مرايا واشنطن

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قبل سنوات خلت وما أن تقترب من مدينة نصر شرق العاصمة المصرية حتى تواجهك لافتة مكتوب عليها " ابتسم أنت في مدينة نصر " وكما هو معلوم أن الابتسامة وروح النكتة والدعابة متأصلة في الشعب المصري حتى أنك تضطر للابتسام والضحك لنكتة عابرة ناتجة عن موقف ما حتى في أصعب الظروف وأحرجها .   ولعلنا في أحوج ما نكون إلى كتابة مثل هذه اللوحات في شوارع الخرطوم " ابتسم أنت في مدينة الخرطوم " رغم تقديرنا لحرارة الجو التي تفرض حالة من الضيق والزهج الناجم عن أحوال الطقس بالإضافة للعوامل الأخرى التي تتكالب على إطفاء وهج الابتسام الممكن في معارك الحياة اليومية.

   

وقد أثبتت دراسة نشرتها رويتر مؤخرا أن الضحك والابتسام والاستماع إلى الأغاني يقلل من مخاطر ضغط الدم وتصلب الشرايين ومخاطر الإصابة بالأمراض القلبية. وذلك لأن الضحك والابتسام الناتج عن حالة الرضا المزاجي يساهم في إفراز هرمون يحمي القلب من هذه المخاطر حسب الدراسة البريطانية.

 

كما أثبتت دراسة أخرى أن الابتسام والضحك يقلل من تجاعيد الوجه وتكلس العضلات. 

  

أما في الولايات المتحدة الأميركية فالابتسامة تشكل خطابا حاضرا في قسمات كل وجه تلتقيه في يومك وتكون في كثير من الأحيان مصدر راحة نفسية خاصة إذا كانت تشع من وجه أنثوي جميل . وتشكل الابتسامة الأميركية عادة أميركية يومية عند الأميركيين وتشكل سمة من سلوك اجتماعي متحضر تجاه الآخر ،لاسيما في بلد متعدد الأعراق والألوان والثقافات . وهو سلوك  ينتشر في عدد من العواصم الغربية

 

ورغم أن ديننا الإسلامي يحض على الابتسام في وجه الآخر " تبسمك في وجه أخيك صدقة " حديث شريف . " أفشو السلام بينكم " حديث شريف إلا أن الأميركيين والأميركيات هم الأكثر التزاما بمقاصد هذا الحديث وتعاليم  الثقافة الإسلامية مقارنة بالعديد من المسلمين لاسيما في بلادنا . وتبعا لبعض التقاليد السالبة في مجتمعنا مثلا فأنك إذا ابتسمت لرجل سوداني وأنتما عابرين على الطريق في اتجاه معاكس سينظر إليك بتوجس، أما إذا كانت سودانية فقد لا تنجو من رد فعلها غير المحسوب إلا القليل بالطبع . في نفس الوقت الذي نتقبل فيه ابتسامة من "غادة أميركية " أو أوروبية أو رجل أميركي ونردها بأحسن منها دون أن يكون في ذلك خروج على الآداب العامة أو السلوك الحضاري .

 

فكيف يمكن أن نجعل من الابتسامة خطابا يوميا لوجوهنا في بيوتنا وفي الشارع العام ونحن في وطن متعدد ومتنوع تكتظ مدنه بالوجوه الإنسانية المختلفة .لاشك أن مثل هذا السلوك الايجابي البسيط ربما يسهم كثيرا في حال تراكمه ،في خلق تسامح يسهم في إزالة حالات الاحتقان الاجتماعي على مستوى العلاقات بين الأفراد، وثانيا في خلق نوع من التواصل العابر في المواطنة والإنسانية بين الناس  . خاصة وان ديننا الحنيف يحضنا على ذلك .

