Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

إليه في ذكراه العطرة


في غرة رمضان  الموافق 26 اكتوبر 2003م غادرنا الدكتور عمر نور الدائم فلم تعد الأحوال كما الأحوال ولا الأيام كما هي لكنه ترك فينا ذكريات تكتسي بابتسامته التي لا تغيب رغم رحيله المتعجل .

أذكر من أيامه الخضر يوم أضفى وجوده على لندن نكهة خاصة على المدينة بعد منتصف التسعينات. فكانت صداقته الحميمة للكاتب الصحفي الراحل الأستاذ محمد الحسن أحمد مناسبة سعيدة تجمع نخبة مميزة في منزل الأستاذ محمد الحسن أحمد تضم الأديب الراحل المقيم الروائي الكبير الطيب صالح ، والباقر أحمد عبد الله مدير عام جريدة الخرطوم  ، ومبارك المهدي أمين عام التجمع الوطني ، وغيرهم من الأصدقاء . كان كثيرا ما ينصرف النقاش  إلي الوضع في السودان وتداعياته الإقليمية والدولية . وكثيرا ما تضفي اشراقات الطيب صالح وتأملاته ومشاغباته لنور الدائم ، وسخرية وطرفة نور الدائم رونقا على تلك الأمسيات من أيام لندن .

 كان نور الدائم مغرم بالمكتبات والتجوال بين أضابيرها خاصة كلما رأى فرعا لمكتبة بوردرز وسط مدينة لندن وكان يحب التجوال مشيا على الأقدام كنت أصحبه برفقة  الأخوين أحمد عقيل ، وعبد الله الصادق . وكان كثيرا ما ينصحنا من خلال تعليقاته الساخرة بالمداومة على قراءة مجلة الإيكونوميست لتذوق اللغة الانجليزية الرصينة . وهو من مدمني القراءة رغم عدم ميله للكتابة حيث كانت تمتلئ  غرفته في لندن واسمرا بمئات الكتب والمجلات معظمها أعداد من مجلة إيكونوميست . نور الدائم من الشخصيات النادرة وهو يشبه الأنواع النادرة من العصافير التي تزدهي بها الأمكنة وتهتز بها اللحظات وتنبت من كل المفردات الطيبة .

ولد نور الدائم في قرية نعيمة القريبة من مدينة الدويم، حيث ترقد على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، في عام 1934. والتحق بجامعة الخرطوم وحصل العام 1957 علي درجة البكالوريورس في علوم الزراعة. وعمل بعد تخرجه مفتشاً زراعياً في مشروع تنمية الزراعة الآلية في منطقة الدالي والمزموم ومنقطة خشم القربة لمدة عام واحد.

 

وابتعث الي ألمانيا الديمقراطية العام 1958 حيث حصل علي درجتي الماجستير والدكتوراة في هندسة الزراعة الآلية عام 1963. وشغل الدكتور عمر نور الدائم منصب وزير الزراعة خلال الفترة الديمقراطية من 1966 الي 1967 حين تولي صديق عمره السيد الصادق المهدي رئاسة الحكومة للمرة الأولي. وكان نورالدائم أحد أبرز رموز المعارضة في "الجبهة الوطنية" التي ناهضت حكم مايو. وظل معارضاً في الخارج ثماني سنوات، وعاد مع المهدي عقب المصالحة الوطنية مع نظام نميري العام 1977.

 

 وبعد الإطاحة بنظام نميري، وعودة الحياة الديمقراطية بعد سنة الانتقال التي ترأسها المشير عبد الرحمن سوار الذهب، خاض الدكتور الراحل الانتخابات النيابية وانتخب العام 1986 عضواً في البرلمان، واختير في حكومات السيد الصادق المهدي في الديموقراطية الثالثة وزيراً للزراعة ثم وزيراً للمال حتى العام 1988. وعقب انقلاب الرئيس عمر البشير العام 1989 حظرت حكومة الإنقاذ على نور الدائم مغادرة البلاد بعد ان مكث في السجن قدرا من الزمن حتى سمح له في منتصف التسعينات بالسفر للعلاج في لندن التي استقر بها لبعض الوقت وأيضا في القاهرة واسمرا معارضاً حيث ساهم في هذه الفترة في بناء التجمع الوطني الديمقراطي والتمهيد لاتفاقات شقدوم ونيروبي واسمرا الأولى واسمرا الثانية عام95 وبعد توقيع حزب الأمة اتفاق "نداء الوطن" مع الحكومة في جيبوتي عاد للوطن عام 2000 وانتخب نور الدائم عقب عودته نائباً لرئيس حزب الأمة للمرة الثانية بعدما كان طوال فترة رفقته مع السيد الصادق المهدي أمينا عاماً للحزب.

