كثيرا ما تشتكي الحكومة من التدخلات الخارجية في الشان السوداني وكثيرا ماتتهم الأصابع الأجنبية بأشعال بؤر التوتر هنا وهناك ،وكما هو معلوم فإن دول العالم تحركها مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لاسيما الدول المتنفذة في العالم أي كانت المظلات التي تتحرك تحتها إنسانية أو أخلاقية أوغيرها .
أما التدخل في الشان السوداني فلم يعد يجهد الدول المتدخلة في إيجاد مبررات اومسوغات لتدخلها فيه لأن تواتر الأخطاء السياسية والوقائع وسوء حظ السودان والسودانيين ومشاكلهم المزمنة على الأرض تفتح طرق التدخلات دون عوائق.
 فليس الجنوب وحده مدعاة التدخل بل دارفور بكل زخمها الخارجي وتراجيديا الهامش التي يتبارى في تصعيدها ضرب من المتعلمين الذين ترفعوا عن أداء ضريبة الهامش في التنمية والبناء في مناطقهم  واكتفوا بالتعاطف مع قضاياه من منابر العواصم الغربية وتحريض المنظمات البريئة والخبيثة على الترويج للتدخل .
ولعل كثرة التدخل الخارجي الذي تشتكي منه الحكومة صباح مساء قد أصاب الحكومة نفسها بما يمكن ان أسميه الإدمان الخارجي فطفقت تطلب عون المتدخلين في كل صغيرة وكبيرة حتى أوشك السيد غريشن على سبيل المثال أن يحدد كل صباح الوجبات التي يتناولها المؤتمر الوطني والحركة الشعبية قبل مغادرته الخرطوم إلى حين عودته مرة اخرى .

بل ان هذه الرغبة الإدمانية فتحت شهية العديد من الدول فبعثت بمبعوثين حاصين لها في السودان ،روسيا ،الصين، بريطانيا ، الاتحاد الأوروبي ، الاتحاد الأفريقي ، الوساطة المشتركة وغير ذلك .
كل شاننا الداخلي أصبح بيد الخارج ، اتفاقية السلام وتفاصيلها – أبيي وتفاصيلها – الانتخابات وتفاصيلها – الاستفتاء وتفاصيله – الجنوب وتوابعه – المحكمة الجنائية وآثارها – دارفور وأبعادها – يوناميد- يوناميس – يو إن – يو إس الخ
والان بدا واضحا ان حالة الغيبوبة السياسية  التي أورثها لنا إدمان التعلق بالخارج قد أفقدتنا الجنوب أو قل معالجة سودانية تزاوج بين تطلعات الجنوبيين ووحدة البلاد ، و خلقت لنا نذر حروب جديدة على الحدود بل انها ستحول  منطقة أبيي إلى "ستالينغراد "جديدة فبدل أن كانت خلافات سكانية داخل دولة وآحدة أصبحت ملفا في محكمة العدل الدولية في لاهاي وصراعا محتملا بين دولتين من وراء إحداهما يقف كل الغرب بكل مبرراته ومسوغاته التي صنعناها بأيديدنا .
ورغم كل هذا الذي يحدث من أخطار يتعالى البعض في الحزب الحاكم ويترفع عن الحوار الداخلي  الجاد مع مكونات المجتمع السوداني السياسية والاجتماعية والمدنية صاحبة المصلحة الحقيقية وذات الغيرة الحقيقية على مصالح البلاد العليا لأسباب تنم عن قصر نظر سياسي وِانانية سياسية قاتلة .
البعض يقول إن السبب في ذلك هو ان القرار السياسي في الحزب الحاكم ياتمر بامر فئة لاتري الآخرين إلا ماترى ولاتهديهم إلا سبل الرشاد ،وآخرون يرون ان انفراد الحزب الحاكم بتقرير مصير البلاد وتجاهل القوى السياسية ذات الرأي والمشورة قد أدخل البلاد في نفق مظلم . والحزب الحاكم يحّمل بدوره على القوى المعارضة ويتهمها بتجاهل دعواته التي يرسمها لهم ، وضبابية هنا ودربكة هناك كانت أهم نتائجها المشهد الماثل حاليا في السودان في ظل توقعات ليست آمنة بالضرورة .
وحيث لا جدال فإن الجنوبيين قد عقدوا العزم على اعلان دولتهم ولملمة اطرافهم عبر مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي لمواجهة مقبل الأيام بكل توقعاتها لافرق في ذلك بين لام اكول، أو أتور ، أو تميم فرتاك أو سيلفاكير والمؤتمر الوطني لايزال يرواح مكانه مترددا في دعوة جميع القوى والأحزاب الشمالية عبر لقاء جامع وشامل وحاسم لإطفاء بؤر النيران في الشمال ووضع استراتيجية  وطنية شاملة تحفظ ماسيتبقى من الوطن وهو ماينذر بعواقب وخيمة على مستقبل البلاد والعباد .
ولاخيار امام الحكومة والحزب الحاكم والأحداث تسابق الزمن من الاسراع في الدعوة إلى مؤتمر شمالي شمالي لتجاوز الخلافات ووضع النقاط على الحروف ووضع استراتيجية مستقبلية تجنب البلاد المزيد من الخسائر ،ولعل هناك مايكفي منها حتى الأن ولو ان الحزب الحاكم أتى على نفسه، وبذل جهدا خالصا من اجل إنجاح الحوار الوطني الداخلي وحل مشكلات البلاد حلا وطنيا لأوصد بيده نهائيا ابواب التدخل الخارجي لا أن يصبح مدمنا لحوارت الخارج ولاعنا لها في آن وآحد فيكفي السودان ماجناه من خسائر حتى الآن .
واشنطون
Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]