  

فقد أثبتت تجربة السودانيين في مهاجرهم المختلفة أنهم قادرين على الموائمة مع المجتمعات التي يفدون إليها والتفاعل معها بمفرداتها السلوكية الايجابية ، كالتعامل الحضاري مع وقت العمل ، والانضباط السلوكي في الشارع العام وفي الأسواق ومع قواعد المرور ,والنظام ، والتعاطي باحترام وانتقاء لغة منمقة في التعامل مع الآخر مرفقة بابتسامة هادئة  . فإذا كنا قادرين على ذلك مع غيرنا لماذا لا نعمم مثل هذا السلوك الإيجابي مع بعضنا البعض.

  

ورغم الانطباع السائد في العديد من العواصم العربية بجدية وصرامة الوجه السوداني وتفادي الاصطدام به إلا انه مع تزايد هجرة السودانيين إلى الخارج وانتشار الفضائيات والبرامج والفرق الكوميدية ومشاهد برامج الكاميرا الخفية وازدهار تبادل النكات وتقبلها دون حساسة قبلية أو عرقية وتعرض السودانيين لتحولات اجتماعية واقتصادية داخل بلادهم وخارجها فقد بدأت صرامة الوجه في التراجع على الأقل بالنسبة للمغتربين والمهاجرين الذين يحتكون بالجنسيات المختلفة وأيضا بالنسبة  لسكان المدن المنفتحين على غيرهم .

 

لكن تظل الصورة الجادة عند السودانيين لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط  على سبيل المثال هي الغالبة لاعتبارات ربما تتعلق  بأساليب التربية والعادات والتقاليد والمناخ والموقع الجغرافي .

  

بعض الدراسات الاجتماعية ترجع " السلوك الحامي والجاد على وجوهنا السمراء " إلى المناخ حيث تلعب أحيانا درجة ارتفاع الحرارة في بلد ما عاملا في تعكير المزاج وبالتالي إزالة أي آثار لانفراج الوجه أو الابتسام بل تجد أي شخص متحفزا للرد على أي تجاوز مهما بلغت بساطته ، وتجد هذه الحالة في أبسط صورها في مواقف المركبات العامة والجائلين في الأسواق منتصف النهار وفي اكبر صورها تجدها في الثورات والانقلابات والانتفاضات وحالات التمرد والغبن الاجتماعي والتوتر السياسي الخ.

 

وهناك عوامل أخرى تساهم في مطاردة الابتسامات في الوجوه السودانية ذات صلة بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ويقول أصحاب هذا الرأي كيف يمكن أن نتوقع ابتسامة أو قبلات من أب يقابل أو يودع بها زوجته وأبنائه عند باب منزله وهو لا يملك قوت يومه وغده .

 

وبالتالي يكون من الصعب أن يلتقيك شخص عابر في الطريق بابتسامة رقيقة واثقة يلقيها على وجهك على الطريقة الأميركية.

 

لكن رغم كل هذه المبررات غير الملزمة فإن مقتضيات عديدة تحتم علينا الخروج من هذه القوالب الصارمة التي نصب فيها وجوهنا وذلك لاعتبارات إيمانية واجتماعية وحضارية وصحية .

 

فقد أثبتت دراسة نشرت مؤخرا في بريطانيا أن الأشخاص الذين يميلون للضحك والابتسام والتعاطي بهدوء مع لآخرين هم اقل الأشخاص عرضة لأمراض القلب وتصلب الشرايين . كما أثبتت الدراسة أن التكشير والصرامة المصحوب بالسلوك الانفعالي يؤدى إلى إعطاب الغدد التي تفرز هرمونات معينة تحمي القلب وتمنع تصلب الشرايين.

 أما حضاريا واجتماعيا فسيكون لابتسامنا في وجوه الآخرين مردود إنساني وعائد ديني في ميزان حسناتنا " تبسمك في وجه أخيك صدقة " .

هل نحلم باستقبال وتبادل الابتسامات في شوارع الخرطوم وأم درمان وبحري وغيرها من مدن السودان مثلما نستقبلها في شوارع واشنطن ونيويورك والمدن الأميركية الأخرى .

  ان تبتسم لغيرك مطلب متواضع لا يتعلق بقسمة في السلطة والثروة ولا يكلف قرشا فضلا عن أنه أكثر المستحضرات فاعلية في محو آثار التجاعيد الاجتماعية وعلى الوجوه أيضا .