أقر مستشار رئيس الجمهورية الدكتور غازي صلاح الدين بوجود صفقة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية تمثلت في " تمرير قوانين التحول الديمقراطي، على رأسها قوانين الأمن والنقابات وهي القوانين التي تطالب  المعارضة بتعديلها ، مقابل تمرير قوانين استفتاء الجنوب وابيي والمشورة الشعبية لولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق.

وحذر صلاح الدين  من إجراء الاستفتاء لتقرير مصير الجنوب قبل وضع ترتيبات بشأن قضايا ترسيم الحدود وتحديد الجنسية واتفاق مياه النيل وقضايا اخرى، وقال إن عدم ترسيم الحدود سيقود لحرب مماثلة لما عليه الحال بين ارتريا واثيوبيا وما حدث في باكستان.

أولا لابد أن نقر بدورنا أن ما قاله دكتور غازي صلاح الدين ينم عن شفافية سياسية واستشعارا لمخاطر " الكلفتة " السياسية التي أجيز بها القانون على مرأى ومسمع من الجميع مما سيعيد الوضع إلى المربع الأول قبل اتفاق السلام ،رغم أن هذه التصريحات جاءت متأخرة .

هذه المحاذير في حال وقوعها تحيل اتفاق  نيفاشا بكل ماحمله من تنازلات وسنوات شد وجذب انتقالية بحالة أشبه بمن فسر بعد جهد الماء بالماء " إذا اندلعت الحرب من جديد  بعد الانفصال حول القضايا والملفات غير المحسومة التي أشار إليها صلاح الدين.

إلا أن أهم ما كشفت عنه هذه الصفقة هو بيع الحركة الشعبية للمرة الثانية لحلفاء اليوم من تجمع "جوبا" حيث لم تحفل بمطالبهم المرفوعة بتنفيذ مقتضيات التحول الديمقراطي وسعت عبر الصفقة المشار إليها لنيل التصديق على قانون الاستفتاء بكل علاته مقابل بيع مطالب الحلفاء التي ادعت مناصرتها ومساندتها 

وقد سبق أن باعت الحركة من قبل التجمع الوطني الديمقراطي ومقررات أسمرا للقضايا المصيرية حين قامت بإبرام الاتفاق المنفرد مع مفاوض المؤتمر الوطني  في نيفاشا وتقاسمت معه السلطة والثروة رغم التزامها في أسمرا بالعمل الجماعي مع المعارضة من أجل تحقيق الوحدة والديمقراطية فهل تدرك أحزاب جوبا مغزى هذه الصفقة وتتبين مواقع أقدامها في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان بحيث تعمل من أجل دفع إيجابي لحسم هذه المتفجرات والقنابل الموقوتة كبديل للمجاملات السياسية ؟.

  أما تصريحات د غازي فتكتسب أهميتها من أنها طعنت في اللحم الحي وكشفت عن المسكوت عنه  في قضايا أساسية من أهم مقتضياتها عدم التفريط في قضايا امن الوطن والحفاظ على أمنه وسد الأبواب أمام احتمالات تجدد الحرب مرة أخرى بعد أن دفع السودان ثمنا كبيرا مقدما بإجازة قانون الاستفتاء الذي يعني عمليا تسهيل إجراءات انفصال جنوب السودان رغم أماني البعض بالوحدة الموءودة .

فمثلما باعت الحركة حلفائها في الصفقة المشار إليها فقد باع المؤتمر الوطني أيضا الضمانات المطلوب تأمينها لحل القضايا العالقة  بتهاون مفاوضيه وترك الأمور معلقة في الزمن الضائع دون مقابل بعد أن دفع جميع استحقاقات نيفاشا طوعا وكرها .

حيث كان من الواجب ان يصر مفاوض المؤتمر الوطني على حسم هذه الملفات العالقة أولا قبل إجازة قانون الاستفتاء حتى تستبين الأمور وتسد الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها حروب جديدة معبأة في قنابل موقوتة سواء في الحدود أو أبيي أو القضايا التي أشار إليها د غازي صلاح الدين.

كل هذه المضاعفات تؤكد ان الانفراد بحل قضايا السودان المصيرية ليس هو الطريق الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار ، وحيث لم يتبقى أمام امتحان تقرير المصير بكل تبعاته إلا بضعة أشهر فإن طرفي نيفاشا لاسيما المؤتمر الوطني أمام مسؤولية تاريخية بحجم هذه القضايا والمتفجرات التي تنذر بحروب حدودية جديدة بين الشمال والجنوب إن تركت للظروف وهي مشاكل شائكة ومعقدة تتعلق بقضايا تحديد جنسية المواطن الجنوبي في الشمال والمياه والديون وقبائل التماس الخ وبأكثر مما أشار إليه د غازي صلاح الدين .

ولعل من حق الشعب السوداني أن يعرف إذا ما كانت الحكومة جادة في حل هذه القضايا في هذا الحيز الزمني الضيق أم أنها ستترك الوطن يواجه أقداره في انتظار المجهول.

Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]