طالبت  المعارضة السودانية بإقالة وزيرالمالية بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار وضيق الأحوال المعيشية والبطالة ،ولعل من سوء حظ الوزير الذي يمارس مهامه في ظروف بالغة التعقيد الاقتصادي بعد أن "ذهب الجنوب مع الريح " أن عبارات فلتت منه بطريقة غير رسمية وهو يدعو المواطنين إلى العودة إلى الكسرة "أو العودة إلى والعواسة " قد فاقمت من حالات الترقب التشاؤمي لدى العامة،  والتي تنذر بظروف صعبة غير خافية على احد بعد فقدان الخزينة العامة لموارد أساسية من العملات الصعبة والنقد الأجنبي بعد أن يستأثر الجنوب ببتروله عقب الانفصال المشؤوم .
ولكن القضية ليست قضية وزير ليس له فيها سوى التنفيذ،  بقدرما هي قضية سياسات عامة ومسؤولية تضامنية يعبر عنها نظام وحكومة وحزب حاكم  ظن ان سنوات الفترة الانتقالية لاتفاق السلام لن تنقضي، وان الجنوب لن يذهب، وان الوضع الاقتصادي لن يتعرض لهزات تدق بعنف على ابواب الفقراء وعامة المواطنين . هم نفسهم المواطنون الذين عليهم تسديد  فواتير جميع الحسابات الخاطئة  لحكامهم  وعليهم أيضا ان يشاركوهم في رقصاتهم الشعبية على طريقة الهنود الحمر.
أما وزير المالية فقبل أن يتجه بمقترحاته إلى زيادة الأسعار وإرسال إشارات بضرورات ربط الأحزمة لاقناع الناس بتجاوز المرحلة ،كان عليه لو كان يملك ذلك  المقترح في ظل تعارض المصالح الخاصة للمستفيدين في ظل النظام الحالي ان يبادر بإتخاذ قرارات أكثر أهمية وإجراء مكاشفات أكثر وضوحا لاقناع الناس بتحمل أي تبعات جديدة بالاجابة على تساؤلات تملأ صفحات الانترنت وتطرح احيانا خجلة في الدوائر الاجتماعية .
أولا : كما معلوم ان معظم المنشئات العامة التي تم إنجازها أو التي تحت الانشاء من سدود وجسور ومطارات ومشاريع زراعية وغيرها مولت في معظمها من صناديق عربية وقروض أجنبية خارجية سيسددها المواطن ، وهي أهم المنشئات ،وحتى مظاهر العمران الراقية التي إزدانت بها العاصمة وبعض المدن هي ملكيات خاصة حول معظمها الكثير من علامات الاستفهام باستثناء بعض المباني والمقرات الحكومية .
وخلال أكثر من خمس سنوات تدفقت فيها مليارات الدولارات من عائدات النفط من حصة الشمال لم تقدم وزارة المالية كشف حساب للمواطنين يوضح أرقام ماتم الحصول عليه من هذه العائدات خلال هذه الفترة ، وفيم أنفقت ، وماهي المشاريع التنموية العملاقة التي صرفت فيها هذه العائدات كما تفعل ذلك جميع الحكومات المسؤولة بل ان الحديث عن عائدات النفط ومصارفها كاد أن يكون شيئا محرما ومنطقة ممنوع منها الاقتراب او التصوير وهي مال عام من حق جميع السودانيين.
ثانيا : أن ميزانية الدولة المعلنة توضح ان مايصرف على الأمن يتجاوز الستين في المئة من نسبة الميزانية مقابل أقل من ستة اوسبعة فقط لكل من الصحة والتعليم وهو مايهم المواطن وهي ميزانية مختلة ولامبرر لها خاصة في ظل " اتفاق سلام أفضى للانفصال المشهود في الجنوب " ، وفي ظل محاولات دائبة عبر المنابر لحلحلة الأزمة في دارفور عبر منابر التفاوض السلمي  بعد فشل الحلول العسكرية وصعوبتها في ظل رقابة دولية مستحكمة ممايطرح سؤالا  أليس المواطن السوداني هو أولى بالستون في المئة من الميزانية  التي تصرف على الأمن لتصرف على طعامه وعلاجة وتعليمه بدلا من ان تصرف على قمعه .
