محطات

 

عندما يحين موسم الانتخابات الرئاسية في معظم الدول الأوروبية وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية تأخذ المؤسسات الإعلامية المستقلة الكبرى حيث لا توجد فضائيات أو صحف حكومية " قومية " تأثر عليها سطوة السلطة تأخذ مواقف مساندة لأحد المرشحين فعلى سبيل المثال درجت وسائل الإعلام الأميركية كصحيفة النيويورك تايمز او الواشنطن تايمز أو كريستيان سينس مونيتور أو قنوات مثل فوكس نيوز ، سي ان ان ، سي ان بي سي وقنوات الولايات المختلفة الخ على مساندة أي من مرشحي الرئاسة المتنافسين ، فكل مؤسسة تبني مواقفها حسب قراءتها لبرنامج المرشح المعلن بعد دراسة وتمحيص ومن ثم تلعب دورا كبيرا في الترويج لذلك البرنامج عبر تنظيم المناظرات واستقدام المحللين السياسيين والتقارير الإخبارية وغيرها.

وبعض المؤسسات الأخرى تتبنى مواقف حيادية حسب توجهاتها وثقافتها المهنية وبما أننا في السودان نفتقر على مثل هذه المؤسسات الإعلامية بتراثها المهني وثقافتها الديمقراطية المتراكمة فإن مهمة تحقيق العدالة والشفافية ستكون صعبة وتحتاج منا إلى تشجيع لضمان الحد المطلوب لانجاح التجربة الانتخابية والتحول الديمقراطي.

وحيث اننا نستشرف انتخابات مرتقبة بعد توقف دام لأكثر من عشرين عاما ونسعى جميعنا لإنجاحها سيما وان المسؤولين ومفوضية الانتخابات مافتئوا يرددون التزامهم بالشفافية وتكافؤ الفرص بين المرشحين . وبما أننا نعرف فقط أن الإعلام القومي الموجود وتحديدا التيلفزيون والراديو هو مملوك للدولة وتسيطر عليه الحكومة ومرشحيها فإن الحديث عن الشفافية والتصريح بتكافؤ الفرص بين المرشحين وحده لا يكفي لقيام انتخابات نزيهة .

فالتلفزيون القومي مثلا يأخذ حتى الآن موقفا مساندا لمرشحي المؤتمر الوطني على كافة المستويات ويروج لبرامج المرشحين من خلال الترويج لانجازات الحكومة خلال العشرين عاما والتي هي انجازات المؤتمر الوطني، ويركز على مساندة رئيس الجمهورية الحالي بطريقة احتفالية و هو المرشح الرئاسي في الانتخابات عن الحزب الحاكم " على طريقة شكارتا دلاكتا" فيما لا يزال  المواطنين يجهلون المنافسين الآخرين على كافة المستويات ومن هو معلوم منهم لا يجد طريقه بعدالة إلى الإعلام القومي أسوة بمرشحي الحزب الحاكم من خلال الدعاية غير المباشرة التي يتمتعون بها والاستضافة اليومية عبر البرامج المختلفة  .

وهذه الطريقة هي بالتأكيد تشكل عقبة حقيقية أمام نزاهة الانتخابات وحيدة الإعلام القومي الذي لا ينبغي ان يردد أحاديث الشفافية ويسلك سلوك الموالاة على طريقة" قلبه مع على وسيفه مع معاوية " وعليه أن يحدد ملامح ما التزمت به الحكومة من حيدة.

أما مفوضية الانتخابات ورغم الجهد المقدر الذي بذلته في مراحل سابقة من العملية الانتخابية تبدو عاجزة عن السيطرة على ماكينة الحزب الحاكم

المتمددة في أجهزة الدولة. قد لا نتوقع ممارسة ديمقراطية على الطريقة التي تمارس في الديمقراطيات الغربية فيما يتعلق بقضية الشفافية والنزاهة ولكن لابد من أن يحرص الحزب الحاكم الذي ما فتيء يردد ثقته في الفوز الكاسح على قدر معقول من تساوي الفرص في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة بإتاحة المجال للمنافسين دون تقتير سيما وأن معظم الأحزاب المنافسة قد تعرضت للحصار والإفقار والطرد من مؤسسات الدولة في مقابل سيطرة كاملة للحزب الحاكم على موارد ومؤسسات وقدرات الدولة لأكثر من عشرين عاما.

فعودة الحزب الحاكم للسلطة مجددا عبر انتخابات يلونها كيف يشاء لا يضيف جديدا وسيكون تحصيل حاصل على الأقل في نظر المواطنين السودانيين ومن الأنفع له ان يحرص عمليا على إنتاج انتخابات حتى ولو شبه شفافة لرسم خطوات أولى حقيقية لمشوار الديمقراطية الطويل انفاذا لتعهد الرئيس البشير الذي قطعه على نفسه.

وحتى تكون النتيجة في نهاية المطاف ذات مصداقية لابد أن يحرص الجميع على ممارسة انتخابية نزيهة وبقدر مطلوب من المصداقية فالمقدمات الخاطئة تأتي دائما بنتائج خاطئة . ولعل جميع السودانيين والمهتمين بهذه العملية الانتخابية يتوقعون من الرئيس البشير إصدار توجيه صريح للإعلام القومي  بتحري النزاهة والموضوعية وتكافؤ الفرص حتى من خلال التحليلات السياسية والتقارير الإخبارية لنتعلم اولى خطوات الممارسة الديمقراطية بعيدا عن ثقافة المدرسة الشمولية بتلاميذها وأساتذتها المغرمون باستنساخ أنفسهم في كل فاترينات العرض .       

 

Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]