عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    رغم أن السياسة لا تحفل بالمشاعر بقدر تغليبها لمنطق المصالح على كافة المستويات إلا أن حالة العلاقات السودانية الأميركية في ظل علاقات حكومة الإنقاذ مع واشنطن تبدو أشبه بقصة حب من طرف واحد يعطي بلا حدود دون أن يحظى باهتمام الطرف الاخر.
    هكذا قال القائم بالأعمال السوداني في سفارة السودان بواشنطن الأستاذ معاوية عثمان خالد في تصريحات نقلتها عنه صحيفة واشنطن تايمز التي وصف فيها السودان بأنه متلهف وحريص على اقامة علاقات وثيقة مع وكالات الاستخبارات الأمريكية والأوروبية، بوصفها مركزا للعمليات التي يقودها الغرب لمكافحة الإرهاب ضد الدولة الإسلامية " داعش " وغيرها من الجماعات الإسلامية المتطرفة الأصلية،" في محاولة منه لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان من الولايات المتحدة منذ عقود.  
    Sudan is eager to forge closer ties with American and European   intelligence agencies, possibly acting as a hub for Western-led counterterrorism operations against the Islamic State and other indigenous Islamic extremist groups, in a bid to ease U.S. economic sanctions that have been in place for decades.
    ورغم جهود الأستاذ الصديق معاوية عثمان خالد  انطلاقا من واجبه باسم حكومته  بحثا عن عين رضا الولايات المتحدة وحضها على تطبيع العلاقات بين البلدين  إلا ان الأمر يبدو أكثر تعقيدا من ذلك ويبدو في نفس الوقت أكثر من مفارقة ساخرة  لكون النظام الذي تتهمه واشنطن برعاية الإرهاب وتضعه ضمن قائمة الدول الراعية له هو نفسه الذي يسعى بكل هذه الاتهامات إلى دور الحليف لأميركا في مكافحة الإرهاب مستندا على انه قدم " الأحد " بتسليم مئات الملفات الأمنية عن العديد من الحركات المتطرفة في المنطقة في عهد تولي الفريق صلاح قوش لإدارة جهاز الأمن والمخابرات في تعاون يتباهى به مع وكالة الاستخبارات الأمريكية نشرت تفاصيله صحيفة لوس انجلوس تايمز في تقرير مطول  قبل سنوات عديدة في ظل تولي السيد صلاح قوش لإدارة جهاز الأمن والمخابرات .
    ورغم نفي مسؤولين في الحكومة تقديم معلومات عن داعش إلى واشنطن إلا أن هذا ما أكده القائم بالأعمال السوداني في واشنطن في حواره مع واشنطن تايمز التي نسبت إليه القول "
    ." إن بلاده سبق أن قدمت معلومات حيوية للولايات المتحدة وحلفائها ووكالات الاستخبارات بشأن أنشطة الدولة الاسلامية ( داعش ) في ليبيا ومصر ، الصومال ومناطق أخري في شمال وشرق أفريقيا. وقال خالد أن السودان لديه تاريخ طويل في دعم دول داخل المنطقة وخارجها بعمليات عسكرية واستخباراتية وغيرها من التنسيق في تنفيذ عمليات لمكافحة ” الاٍرهاب ” في جميع القارة مع نظرائهم الفرنسيين والإيطاليين والامريكيين"
    غير ان كل هذا العطاء يقابل بالصدود والنكران من جانب واشنطن التي تستعصى على التطبيع مع الإنقاذ. وهذا ما عبرت عنه الصحيفة نفسها مبررة صدود واشنطن بقولها:
    " إن لدي الخرطوم تاريخ طويل من العلاقات مع الجماعات الاسلامية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وحركة حماس ، وقدمت الملاذ الآمن لأسامة بن لادن وكذلك شخصيات كبيرة أعضاء في جماعات فلسطينية مدعومة من إيران ، قد يلقي بظلاله علي جهود السودان للانضمام إلي المجتمع الدولي.
    وتضيف الصحيفة إن الخرطوم أيضا لديها اتهامات من المحكمة الجناية الدولية بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية مرتبطة بحملة وحشية في البلاد لقمع الجماعات المتمردة من البلاد في دارفور فضلا عن التضييق على الحريات الأساسية وانتهاكات حقوق الانسان بأساليب غير مقبولة في قمع المعارضين ."
    وطبيعي جدا تفهم مبررات الصحيفة باعتبارها اتهامات بجرائم لا يمكن التقاضي عنها في دولة تقوم على الأسس الديمقراطية والحقوق المدنية كالولايات المتحدة الأميركية .
