حكايات بعد منتصف النهار

   

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

المناضلين الحداثيين الجدد

  

ليست كل حكاياتنا تنتهي في روز بارك بل أنها امتدت إلى هناك  إلى "فاشر أبو زكريا" كما امتدت حكايات الأمس إلى منخفضات هايكوتا على مقربة من الحدود الأريترية السودانية يوم انتشرت معسكرات المقاومين ضد نظام الإنقاذ على قلتهم بألوان الطيف . ومثلما امتدت من قبل إلى صحاري ليبيا وسواحلها وغابات أثيوبيا ومتكئات أديس أبابا النضالية في بحر دار والحمرة وغيرها. ومثلما تمددت في صفحات يومياتنا حول حقبة التسعينات بكل ما حملته من معايشة يومية ومعاناة سياسية ومعاني نبيلة لعشرة أعوام متصلة من معارضة أصيلة وميدانية في كل الجبهات بين القاهرة ولندن وأسمرا وطرابلس وكمبالا وغيرها.

  

ليس تماما كما يتصور البعض من المناضلين الحداثيين المتحمسين لمبديئة واستمرارية النضال عمال على بطال وفق تصوراتهم الافتراضية في زمن اتساع هامش الحرية وتهيئة المناخ وقدرة الحزب الشيوعي على عقد مؤتمره العام في قاعة الصداقة في وضح النهار على مقربة من جماعات الهوس الديني . كانت مواجهتنا لنظام الإنقاذ بالأمس حينما كان يكشر بأنيابه ويشرع أسيافه ويفتح أبواب معتقلاته في وجه الخصوم وليس في زمن يكتب فيه من يكتب مايشاء ضد نظام الإنقاذ ويعبر مطار الخرطوم في عطلته الرسمية دون أن يسأله احد أو يقرأ ماكتبه. 

  

أقدام الأمس التي تغبرت في سبيل الوطن بالأمس هي الأقدام نفسها التي حملتنا إلى الخرطوم في عصرها الفندقي وهي ذاتها التي حملتنا إلى جولة ميدانية ولقاءات مباشرة لحما ودما مع من أنهكتهم تداعيات مأساة دارفور وتوابعها في معسكرات أبو شوك وزمزم والسلام وهوامش مدينة الفاشر.

  

وقصة المعسكرات تختلف في الواقع عن تلك الصور المزعجة التي تبثها بعض وسائل الإعلام الغربية مما اعتدنا عليه من بؤس "من رأى ليس كمن سمع ". ورغم ظلال المعاناة المترامية في هذه المعسكرات إلا أن حال أهلها لا يختلف في الواقع عن حال معظم السودانيين الذين يعيشون في قرى السودان المتناثرة عبر وهاد الوطن. أؤلئك الذين يفتقرون إلى الدواء والماء والخدمات الأساسية في اقاصي الشرق والغرب والشمال والجنوب والوسط . كلهم في الهم شرق إلا أن مازاد على أهلنا في دارفور هي لعنة النزاعات الدموية التي جعلت مثل هذه المعسكرات معلما إنسانيا يتوافد إلى زيارته القادمون من هوليوود وبيفرلي هيلز ولوس انجلوس ونيويورك وواشنطن وغيرها من العواصم الأوروبية ليقارنوا ما شاهدوه من معالم حياتنا في هذه القرى الجافة في هذا العالم الثالث بما هم فيه من ملبس ومسكن وحلم بعد عولمة الأزمة واستعار شهوة البعض الجامحة للقتل والتدمير من بعض أبناء السودان  لزيادة بؤس البائسين من أهلنا الطيبين  .

  

أهل مكة أدرى بشعابها

  

سألنا الشيوخ والرجال والنساء في تلك المعسكرات عن حجم معاناتهم وحجم مطالبهم فكانوا صرحاء في سردها فهم لا ينكرون تحسن الأوضاع لكنهم يتطلعون إلى ما يسد حاجتهم المتزايدة ولا ينكرون عودة شيء من الأمن لكنهم يلحون في طلب حقوقهم كمواطنين من مسكن وأمن ومصادر رزق وتعليم لأبنائهم وبناتهم.

