عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
      
ليس غريبا على أهل السودان من أقصى شمال أحزانهم  إلى أقصى جنوب أفراحهم  ومن أقصى فقر شرقهم إلى أقصى بؤس غربهم أن يتباروا دوما في التعبير عن صنوف التسامح وحسن الخلق  والسلوك الحضاري الإسلامي السوداني الرصين والحنين ونسيان الأذى وتجاوز المرارات، تجمع بينهم أحزان الفراق وأفراح اللقاء وأن تفرقت بهم السبل خلافا في الرأي أو اختلافا حول شأن وطني حتى مع الإنقاذ التي   قدمت لأهل السودان أسوأ ما عندها من خصومة وفجور فيها يندى له الجبين والتي وصف جريرتها  الشاعر السوداني حين قال :
    أقـصـص ياصــوتى عـن
    وطـن أمي وأبـى عـن أرض الطـهـر
    لا تنسـى أبـداً خَـبِّرنـا
    عن نـزفِ الروح ِ وأكبـادٍ أدمـاهـا القهـر
    مـن أرض الأجداد إلى
    أرض الـتـيـه نُفُوا لا شجرٌ فيها لا نهر
    يا رجع جراحي ذكـرنا
    بذئـابٍ نهشـت أحشـاء رضيـع ذي شهر
    وعَـذارى رُمـنَ الماء
    لعُرس فَـتَخَـطّـفهُـن التمساحُ بشطِ النهر
    وعجـوزٌ ماتـت كمـدا
    فرفاتُ حـشَـاها جَرفـتهُ الأمواهُ مع القبر
    وشــيـخ عـــزق الأرض
    دُهُـوراً، قَـتَّـلتهُ أحزانُ الفقـر
    ومـلايـيـنُ الـنخلِ تَداعـت
    تحـتَ هديـرِ المـاءِِ وقصفِ الصـخـر
    والـسُـودانُ تـطابق ظـلـماً
    فالقربة سرطان تدعـمه أوبـئـة كثـر
    رحل الترابي الذي لا يختلف اثنان على فكره وعلمه وقدرته التنظيمية التي صعدت بتنظيمه عبر الانقلاب إلى مفاصل الدولة وامتلاكها وتحويلها عبر التمكين إلى مؤسسة خاصة للتنظيم ، لكن حتما فإن معظم السودانيين يختلفون على نهجه السياسي وحصاده على الأرض في الواقع والراهن المشاهد بالعيان كممارسة سياسية أخطأت  وطاشت سهامها هدف نموذجه المثالي الذي كان يبشر به فتحولت مثالية الفكرة التي يراها  إلى كارثة في التطبيق وحمل كل هدف نقيضه تماما حيث تحولت الدولة إلى إقطاعيات وتحول المال العام إلى خزائن الفساد وتحولت الحرية التي كان يدعو لها إلى قهر واعتقالات ومطاردات يبرر لها بسن القوانين وتحول الخصوم السياسيين إلى عملاء للأجنبي
     
    وتحولت السيادة الوطنية إلى انفصال في الجنوب وانتقاص في الشمال وتجاوزات في الشرق ووجود أجنبي في الغرب .وتحولت رمزية سيادة السودان إلى حالة جنائية مطاردة دوليا .
    وتحول حلم الترابي إلى قتيل  مضرج بدمائه والقاتل هم تلاميذه حسبما صرح بذلك في حواره الصريح لقناة دريم إبان زيارته لمصر بعد الثورة المصرية.
    اتهم  الترابي في ذلك الحوار تلاميذه بالخيانة والانقلاب عليه وتدمير مشروعه  الحضاري هم ذاتهم الذين يبكونه الآن حيث لم يعد الترابي بعد تمرد تلاميذه عليه بعد أن ذاقوا  حلاوة السلطة وتمرغوا في وحل السلطان  بإمكانه السيطرة على المارد وإعادته إلى القمم مرة أخرى فعكف على التفسير والمراجعة والاعتذار والسعي لإعادة الثقة  المفقودة بين الفرقاء السياسيين الذين ذاقوا  المر من كأس الإنقاذ وهو يسعى بينهم  بغية إيجاد طريق ثالث يفتح صفحة جديدة غير ان ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .
      رحيله ترك لاتباعه  ممن كانوا معه أو من فارقوه نكرانا طلبا لبريق السلطة بعد انقلابهم عليه ترك هما كثيفا كان هو الحافظ  له  بكاريزما الزعامة .
    فإذا كان وهو في وجوده  على قيد الحياة قد تفرق تلاميذه أيدى سبأ بسبب التجاوزات والأخطاء السياسية التي فضحتها تجربة الإنقاذ على الأرض فماذا سيكون الحال بعد اختفاءه عن الساحة حتى في داخل حزبه الذي تتناهشة  التباينات والاختلافات وإن تدثرت خشية أن يفرح الخصوم بذلك .
     
    ورغم اختلافنا مع الترابي في الكثير من أفكاره وسياساته إلا أنه عالم  مجتهد ورمز سوداني لا يشق له غبار ترك بصماته على  الواقع الراهن وعلى حقبة هامة من تاريخ السودان المعاصر لا نملك إلا ان ندعو له بالرحمة فكلنا إلى ذلك السبيل ماضون .الا أن مشروعه وتجربته السياسية المثيرة للجدل ستظل موضع النقد والتحليل لفترة طويلة  ومحل تباين واختلاف وهي تمضي بسوءات التلاميذ إلى نفق مظلم .
    نعم لقد نجح الترابي في بناء التنظيم الذي في بناءه الآخرون رغم خطأه التاريخي حين نجح من خلال تنظيمه في الاستيلاء على السلطة ومؤسساتها بالقوة وإعمال سياسة التمكين في كل المرافق لكن الحصاد كان هشيما في عين الفكرة حيث فشل مشروعه تماما في تحقيق الغايات التي كان يدعو لها نظريا وهي الحريات الأساسية والديمقراطية والتنمية والسيادة الوطنية وكرامة الانسان السوداني .
    "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " رحم الله دكتور الترابي والهم الصبر اسرته الصغيرة والكبيرة .