     
    لم يمضي كثير من الوقت لتأتي مراسم تنصيب الرئيس اليوغندي يوري موسيفني التي شارك فيها البشير كأوضح دلالة على أن المسافة بين واشنطن والأوروبيين من جهة ونظام الإنقاذ من جهة أخرى تتسع أكثر فأكثر بل تبدوا شاسعة جدا حين انسحب الأميركيون والأوروبيون من الحفل ردا على ما وصفوه بتهكم موسيفني من المحكمة الجنائية الدولية في وجود البشير رغم أن وجودهم في الحفل جاء مجاملة  لموسيفني حيث عبرت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إليزابيث ترودو عن ذلك بقولها " إن ممثلي بلادها وكندا ودول أوروبية غادروا مراسم تنصيب الرئيس الأوغندي في كمبالا احتجاجا على “إهانة” موسفيني للمحكمة بحضور الرئيس السوداني عمر البشير، المطلوب للمحكمة الجنائية دوليا  "
     
    فإذا كانت كل هذه التصرفات الدبلوماسية والتصريحات الصحفية تتم بسبب المحكمة الجنائية الدولية التي لاتزال تلاحق البشير فأي تطبيع تنتظره الحكومة مع واشنطن وأي فتح تبشر به في علاقاتها مع الأميركيين والأوروبيين.
     
    محللون مهتمون بالشأن السوداني والأفريقي في واشنطن يرون أنه مهما توددت الخرطوم إلى واشنطن فهي في نظر واشنطن والرأي العام الأميركي متهمة  بصحيفة سوابقها حيث لاتزال ظلال دارفور قائمة وحيث لا أمل في فتح أي حوار معها حول الملفات العالقة وهي متعددة ومتشعبة ما بين وضع السودان في قائمة الارهاب وملف حقوق الانسان وانتهاك القيم الديمقراطية والوضع في دارفور والانتهاكات في منطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الازرق ..
    ويرون أيضا أن الكرة في ملعب الخرطوم  حيث لا خيار أمامها إلا  الاستمرار في العزلة الدولية تحت سيف العقوبات أو المضي في خيار إطلاق الحريات العامة الأساسية واحترام حقوق الانسان وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة بجدية وليس مراوغة لكسب الوقت تفضي إلى تحول ديمقراطي شامل يوقف الحرب ويحقق السلام على أساس الحقوق المتساوية بين المواطنين . عندها ستطلب واشنطن إجراء حوار استراتيجي مع السودان يرفع العقوبات ويعيد السودان إلى المجتمع الدولي ويفتح الباب للمشروعات الاستثمارية الكبرى وهذه أهم متطلبات التطبيع حسب رأي هؤلاء .
    غير أن الناشط الأميركي جون براندر قاست أحد مؤسسي مشروع (كفاية ) في دارفور والمستشار الخاص لسوزان رايس يبدو متشائما من إزاء الوضع في السودان ويبرر ذلك التشاؤم بقوله :
    " إن النظام الحالي في السودان  يضلل الرأي العام لكسب مزيد من الوقت وهو غير مستعد لتقديم أي تنازلات لصالح شعبه وحق مواطنيه في الحرية والديمقراطية والسلام لأنه يهيمن على السلطة والثروة ويستأثر بها لنفسه دون غيره ويستخدم العنف والسياسات القمعية ضد خصومه لإقصائهم إلا من ارتهن إلى إرادته ، لذا سيعمل المجتمع الدولي الحر على مواصلة الضغوط ضده لوقف تلك الانتهاكات."
    ليس هذا فحسب بل أن القائم بالأعمال الأميركي في السودان جيري لانير رهن في تصريحات له تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، بإنهاء الحرب والسماح بوصول المساعدات الإنسانية للمتأثرين في مناطق المواجهات المسلحة واحترام حقوق الانسان وهي أخف العبارات ..
    ورغم بعض التصريحات المتفائلة التي تطلقها وزارة الخارجية السودانية من وقت لآخر للترويج لحوارات تجرى مع واشنطن لتحقيق التطبيع معها لإعطاء إحساس للرأي العام ببوادر انفراج في العلاقات الدولية إلا أنه سرعان ما يأتي الرد من واشنطن بطرق مختلفة وفي مناسبات مختلفة فعلى سيل المثال لا الحصر سبق أن أعلنت الإدارة الأميركية بدون مقدمات تجميد دعوة قدمت لنافع علي نافع بوصفه نائب رئيس المؤتمر الوطني لزيارة واشنطن لإجراء حوار سوداني امريكي شامل ولم تعلن واشنطن أسباب إلغاء الدعوة وإلغاء الزيارة .