 

صرح نور الدائم قبيل عودته من إريتريا بأنه أضحي عازفاً عن الحياة السياسية، ولن يتولي منصباً وزارياً، وأن غاية مناه أن يعود الي منطقة نعيمة في النيل الأبيض ليمارس الزراعة الآلية التي أجيز فيها قبل نحو أربعة عقود، وليشرف علي مشروع طموح للمطالبة بتعميم التيار الكهربائي علي قري ريف النيل الأبيض.وظل نور الدائم طيلة حياته شخصية سياسية فذة، ما ضاق صدره بالتيارات الأخرى رغم الخلافات السياسية والمناكفات الحزبية والمماحكات التنظيمية، واجمع علي ذلك كافة القيادات السياسية.

 كان دائما ينحاز للمستضعفين في هدءاتهم وابتساماتهم الصغيرة كان عابرا في كلمات وحكايات وأقاصيص استهوت كل رفاقه على الطريق يسير ساخرا من لغة القمع والوصاية وهو يردد بوجدان شاعر المهدية أحمد ود سعد وعبارات محمود درويش : 

 

ايها المارون في الكلمات العابرة

احملوا أسمائكم وانصرفوا

واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و انصرفوا

وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة

و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا

إنكم لن تعرفوا  كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

وعلينا ،نحن، أن نحرس ورد الشهداء

و علينا ،نحن، أن نحيا كما نحن نشاء.

تنظر إلي نور الدائم  في فضاءات ومعسكرات هايكوتا الاريترية تجده أنضر شبابا وأجمل رونقا  وأكثر بهاءا  سائرا بين التفاصيل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويرتاد المقاهي الشعبية. كثيرون عبروا عن حبهم وفقدهم لهذا الرجل من اختلفوا ومن اتفقوا معه من رافقوه في منحيات العمر ومن إلتقوه في مناسبات مختلفة شهد الناس لعمر كشخص متفرد ومميز ،فقد لعب أدورا مفتاحيه في العديد من القضايا التي  فرقت بين أصحاب الرؤى وأصحاب الهوى فكان قاسما مشتركا بين خصومه ومؤيديه

. في فترة اعتقال على عهد نظام نميري عام 1982 استغرقت ما يقارب العامين في سجن كوبر جمعتنا مساحات ضيقة ، كان عمر من خلالها مصدر أمل وتفاؤل بالنسبة لكثير من المعتقلين من كبار السن والمرضي الذين زج بهم نظام نميري في السجن . كان كثيرا ما يبشرهم  بقرب الإفراج عنهم. وهو يري في ذلك نوع من الأمل ورتق المعنويات قد يزيح كثيرا من عناء السجن لدى هؤلاء الشيوخ والمرضي الذين كانوا يرون فيه مصدر بشر وأمل ,ونور الدائم صاحب خصوصية في تعاملاته مع الناس على كافة المستويات .

 وهو ما حفظ له حب الناس حتى مع من اختلف معه . وما يمكن أن تلاحظه عبر سيرة هذا الإنسان أنه ترك بصماته الخاصة على العديد من المدن والمواقع التى وطئتها أقدامه . ورغم زياراته من موقع إلي آخر إلا أن اختياره للعاصمة الأريترية اسمرة كمقر دائم لا يخلو من معنى ومن زهد فعند اندلاع الحرب الاريترية - الأثيوبية  غادر عدد من قيادات المعارضة السودانية أسمرا إلي القاهرة . لكن نور الدائم رفض أن يغادر مقره الذي لا يبعد كثيرا عن مطار أسمرة الذي كان يتعرض لقصف الطائرات الأثيوبية في تلك الأحداث .

