كثيرا ما يحذر قادة نظام الإنقاذ السودانيين من أن معارضة نظامهم يمكن أن تؤدي لانفلات يقود إلى وضع شبيه بالوضع في سوريا وليبيا وبالتالي فإن علي المواطنين الحريصين على سلامة بلادهم تقبل أخطاء سياسات النظام بكل ما فيها من فساد وتبديد لموارد البلاد الاقتصادية ونهب للمال العام وآخرها على سبيل المثال جرائم عصابة شركات الأدوية الوهمية التي تحصلت على أكثر من أربعين مليون دولار تحت غطاء شراء الأدوية وتبديدها في أشياء أخرى بتواطؤ واضح من موظفي البنك المركزي والبنوك التجارية وبعض الجهات ذات الصلة والتي سيغلق ملفها كما تم اغلاق ملفات الفساد الأخرى لأن المتهم فيها أقرب للسلطة وأكبر من القانون .
والحقيقة أن ثمة تشابه كبير بين النظامين السوري ونظام الإنقاذ في تحقيق الغاية التدميرية الشاملة بكل ابعادها . فالنظام السوري دمر تماما بنية البلاد التحتية في حرب ظالمة ضد شعبه ولم يبقى على جدار وآحد غير حصنه الذي يتحصن بداخله وحصد أرواح مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ والشباب بالبراميل المتفجرة والطائرات الروسية وحول البلاد إلى ساحة للصراعات الدولية والإقليمية وشرد الأحياء في كل عواصم الدنيا طلبا لحياة كريمة في حدها الأدنى .
أما نظام الإنقاذ فقد حصد بدوره أرواح الآلاف من معارضيه ولاتزال نيران حروبه متقده في أطراف البلاد وفتح الباب لقوات الأمم المتحدة والتدخلات الخارجية ودمر بنية البلاد الاقتصادية وبدد مواردها وأفقر شعبها فانهارت سودانير والخطوط البحرية ومشروع الجزيرة والمناقل والخدمة المدنية وخدمات البريد ومصانع الأغذية وبدد 70 مليارا من أموال عائدات النفط وشرد الملايين من مواطنيه عبر مدن العالم وفتح أبواب الفساد لأنصاره ومشايعيه ولم يبقى في خزينة الدولة حتى ثمن الدواء وفوق كل هذا وذاك فرض على مواطنية أن يدفعوا قيمة فاتورة ثمن أخطائه السياسية والاقتصادية ورغم ذلك لايزال يتشبث بالسلطة ويخدع مواطنيه عبر شعارات الحوار الوطني الوهمي الذي سقط في أول اختبار له ولم يجف مداده باعتقال الأطباء والصيادلة والناشطين والمعارضين لسياساته الاقتصادية وتكميم الأفواه ومصادرة الصحف وملاحقة الصحفيين الشرفاء ولكل من يتجرأ وأن ينتقد سياساته وفشله السياسي بعد ثمانية وعشرين عاما من الحكم المطلق .ماذا تبقى إذا أليس هما نظامان توأمان .
لقد نجح نظام الإنقاذ دون شك في إفراغ البلاد من الكوادر السياسية النشطة وأحكم سيطرته الأمنية عبر المليشيات العسكرية والأمنية التي تعمل خارج سلطة القوات النظامية وسلطة القانون ونجح في استخدام سلاح الترهيب والترغيب وحشد الطفيليين إلى مشروعه وسياساته الفاشلة ، ونجح في ملاحقات الناشطين في الداخل وتقييد حركاتهم وسكناتهم لكنه فشل في إدارة الدولة وفشل في خداع المواطنين وفشل في فك عزلته الخارجية وفشل في تطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي وفشل في حل أزمته السياسية وفشل في توفير الدواء والغذاء وفشل في احترام حقوق مواطنيه ،وفشل في إخفاء عمليات النهب والسرقات والفساد التي يقوم بها سدنته وفشل حتى في نظافة المدن وإزالة الأوساخ من الشوارع الرئيسية .
وستبقى حتما أزمات النظام وسيبقى الفشل ما بقيت سياسات القمع والإرهاب وفرض سياسات الأمر الواقع ضد المواطنين غير ان الحقيقة الوحيدة التي لم يضعها النظام الحاكم في حساباته هي أن صمت المواطنين على الظلم والجور والقمع واستباحة المال العام وسياسات الإفقار والتجويع ومنع الدواء لا يعني باي حال من الأحوال رضاء المواطنين عنه ولا يعني أيضا أن الأنظمة الفاشلة ستبقى وتستمر في هيمنتها على السلطة بحماية أجهزة الأمن وفرض سياسات القمع وإلا لبقي شاوسيسكو وبقي مبارك وبقي القذافي بأجهزة أمنهم الضاربة التي انهارت في ساعات وإلا اصبح الأسد قادرا على التحرك خارج ثكنة دمشق .
وستبقى الحقيقة أن لا مخرج إلا باحترام إرادة المواطنين واحترام مطالبهم واحترام حقهم في الحياة ولا استقرار إلا ببسط الحريات الأساسية وإقامة نظام عادل حر بإرادة مواطنيه الحرة وهو خيار قادم لامحالة ولئن استطاع قادة نظام الإنقاذ ملاحقة الأحزاب المعارضة وإضعافها وتشريد قياداتها فإن معظم الثورات والهبات الشعبية التي أطاحت الأنظمة الظالمة لم تستأذن أحدا بل كانت هي صاحبة القرار ولم تستأذن شارعا بل كانت هي صاحبة الطريق . هل يعتبر الحكام أم ستضاف إلى التاريخ قصة أخرى من قصص الشعوب ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.