    غير أن دوائر عديدة مؤثرة في الكونغرس الأميركي ووزارة الخارجية وصولا إلى البيت الأبيض  وجماعات ضغط مؤثرة حالت دون تلك الزيارة أو إجراء أي مباحثات ثنائية مع الخرطوم حيث بدا أن الرأي العام في أميركا غير مهيئ لأي  نوع من التواصل مع الخرطوم في ظل وجود الرئيس البشير .
     
    مراقبون عديدون يصفون العلاقات بين السودان وامريكا بأنها ظلت في حالة تأرجح بين العداء الصريح والحاد والتعاون الخجل المتواضع  الذي تنتقي واشنطن نوعه وتحدد حجمه منذ وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة، عام 1989 وإن غلب عليها التوتر والجفاء دائما من جانب واشنطن رغم سعي الخرطوم الجاد في عملية التطبيع وتقديمها لمهر التقارب أكثر من مرة خاصة في المجال الامني حتى قيل ان الخرطوم تحولت الى عين امنية لواشنطن في منطقة القرن الافريقي إلا أن هذا الحراك المتصاعد لم يُسفر في نهاية المطاف عن تحول حقيقي لصالح التطبيع بل ظل الغموض عنواناً لعلاقات اتسمت بالعدائية المتبادلة  بلغت مداها بصدور أكثر من ستين قرارا ضد السودان في مجلس الأمن وملاحقة الرئيس جنائيا وهي قرارات تقف من ورائها واشنطن بقوة وحماسة في مجلس الأمن  .
     
    ويأتي الفصل الأخير في مشهد العلاقة المتعثرة مع واشنطن من خلال تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر ردا على أحد الصحفيين حول احتجاج السودان على رفض واشنطن منح تأشيرة للبشير وبعض المسؤولين لدخول الولايات المتحدة لحضور اجتماعات قمة التنمية والجمعية العمومية. حيث قال المتحدث "
    " إن طلب البشير هو محاولة للفت النظر إليه وكما هو معلوم فإنني لا يمكنني الإدلاء بأي تفاصيل بشأن طلب أي تأشيرة لأي شخص ،ولكن حتى وإن كنا غير موقعين على ميثاق روما الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية فإننا ندعم  بقوة جهودها في محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الفظائع ، وخاصة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية  التي ارتكبت في دافور."
    وقال المتحدث حسب علمه إن البشير لم يصل إلي نيويورك في السابق، وإذا واصل في ذلك الأمر" فإنهم يستخذون خطوة واحدة في زمن محدد " لانهم يعتقدون إن البشير ينبغي إن يحاسب على جرائمه"
    هكذا تنظر وزارة الخارجية الأميركية للرئيس السوداني رغم مصافحة إبراهيم غندور لجون كيري في نيويورك وتبادل الصور والابتسامات كفعل دبلوماسي شكلي .
    غير أن ردود الفعل من قبل الحزب الحاكم على تمنع واشنطن عادة ما يأتي  فطيرا وغير مدروس من حيث التصريحات والخطوات كأن يتهم المؤتمر الوطني " الولايات المتحدة الأمريكية بدعم المتمردين وتشجيعهم على حمل السلاح وأن الإدارة الأمريكية تستغل نفوذها لإضعاف السودان وإن العلاقات بين البلدين تواجهها جملة صعوبات تقف دون التطبيع" أو أن تتهم المعارضة بالاستنصار بالأجنبي والرعاية الأميركية .
    أو أن يدعو الأمين السياسي للحزب الحاكم في السودان، الولايات المتحدة، ببراءة شديدة إلى رفع الحصار الجائر عن السودان أو أن يتبنى حملة طلابية تقوم بإيصال خطاب مفتوح للحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تطالب برفع العقوبات والتطبيع وهكذا "
    ورغم محاولة الحكومة من وقت لآخر ايهام الرأي العام السوداني بان هناك تقدما في العلاقات مع الاتحاد الأوربي والمجتمع الدولي إلا انها سرعان ما تناقض مواقفها بإصدار بيانات متناقضة تنسف كل ما تنسجه من وهم لتضليل الرأي العام  وآخرها هجومها  على مجموعة دول الترويكا الي أصدرت بيانا أدانت فيه قصف المدنيين في هيبان بجنوب كردفان الذي خلف عشرات القتلى من الأطفال .
