يسود اعتقاد جازم  في أوساط العقلاء من المقربين من الحزب الحاكم أن النظام غير جاد حقيقة في تقديم تنازلات جوهرية لصالح حل الازمة السودانية التي لم تعد في الواقع تحتاج إلى حوارات بعد ان أصبحت معلومة للجميع بكل جوانبها مثلما ان الحل واضح كالشمس في رابعة النهار.

اعتقاد النظام أن أي حوار جاد سيعمل على تفكيك الإنقاذ هو السبب المباشر في عدم جدية الحوار لذا فإن الحزب الحاكم يريد ان يحول الحوار إلى مهرجان سياسي لإعادة انتاجه من جديد دون تفريط في هيمنته على السلطة والثروة والأمن ودون فتح الباب لمحاسبة الذين اعتدوا على المال العام ودون الرغبة في بناء مؤسسات قومية مستقلة كالقضاء والخدمة المدنية والصحافة والاعلام والقوات النظامية وغيرها ودون استشراف نظام ديمقراطي حقيقي يقدم من يختاره الشعب بشفافية كاملة تحت رعاية واشراف قضاء مستقل .

الذين يقودون دفة الحكم في البلاد ويسيطرون على مقدراتها يرون أنها أصبحت لهم وحدهم ويتفضلون على الآخرين بما يرون وبما يخدم احكام سيطرتهم عليها دون تفريط منهم من يرى أن السودان اصبح قلعة الإسلاميين الأخيرة في المنطقة لا ينبغي التفريط فيها ومنهم من يرى أنها باتت إرثا خالصا لامجال للتنازل عنه دونه حد السيف.

ولعل المؤسف أن عشرات الأحزاب الوهمية والمجموعات المنشقة من حركات مسلحة من طلاب الوظائف والامتيازات التي تعج بها أروقة القاعات الرسمية واستديو هات القنوات الحكومية تحت شعار فعاليات الحوار الوطني هي في الواقع لا قيمة سياسية لها ولا تمثل ثقلا حقيقيا سواء من حيث المستوى الفكري او السياسي او الجماهيري وهي مجموعات تدرك ذلك وتدرك دورها في مؤازرة الحزب الحاكم في دور الكومبارس السياسي مقابل ما تتلقاه من عطايا ومناصب .  

كل عاقل يدرك أن الأزمة السودانية تحتاج إلى مواجهة حقيقية وجادة ومن خلال شخصيات وطنية نزيهة وأحزاب وقوى أساسية وجادة لها تاريخها السياسي واسهاماتها الوطنية بغض النظر عن تبايناتها السياسية شكلت سيرتها الذاتية مراحل أساسية من تاريخ السودان السياسي كالأحزاب الوطنية الرئيسية التي لعبت دورا كبيرا كبوتقة للانتماء السياسي والوطني دون الانتماءات العرقية والقبلية والجهوية  لذا فمن العيب أن يبحث السودانيون اليوم بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال  وبعد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي استهلكت طاقات البلاد عن الإجابة على سؤال هو كيف يحكم السودان .

فلو أن الحزب الحاكم وقيادته السياسة جادون في إنهاء هذه المأساة السياسية في السودان لأقبلوا على تنفيذ بنود النداء الذي اطلقه مؤخرا زعيم حزب الامة القومي الامام الصادق المهدي دون تردد لأن مجرد القبول أصبح لا يعني عند المعارضين التنفيذ لفقدان وضعف الثقة في النظام فكم قبلت الحكومة من مبادرات وكم اطلقت من تصريحات والتزامات وكم وقعت من اتفاقات دون أن تجد طريقها إلى الواقع العملي

الميثاق الوطني الذي ينشده المهدي كمخرج من الأزمة وحتى يتحول الحوار الوطني لحوار جاد يجسد رغبات وأشواق جميع الحادبين ويترجم مطالبهم العادلة ولا أحسب أن الحزب الحاكم إن كان جادا سيتردد في تنفيذ بنود هذا الميثاق لسلامته وسلامة البلاد فلا يكفي ان يرحب الرئيس به بل يعمل على تنفيذه لبرهان جديته .

قال المهدي في ميثاقه المنشود نحن دعاة الحوار الوطني  وبموجب قرار اجتماع مجلس الأمن والسلم الأفريقي تبنى المجلس بالإجماع رؤيتنا العادلة للحوار الوطني  هذه الرؤية تبدأ بلقاء تحضيري جامع خارج السودان للاتفاق على إجراءات بناء الثقة وعلى خريطة طريق ثم ملتقى جامع داخل السودان.

 هذه الخطة تحظى بدعم أفريقي ودولي وتتطلع لإعادة الثقة في آلية السيد ثامو أمبيكي الرفيعة وتقويتها. ويرجى أن تكون الخطوة التالية أن يوسع مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2046 ويتخذ قراراً  تحت عنوان (السلام العادل الشامل والاستقرار الديمقراطي في السودان). هذا القرار الجديد يرجى أن يتبنى أن يكون الحوار السوداني جامعاً. وأن يتضمن منافع للسودان أهمها تسوية مسألة المحكمة الجنائية الدولية بصورة توفق بين المساءلة والاستقرار في السودان، وتوصية دولية لإعفاء الدين الخارجي السوداني ضمن برنامج إلغاء ديون البلاد الفقيرة المديونة. هذا معناه أن يحقق السودان السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل وينعم بتسوية مسألة المحكمة الجنائية على أساس يوفق بين المساءلة  والاستقرار وإلغاء الدين الخارجي ورفع العقوبات الاقتصادية، وفك تجميد الدعم التنموي، وتطبيع العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية، وتجنب أن يقع السودان في حالة الانهيار الذي يواجه دولاً أخرى. هذا يصل بالسودان إلى بر السلامة ويمكن أهل السودان من توحيد الإرادة لبناء الوطن.

هل سيتحول الحوار إلى حوار جاد أم سيبقى مجرد احتفالية سياسية تنتهى بانتهاء مراسم الحفل ؟ هل سيتجاوب النظام مع هذه المعاني الجادة التي قدمها المهدي لحل أزمة البلاد بطريقة عقلانية ام ستكون المحصلة كمحصلة مباراتي الهلال والمريخ الأخيرتين بمعنى أن يكون قدر السودانيين موت أفراحهم قبل ان تكتمل .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.