وبالأمس فقط  أثبت التونسيون بطلان نظرية الأمن  وهو ذات الخطأ الذي ارتكبه الرئيس التونسي صاحب النظرية الأمنية  الصارمة التي لم تسعفه حتى للملمة احتياجاته الخاصة هربا من أصوات الجوعى والعاطلين عن العمل .
ثالثا : هناك لغط كبير يثار على  صفحات الانترنت وتقارير حول الفساد الاقتصادي وودائع من المال العام في بنوك خليجية وماليزية واستثمارات في أسواق المال لشخصيات من سدنة السلطة  وهو لغط إن صدق فهو كارثة وإن كان محض افتراء فعلى من يهمهم الأمر تبرئة انفسهم ، وكما هو معلوم فإن مجتمعات السودانيين الخاصة في اتراحهم وأفراحهم في الداخل والخارج زاخرة بمثل هذه المعلومات .
هذه مجرد إشارات يعلمها القاصي والداني يجب إجلاءها قبل  مطالبة المواطن بربط الأحزمة واستشراف واقع جديد وهو قد يفسر في نفس الوقت مطالب المعارضة للحكومة واستخفاف الأخيرة بها.
انفصال جنوب السودان سيتيح لحكومة المؤتمرالوطني فرصة للجلوس أمام مرآة الواقع إن هي اغتنمت تلك الفرصة لترى الأشياء على حقيقتها وطبيعتها ومحاولة إصلاح ما أفسده صقورها سياسيا ومنتهبي المال العام اقتصاديا والاقدام على فتح الأبواب والنوافذ لترتيب البيت الداخلي على أسس من الحرية والعدالة واحترام الرأي الآخر دون استخفاف يقود إلى نهايات بن علي.
فنظرية الأمن السياسي واستعراض ادوات القمع ضد خصوم السلطة ومعارضيها لم تعد مجدية ، والاتهامات ببث الحقد والكراهية ضد الدولة وتسفيه المعارضين والسخرية من آرائهم لم يعد مقبولا أو لينطلي على أحد ، وفوق كل هذا وذاك فعيون العالم وآذانه وأصابعه وحتى أقدامه   ليست بعيدة ،ويكفي مانشهده في دارفور من جيوش اممية ، ومانشهده في الجنوب من وفود ورقباء على سلوك الحزب الحاكم لم تجد الحكومة إلا التعامل معها وكسب ودها ورضائها طمعا في تطبيع أولى به أهل السودان .
السودانيون فقط وحدهم من سيحلون أزماتهم ومشاكلهم إن هم احسنوا ترتيب بيتهم واحترموا آراء بعضهم وتواضع الحكام فيهم للمحكومين منهم لأن  الحلول الخارجية لم تأتي إلا باليوناميد  والمحاكم الجنائية وأطياف المبعوثين من أميركا في أقصى الغرب حتى الصين  في اقصى الشرق،  وأصبحوا  هم وحدهم أهل الحل والعقد كنظار القبائل ومشائخ القرى والبوادي فيما أصبح اهل الحل والعقد من السودانيين أهل البلاد وركبانها في مقاعد المتفرجين يستجدون حق المشاركة في إدارة شؤون بلادهم  وهو وضع مقلوب لابد من تصحيحه سودانيا .
إن مايامله كل سوداني حادب هو أمن بلاده واستقرارها وازدهارها بكل مابها من شقوات غلبت عليها وهو أمل لن يتأتى إلا بإعادة صياغة جديدة للعلاقة بين السلطة الحاكمة والمعارضة سياسية كانت أم مسلحة ،تفتح الطريق لمائدة مستديرة يستخلص من أوراقها حلا سودانيا يطفيء نار النزاعات في دارفور ويعيد رتق النسيج الوطني في باقي اجزاء الوطن على أسس من الحرية والديمقراطية واحترام حقوق المواطنين ، وإلا فإن حلولا أخرى ستفرض نفسها لاتملك  أي حكومة بكل ما تختزنه من أغنيات الحماسة ان تصدها .
 Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\