    وكان ذلك حين شجبت دول الترويكا التي تتكون من  الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة والنرويج – عمليات القصف الجوي التي تنفذها الحكومة السودانية في جنوب كردفان  وأوردت فى بيان مشترك في 27 مايو ما هو نصه
     ( يعرب أعضاء الترويكا عن شجبهم لعمليات القصف الجوي التي نفذتها الحكومة السودانية وأصابت مدنيين في كاودا ومحلية هيبان في جنوب كردفان، بما في ذلك قصف مدرسة سانت فينسنت الابتدائية يوم 25 مايو. تتحمل الحكومة السودانية حماية كافة مواطنيها. وأضاف البيان إن أفعال الحكومة السودانية تساهم في زيادة صعوبة ظروف تلبية الاحتياجات الإنسانية في السودان.)
     
    ومعلوم أن للترويكا تأثير كبير على السودان وتمثل رأس الروح في المجموعة الدولية غير أن آخر مواقف الاتحاد الأوروبي ضد النظام السوداني والذي شكل احباطا معنويا للشعب السوداني بكامله عبر عنه قراره إدراج الخطوط الجوية السودانية (سودانير) في القائمة السوداء لشركات الطيران المحظورة من استخدام أجواء دول الاتحاد الأوروبي، لعدم استيفائها المتطلبات الفنية والتقنية وإجراءات السلامة المتبعة في تلك الأجواء.
    ورغم أن سودانير لم تعد تملك حتى طائرة واحدة في ظل الإنقاذ ضمن مسلسل الإنهيار إلا أن تاريخها في أوروبا كان حافلا في عهود ماقبل الإنقاذ حيث بدأت سودانير تسيير رحلاتها إلى العاصمة البريطانية لندن عبر مطار روما الإيطالي في 1959، كما أنها كانت تتمتع بامتياز الهبوط في مطار هيثرو قرب العاصمة لندن.
    وظلت الشركة على مدى عقود مفخرة سودانية تحلق في أجواء العالم، قبل أن تتراجع بشكل كبير بسبب ما وصفت بالسياسات غير الراشدة، التي أدت إلى تدهور الشركة وانهيار أسطولها بالكامل وبيع خطوطها كخط هيثرو في صفقات فساد مشبوهة .
    ورغم أن الخطوط الجوية السودانية تعاني منذ سنوات من مشكلات متعلقة بتمويل شراء الطائرات والصيانة،  فإن ورودها في القائمة السوداء المشار إليها يأتي كقاصمة الظهر في ظل ما تصفه الحكومة بالانفراج في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ..
    ومن المثير للشفقة أن ينظر بعض المسؤولين في الحكومة بفرح غامر إلى زيارات بعض المسؤولين الأوروبيين الذين يأتون إلى الخرطوم باعتباره إقبالا على السودان والصحيح هو أنهم أتوا فقط  بشان حماية بلدانهم من الهجرات العشوائية والتي يعتبرون السودان أحد معابرها وهي تحركات يقومون بها كتدابير احترازية لحماية بلدانهم  بالطلب إلى السودان إقامة معسكرات للمهاجرين وإجراءات أخرى مماثلة مقابل بعض المساعدات المتواضعة والبرامج الخاصة باللاجئين تحت شعار مكافحة الاتجار بالبشر. .
    ويجمع كثيرون أن سياسات الترقيع وسياسة تسويق الأوهام التي يمارسها الحزب الحاكم عبر حكومته لن تصلح حال البلاد ولن ترفع العقوبات التي تسببت فيها سياساته ولن تعيد للسودان احترامه في المجتمع الدولي ولن تعيد الثقة للعلاقات الخارجية سواء مع الولايات المتحدة او دول الاتحاد الأوروبي .
    بل أن الطريق الوحيد لاستعادة السودان لوضعه الطبيعي في المجتمع الدولي كدولة قانون ومؤسسات تتمتع بعلاقات جيدة مع محيطها الإقليمي والدولي يكمن في بسط الحريات السياسية والأساسية واحترام حقوق الانسان في ظل نظام ديمقراطي حر منتخب بإرادة شعبية حرة غير مزيفة يكون المدخل الرئيس لإيقاف الحرب وتحقيق السلام والتنمية المستدامة القائمة التوازن العادل بين تنمية الموارد وتنمية المجتمع   .