بعد ربع قرن من الحكم المطلق والهيمنة المطلقة على السلطة والثروة والسلاح وبعد مرور اكثر من خمسة وعشرون عاما على تولي الرئيس عمر البشير رئاسة الدولة  وبعد مسلسل من الأزمات والفساد الاقتصادي والسياسي والحروب والصراعات والعقوبات والاعتقالات ومصادرة الصحف وبعد ان هاجر ثلث الشعب السوداني إلى مدن العالم بحثا عن حياة كريمة آمنة يعلن عن تنصيب البشير  وسط حشد من الرؤساء والأمراء على نحو ما اعلن عنه وكأنه يتولى السلطة لأول مرة وفق انتخابات حرة ونزيهة  على الطريقة الأميركية مع الفارق في الشكل والمضمون بالطبع .
 
 
ومهما كانت أسباب استمرار هيمنة  النظام الحاكم  سواء من خلال القبضة الأمنية والسياسية او بسبب ضعف المعارضة وآلياتها أو بسبب صبر السودانيين على الإنقاذ خوفا من مواجهات تجر على بلادهم خطر التمزق والانزلاق إلى ما آلت إليه الأوضاع في بعض الدول من حولنا وليس خوفا منها ، إلا أن نظام الإنقاذ لم يستفيد من كافة الفرص والدروس التي توافرت له للانتقال بالبلاد إلى واقع جديد ينفي كل صور الواقع البائس الذي صنعته في البلاد لربع قرن مضى بل كان كل هم قادته تثبيت اركان سلطتهم دون اعتبار للأثمان التي ستدفعها البلاد وذلك بهدف الاستمرار لأطول فترة ممكنة مستفيدين من تحالفات مجموعات انتهازية تحمل لافتات سياسية وهمية وتحالفات من سماسرة وطفيليين لا تهمهم مصالح البلاد العليا بقدر اهتمامهم ببيع كل شيء ونهب كل الموارد العامة حتى أضحت ملفات الفساد لتنوء بالعصبة اولي القوة .
لم يتسنى لأي نظام ان يحكم السودان بالقدر الذي حكمت فيه الإنقاذ وهي فترة كانت كافية ان تنقل السودان إلى مصاف الدول المصدرة والمنتجة  والمستقرة سياسيا  واقتصاديا في العالم والأولى في افريقيا والعالم العربي لكنها حقبة من الدموع والدماء استهلكت في صراعات ومكايدات سياسية وحروب داخلية ودمار للمشاريع الحيوية التي كانت قائمة فلم يعد للسودان أن يفاخر بمشروع الجزيرة او السكة الحديد او الخطوط الجوية او البحرية بعد ان أصبحت كغيرها من المشروعات الأخرى الأقل من حيث الأهمية اثرا بعد عين .
أما على الصعيد السياسي فا حدثت  تشويه كامل للتجربة السياسية السودانية التي رسم ملامحها المحجوب والزهري  ورفاقهم ولكل ماحفلت به من قصص النزاهة والشفافية  والغيرة على الوطن وموارده وماله العام ونكران الذات وأصبحت السياسة في السودان نهبا لكل من هب ودب أسماء وأحزاب وهمية لا يدري أعضائها على قلتهم أسماء قادتها كأقصر وسيلة لنهب المال العام .
يأتي يوم زينة الإنقاذ الذي سخرت له كل موارد الدولة كما سخرت للانتخابات المعزولة من قبل كدلالة على عقدة الشرعية والعزلة الداخلية التي يعاني منها النظام وكان الأجدى للرئيس ان ينظر إلى الحقائق على الأرض وكيفية معالجتها وأن ينتهز فرصة صبر السودانيين على نظامه خوفا على بلادهم لاتخاذ قرارات تاريخية  ومفصلية وهي اهم من كل هذه الدعاية السياسية الوهمية المكلفة والتي لا تغير حقيقة ان الإنقاذ قد فشلت في ربع قرن وأن مالم تحققه في ربع قرن لن تحققه في خمسة أعوام إن ضمنت وجودها .
إن الفرق بين تنصيب الرئيس في الدول الديمقراطية ودول أنظمة الحزب الحاكم فرق كبير أهمه أن الذي يتم تنصيبه في دولة ديمقراطية كما فعل أوباما يعد شعبه بتنفيذ برنامجه في فترة رئاسته المحدودة التي يستشرفها ويصبح خطابه حجة عليه . اما التنصيب في بلاد أنظمة  الحاكم فيتم بعد ربع قرن من ممارسة السلطة يعتذر فيها الرئيس عن فشله ويعد بخمسة أعوام أخرى لإعادة المحاولة مرة أخرى  .
 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////