 

سالناهم عن التجاوزات والانتهاكات والاغتصاب والإبادة الخ فكانوا ينظرون إلينا في دهشة ويجيبون " إن  معاناتنا من نوع آخر تماما نعم هناك تجاوزات ومشاكل معقدة لكنها ليست كما نسمع أو تسمعون  . هذه الأحداث التي تتحدثون عنها كانت قبل خمسة أعوام تقريبا نحن الآن أفضل حالا ونلمس بعض التقدم في معالجة أوضاعنا ولكن ليس بالحجم الذي نريده أو بالمستوى الذي نتوقعه . أن مشكلتنا هو في تهديد الجماعات المسلحة لنا وهم من أبنائنا وهو ما نسعى لمعالجته."

  

حملنا كل ماسمعناه من النازحين في هذه المعسكرات وواجهنا به والي اقليم شمال دارفور "السيد محمد يوسف كبر وحكومته " وهو سياسي محنك من أبناء دارفور وملم بجميع أطراف وأسرار الأزمة وكان لقاءا صريحا قدم فيه من المعلومات الموثقة والتوضيحات المقنعة والمسنودة بإحصائيات الأمم المتحدة لاسيما في موضوع الأمن وإعادة التوطين وعودة الاستقرار التدريجي لمعظم المناطق ما يبعث قدرا من الأمل في تصحيح الصورة ومعالجة الوضع الانساني للإقليم استشرافا لسلام دائم.

  

قال الحاكم ردا على تساؤلاتنا بنقص كميات الغذاء أحيانا في هذه المعسكرات " إن المنظمات المانحة هي التي تحدد حجم كميات الصرف للمواطنين وليس الحكومة . والحكومة تقوم بواجبها بمالديها من موارد لسد أي نقص ."

 

قال " إن الحكومة وفرت العلاج من خلال عيادات ثابتة للوقاية والعلاج بدليل أنه لا توجد أي أمراض معدية داخل المعسكرات وأن المنظمات على الأرض تقوم بدورها دون مضايقة من أحد. وقد رأيتم المدارس ومراكز توزيع الغذاء وكيف ان الناس في المعسكرات يتبارون في تجميل منازلهم وبنائها وطلائها رغم أنها مؤقتة. لفت نظري وجود " دش ستالايت " في أحد المنازل داخل معسكر السلام"

 

في لقاء دام لأكثر من ساعتين بين سؤال وجواب سبقته مشاهدات ميدانية يتضح أكثر ان هناك أمكانية عملية لعودة الهدوء والاستقرار إلى دارفور على أن يبدأ ذلك بتوفير المساعدات الإنسانية وبناء القرى البديلة وتنظيم حياة الناس العملية بتوفير مدخلات الزراعة وتوفير الأمن وحل قضية المجموعات المسلحة على الحدود التشادية بغض النظر عن حجم ودور التواجد الخارجي .

  

الفاشر الجديدة

  مدينة الفاشر التي بدأت تحيطها البنايات العالية الأنيقة والمباني الحديثة ومساكن السكن الراقي باتت أقرب إلى الانطلاق نحو الحداثة . فدواوين الحكومة والوزارات التي تماثل رصيفاتها في الخرطوم  والجامعات والمعاهد والمؤسسات المهيأة بأحدث الوسائل وسيارات الأجرة الأنيقة والشوارع المسفلته والمشروعات الناشئة معالم جديدة على الطريق أغفلتها أعين كثير من الكاميرات . إن أهل دارفور بكل تاريخهم ونضالهم وعطائهم يستحقون أن يعود الأمن إلى ديارهم وأن يتمتع أهلها بالأمن والأمان والعيش الكريم دون من أو أذى فبكل تراث دارفور في التسامح والتصالح والإيثار هي الأقدر من غيرها على إشاعة الأمن والسلام دون تدخل من أحد لتلتئم الجراح وتنطفئ النيران لتنبت زهرة على الطريق.