن مصر نفسها لم تعرف الاستقلال والسيادة طوال تاريخها الطويل من تعاقب المستعمرين عليها لتمتلك السودان بل أنها لم تنل استقلالها الحقيقي إلا بعد الثورة المصرية عام 1952 ، بل أنها لا تحتفل بعيد استقلال بل أن تاريخ استقلالها و سيادتها يبدأ الثورة المصرية في 52 .
فالصحيح أن بعض من احتلوا مصر كانوا يحتلون السودان ويملكونه حتى جاء الاستقلال وليس أن السودان كان ملكا لمصر لأن محمد على لم يكن مصريا بل محتلا وحاكما لمصر وغيرها .
وعلى العكس تماما فالسودان لم يتعرض إلي أي احتلال يذكر في العصر الحديث إلا خلال الحكم الإنجليزي التركي الذي دحرته الثورة المهدية والذي كانت تقوم فيه مصر بالوظائف اللوجستية التي تطلب منها في السودان بأوامر مباشرة من الحاكم البريطاني العام في السودان أو السفير البريطاني في مصر في ظل الوجود الصوري للملك فاروق رغم أن فاروق وعائلته كما ذكرنا لم يكونوا مصريين بل كانوا حكاما على مصر وهذا ما دفع بالضباط المصريين الأحرار الوطنيين للتحرك في عام 52 لوضع حد للاحتلال والملكية المرتبطة بالباب العالي في تركيا وهو ما يؤكد هذا المعنى .

أما على صعيد المثقفين المصريين والساسة وعلماء الآثار فيوجد قطاع مقدر منهم لا يقبل بفرضية وجود حضارة سودانية كانت سابقة للحضارة المصرية بل يجعلون من تاريخ وحضارة السودان امتدادا تابعا للحضارة المصرية رغم وجود بحوث ودراسات دولية أثبتت ذلك لأنهم لا يرون السودان إلا تابعا لمصر حسب نظرتهم التي يرون بها السودان . وبالطبع لا توجد أي حساسية لدى السودانيين في أن هناك تشابها وتداخلا كبيرا بين الحضارتين النوبية القديمة والمصرية القديمة حسب شواهد التاريخ

أيضا فإن بعض آخر من اشقاءنا في مصر أكثر براغماتية يعتقدون أن وجود حضارة عريقة قبل وبعد الإمبراطورية الكوشية في السودان ووجود آثار لهذه الحضارة اواكتشافات اثرية قد تغير الحقائق وتعيد تصحيح التاريخ على نحو ما يحدث الآن يسلط الأضواء على السودان سياحيا وثقافيا يزيد من اهتمام السودانيين بحضارة بلادهم ومحاولات انعاشها ربما يكون ذلك مهددا حقيقيا لمصالحهم الاقتصادية والسياحية والثقافية رغم أن الصحيح هو أن ذلك إن حدث ربما يكون داعما للتبادل السياحي بين البلدين بتحويل منطقة وادي النيل بأسرها إلى قبلة لجذب السياحة الدولية .

هناك أيضا خلفيات الأزمة السياسية بين مصر وقطر ودور قطر في دعم وتطوير السياحة والآثار في السودان وهو ما اثار حمى الغيرة والسخرية التي صاحبت زيارة الشيخة موزا لأهرامات البجراوية والمتحف القومي ورغم أن الزيارة كانت ضمنيا في برنامجها إلا ان حالة السودانوفوبيا التي تملكت الاعلام المصري كرد فعل لتلك الزيارة والحملة التي صحبتها قد عبرت بوضوح عن هذه السودانوفوبيا التي لا تسرها أي إشراقة ينعم بها السودان دون أن يكون لمصر فضل فيها وهذه مشكلة .

والغريب أن تلك الحالة ومن غير ما يريد أو يقصد المصابون بها قد ساهمت في أكبر حملة ترويج سياحي للآثار السودانية فضلا عن أن وجود الشيخة بين الأهرامات في المنطقة الأثرية قد سلط الضوء على تلك الحضارة الضاربة في القدم وهي تشكر على ذلك عسى ان تنتبه وزارة السياحة السودانية لأهمية الترويج السياحي ومقتضياته وضروراته والاهتمام بتوفير الخدمات الأساسية للمكان بما يليق بكل زائر .

اما بالنظر إلى الملفات الشائكة والخلافية بين البلدين ستظل منقصا للعلاقات إلى حين حلها مالم تتوافر الإرادة بين البلدين لمواجهتها.
فالمنطق المصري بفرض الأمر الواقع على منطقة حلايب وشلاتين مع وجود خيارات أخرى ممكنة يقدمها السودان هو منطق خاطئ غير مقبول للشعب السوداني ولن يساعد على استقرار التواصل الطبيعي بين البلدين مثلما أن تعامل الحكومة السودانية مع قضية حلايب تعاملا موسميا على سبيل التعبير عن الاحتجاج لن يعطي الموضوع المصداقية والجدية اللازمة لحله بل ويضيع حقا اصيلا للسودان .

فالتقاطعات بين البلدين في قضايا مختلفة كالمياه وجنوب السودان والوضع في ليبيا والعلاقات مع دول الخليج وغير ذلك من قضايا لابد أن يكون فهمها في إطار المصالح العليا لكل دولة ولا ينبغي لدولة أن تفترض غير ذلك وهذا لا يمنع بالطبع التوافق والتنسيق بين البلدين متى تطابقت المصالح وكان السبيل إلى ذلك ممكنا دون انتقادات أو تشكيك .

ولعل ما ينبغي أن يعلمه أشقاءنا في مصر أن السودان يكن لمصر وشعبها تقديرا خاصا ويربطه بها رباط خاص وما بين شعبيهما من أواصر لا يتأتى لغيرهما لكن السودان أيضا دولة لها مصالحها ولها حضارتها العريقة الضاربة في القدم والتي امتدت حتى تخوم البحر المتوسط ولها مصالحها وخصوصيتها الثقافية والسكانية والسودان ليس تابعا لأحد لكنه شريك وفي في الحضارة والثقافة والمصالح وأن الانسان السوداني عزيز وكريم لا يقبل الاستخفاف وثقافة الاسقاطات السالبة سواء على لون البشرة او الشخصية أو مخارج الألفاظ وهو ما ينبغي فهمه وإدراكه وقد لا يدرك بعض المصريين الذين يريدون السخرية من السودانيين عبر وسائل الاعلام أو الدراما أنهم حين يسخرون من السودانيين على طريقة الممثل أحمد آدم أو غيره فأنهم في الواقع يسخرون من جزء عزيز من مواطنيهم يشاركونهم المواطنة على أرض مصر كونوا من خلالهم الصورة النمطية للشخصية السودانية في افلامهم وليس بالضرورة من السودانيين بتنوعهم الممتد عبر ملايين الأميال المربعة .
ما نأمله هو أن تكون هناك مكاشفة صريحة بين المثقفين والإعلاميين السودانيين والمصريين في البلدين حول هذه القضايا لتصحيح المفاهيم المغلوطة على كافة الأصعدة إن كانوا حريصين على علاقة مثمرة مع السودان خاصة أن كل الشعارات التي تتحدث حول العلاقات الأزلية وخصوصية العلاقة بين الشعبين والبلدين سرعان ما تتلاشى لدى اعلام مصر ومحركيه لتستدعي في لحظات مخزون النظرة النمطية السالبة للسودان الشعب والأرض والثقافة وهذا أقل ما يجب أن يكون على كافة المستويات الرسمية والشعبية والثقافية ولا يصح إلا الصحيح .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.