 قلت له يا دكتور إن سلامتك تهمنا جميعا في محاولة لا قناعه بتغيير مكانه لكنه كان يري أن من أقل مظاهر التضامن مع الشعب الاريتري الذي ساند نضال السودانيين وشاركهم قوته هو الوقوف إلي جانبهم في هذه اللحظات الحرجة لا تركهم لاعتبارات تتعلق بالسلامة الشخصية

 .وقد حفظ الاريتريون هذه المواقف لعمر فكان محل تقدير وحفاوة في كل شارع يمر عبره في العاصمة الاريترية من أناس عاديين في تلك الظروف الصعبة قبل تقدير الموقف الرسمي له .كان مقدمه الي القاهرة عائدا من أسمرة يضفي كثيرا من البهجة على مجتمع السودانيين فيها يتسابقون لزيارته والاستماع إلي تحليلاته للموقف السياسي .

وكانت لسخريته في التعليق وصراحته في نقد مواقف الزعامات المعارضة والمواقف السياسية وقعا خاصا ومقبولا لدى مستمعيه في المنتديات والاجتماعات حتى من خصومه السياسيين المفترضين .  وهو إنساني في تعاطيه مع الآخرين ولا يفّرق في ذلك بين من ينتمي إلي حزبه أو إلي حزب آخر . وقد شهد له بذلك عدد من الناشطين السياسيين الذين لجئوا إليه في مقر إقامته في أسمرة أو القاهرة  من الذين ضيقت عليهم أحزابهم أو مارست عليهم نوعا من الحصار لأسباب تتعلق بعلاقاتهم المتوترة مع قادتهم أو نتيجة اختلافهم معهم في التقييم أو أسلوب العمل . وفي أوج الخلاف بين حزب الأمة في الخارج وبين الحزب الاتحادي الديمقراطي بسبب تباين وجهات النظر حول عمل التجمع الوطني . كانت العلاقة بين د عمر نور الدائم والسيد الميرغنى بعيدة عن التوتر أو التغير، تتسم بالخصوصية والدفء والاحترام المتبادل بل تلعب دورها في تلطيف الأجواء وإزالة الاحتقان وتطبيع المسار.

 

وهو سوداني عروبي من المتحمسين لتوطيد العلاقات المصرية السودانية وإعطائها أبعادا خاصة على كافة المستويات الفكرية والسياسية الاجتماعية والثقافية وكان أسلوبه في التعاطي مع الآخرين جاذبا لكثير من الأشقاء المصريين الذين يتحلقون حوله عند مقدمه من مقره في أسمرة إلي القاهرة عابرا أو زائرا ومن أهم السمات التي طبعت شخصيته بين الجميع ماعرف عنه من صراحة سواء في  أوساط القوى السياسية السودانية وقياداتها أو بين المسؤولين المصريين على كافة المستويات من الذين تعاملوا معه

 . وقد شهدت لقاءاته واجتماعاته في إطار هيئة قيادة التجمع الوطني التى كانت تعقد برئاسة السيد محمد عثمان الميرغنى في أسمرا والقاهرة كثيرا من مواجهات الصراحة والوضوح. كان يسمي الأشياء بأسمائها.  ورغم اختلاف قيادات التجمع مع حزب الأمة في تلك الفترة المتوترة من عمل المعارضة في الخارج إلا أنهم يقدرون لعمر صراحته وشجاعته في مواجهته لهم داخل تلك الاجتماعات .

 

أجمل برهات عمر واستراحاته كمحارب أنيق أن  يوم يصحبنا إلي مقاهي الحسين عند قدومه إلى القاهرة حتى أصبحت أيامه بيننا في مصر مناسبة للتغيير من عنت الاستهلاك السياسي اليومي وسيادة لغة المعارضة على تفاصيل حياتنا الخاصة .

وهو شرقي تشده أجواء الحسين والغورية ومصر القديمة يندمج في حياة البسطاء ويمل من قيود السلوك الأرستقراطي في بعض المناسبات التي يعتبرها ثقيلة الدم على نفسه . تستهويه زيارة التاريخ ، مستقويا بقليل من الاسترخاء على معاناة سياسية شغلت معظم مساحات حياته .

 

بصمات نور الدائم تجدها في كل المقابض والطرقات والمدن باحثا عن الحرية والديمقراطية ومستعدا في كل وقت لدفع استحقاقات ذلك في غير من أو أذى بل في زهد صوفي لو أدركه المتصوفة لاستيقنوه بأنفسهم . يصنف نفسه دوما في خانة المستضعفين والبسطاء الذين يؤثرهم على نفسه ولو كان به خصاصة .