كنت أتمنى لو أن قيادات الحزب الحاكم منحوا أنفسهم الوقت للتعلم من الممارسة الديمقراطية في التجربة الانتخابية الأميركية والتي شهدت تداول خمسة وأربعين رئيسا دون أن يبقى أي منهم أي رئيس لأكثر من دورتين بنص الدستور الذي صاغوه واحترموه .
ولا أدري إلى أي مدى يمكن أن يجد الرئيس السوداني حرجا في بقاءه على مقعد الرئاسة بغض النظر عن الطريقة التي جاء بها إلى السلطة ليعاصر وهو على مقعد الحكم دون زحزحة خمسة رؤوساء أميركيين منتخبين بإرادة حرة وشفافية عالية وهم الرئيس جورج بوش الأب لدورتين والرئيس كلينتون لدورتين والرئيس بوش الأبن لدورة والرئيس أوباما لدورتين والرئيس القادم الجديد دونالد ترمب الذي سيبدأ مهامه في يناير القادم .
ولعل من المضحك والمبكي أن التهنئة التي بعث بها الرئيس البشير لترمب حسب وسائل الاعلام الرسمية والتي يتطلع فيها الرئيس للتعاون مع الرئيس الأميركي الجديد لا تشمل وعدا بتحقيق الديمقراطية بل تؤكد رغبته في الاستمرار والبقاء أيضا للتعاون مع القادم الجديد إلى واشنطن .
الواقع أن الحزبان الأميركيان الفائز والخاسر يقدمان درسا لدول العالم الثالث القابعة في برك الشمولية الآسنة وللشعوب التي تتطلع للانعتاق والحرية وبناء الديمقراطية التي تعزز من حقوق الانسان والحقوق المدنية وتحقق شفافية الحكم ودستوريته وحكم القانون بالمستوى الراقي من الممارسة الديمقراطية وقبول نتائجها والتعامل معها رغم الاختلاف في التوجهات والرؤى .
وما أحوج حكام العالم الثالث وفي مقدمتهم السودان أن يتأملوا على سبيل المثال في خطاب هيلاري كلينتون الوداعي الذي دعت من خلاله بقدر عال من المسؤولية إلى زرع الأمل في الأجيال القادمة ووحدة الشعب الأميركي وحراسة الحقوق والحريات وقيم العدل والمساواة والعمل الجاد من أجل مستقبل أميركا والتعامل مع الواقع الذي افرزه الخيار الديمقراطي والعمل للمستقبل من أجل التغيير .
وما أحوجهم للتعلم من خطاب الرئيس أوباما وما نوه إليه داعيا الرئيس المنتخب بضرورة التعامل السلس لتنفيذ إجراءات كيفية تبادل السلطة بين الحاكم المنتهية ولايته والحاكم المنتخب وفقا للتقاليد الديمقراطية الأميركية.
اميركا التي مهما وجه إليها من انتقادات لا أحد يطعن في تفوق تجربتها الديمقراطية حيث يعتبر الشعب الأميركي وجود حاكم في السلطة لسبعة وعشرين عاما كارثة سياسية مدهشة لايمكن تصديقها أو تخيلها في الألفية الثالثة مثلما يرى أن تزوير الديمقراطية وتزييف العملية الانتخابية ضربا من الجنون .

غير أن تهنئة الحكومة ورئيسها لدونالد ترمب وتطلع حزبه الحاكم إلى علاقات جديدة مع الجمهوريين لم تلبث إلا قليلا حيث أعلن مستشار الرئيس المنتخب دونالد ترمب لشؤون الشرق الأوسط وليد فارس أن اميركا تحت قيادة ترمب لن تتهاون إزاء ما وصفه بالانتهاكات التي تمارسها حكومة الخرطوم ضد مواطنيها . وأنه ما من سبب يجعل الولايات المتحدة وحلفاءها الاوربيين يرفعون العقوبات عن نظام البشير في ظل استمرار الانتهاكات بالسودان .
وأنهم سيعملون مع المجتمع الدولي خلال المائة يوم الاولى لأنهاء الازمة في دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان.
كان أجدى لو أعرب الحزب الحاكم عن رغبته في التعلم من الممارسة الديمقراطية الشفيفة في اميركا وفي سعيه لتعلم كيفية احترام الإدارة لأميركية للمواطن الأميركي ورغباته وحرياته وحقوقه حتى تكون برقية التهنئة ذات معنى وصدى لدى الحاكم الجديد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.