التقيت خلال ندوة  ثقافية في واشنطن حول "جسور العلاقة بين أميركا والعالم الإسلامي" أحد الصحافيين المصريين الشباب كان قادما لتوه من القاهرة ومن خلال دردشة عابرة علمت منه نبأ رحيل الأستاذ الصحافي والكاتب الكبير محب السودان وأهله يوسف الشريف . حزنت كثيرا لرحيل الشريف الذي مثل مفاجأة حزينة بالنسبة لي حيث لم أقرا عن وفاته في الصحف السودانية وهو عاشق للسودان ماانفك يذكر السودان وأهله وذكرياته معهم في كل مجالسه في القاهرة والعديد من العواصم العربية ويمثل كتابه " السودان وأهل السودان " مرجعا مهما عن ملامح الحياة الاجتماعية في السودان لغير السودانيين فضلا عن مقالاته في مجلة روز اليوسف  . شرفت بالعمل معه في صحيفة الشرق القطرية مكتب القاهرة لفترة طويلة فضلا عن علاقتي الودودة به وقد كان مدخلا لي للتعرف على عدد كبير من الشخصيات المصرية عبر مجالسه المميزة.

 

والفقيد الراحل الأستاذ يوسف الشريف من الخبراء الحقيقيين بالشأن السوداني وبتفاصيل الحياة السودانية ، وذلك لعدة اعتبارات ،اولا لحبه للسودانيين وثانيا لإيمانه بالوحدة بين الشعبين المصري والسوداني، وثالثا لصلاته العائلية المباشرة عن طريق المصاهرة الأسرية . وهو كاتب مرموق في مصر ينبض قلبه بروح قومية عالية لا تغفل المتغيرات ولا تتجاوز الواقع .

كان يتردد على السودان في معظم المناسبات العامة والاجتماعية والأسرية ويمتاز بعلاقات وثيقة مع معظم السودانيين مع اختلاف مدارسهم الفكرية والسياسية .

وتعمقت علاقتي به أكثر عندما عملت معه كمحرر للشؤون السودانية في مكتب صحيفة الشرق القطرية الذي يديره في القاهرة عند مطلع التسعينات إلى جانب دوره ككاتب في مجلة روز اليوسف وعدد من الصحف والدوريات .

ومنذ اتخذت المعارضة السودانية من القاهرة منطلقا لأنشطتها السياسية والفكرية والثقافية في بداية التسعينات نشط يوسف الشريف في عقد الندوات واللقاءات في أروقة النخبة المصرية التي يدعو إليها السيد الصادق المهدي وفاروق ابوعيسي والناشطين السودانيين للحوار والحديث حول قضايا العلاقات السودانية المصرية والأوضاع السياسية في السودان وكان كثيرا ما يلقي باللائمة على النخبة المصرية لتقصيرها  في فهم الشخصية السودانية وما يجري في السودان .

وقد عبر يوسف الشريف عن هذه الانتقادات في كثير من المنابر المصرية خاصة من خلال منبر نقابة الصحفيين المصريين .

 

ففي ندوة عقدت بنقابة الصحفيين في القاهرة ضمن أنشطة " منتدى محمد عودة " أدارها الأديب المصري بهاء طاهر قال الشريف  انه زار السودان نحو خمسين مرة وفي كل مرة يختلف مع السفارة المصرية فى الخرطوم لان الدبلوماسيين هناك لا يعرفون السودانيين ولم يدخلوا بيت أحدهم مشيرا إلى أنه فوجئ بأن مسؤولا سابقا لشؤون السودان بالخارجية المصرية لم يقرأ كتابا واحدا عن السودان.

 

ودعا الى ضرورة صياغة إستراتيجية ثابتة لا تخضع للعواطف ولا تتأثر بتغير الحكومات ضمانا لعلاقات قوية بين مصر والسودان.

وأبدى في ذلك المنتدى دهشته من معرفة كثير من المصريين بقضايا دولية وعربية في أوروبا والخليج في حين لا يعرفون  شيئا عن السودان مستشهدا بأن الكاتب محمد حسنين هيكل زار السودان عام 1953 ثم زارها مرة ثانية فى الستينيات بصحبة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر وهى زيارة اعتبرها سريعة وغير كافية مثل زيارة الدكتور محمد حسين هيكل التي سجلها في كتابه عشرة أيام فى السودان.

 

ولم يكف يوسف الشريف طوال حياته عن انتقاداته رغبة منه في حث المصريين على التواصل والتعارف مع أشقائهم فقد أشار في نفس المنتدي في معرض مداخلته أن كثيرا من المثقفين والفنانين المصريين مثل نجيب محفوظ ومحمد عبد الوهاب لم يزوروا السودان الذي احتفى شعبه بأم كلثوم مثل استقباله لعبد الناصر واستقبلها استقبال الفاتحين حين ذهبت للغناء فى السودان نهاية الستينيات.

 

وقال الشريف ان أم كلثوم سألته فى القاهرة قبل الزيارة التي طلبت أن يصطحبها فيها عن ذوق السودانيين في الغناء والموسيقى فقال لها ان تذوق الغناء السوداني معيار لفهم الشخصية السودانية التى تميل الى الإيقاع الراقص السريع واستجابت أم كلثوم حين غنت "هذه ليلتي" التي رقص على موسيقاها الجمهور السوداني بعد زيادة الإيقاعات الراقصة فى اللحن.

وأشار إلى  أن زيارة أم كلثوم كانت فتحا مبينا فما فعلته أم كلثوم فى السودان لم تفعل مثله الثقافة ولا الدبلوماسية المصرية.

وقد سجل يوسف الشريف الكثير من حكاياته في مؤلفه القيم الذي صدر في القاهرة في أكثر من طبعة " السودان وأهل السودان " .

 

وكثيرا ما كان يردد يوسف الشريف أمام زواره علاقات عبد الناصر بالسودانيين منذ أن كان ضابطا في السودان قبل الثورة وقد دون العديد من هذه القصص في كتابه حول السودان.

 

اتسعت لنا دار يوسف الشريف في امسيات عديدة في لقاءات ضمت عددا من المثقفين المصريين والسودانيين كان محور النقاش فيها موضوع العلاقات السودانية المصرية وماينالها أحيانا من برود بسبب عدم الإدراك والتفاهم المتبادل المفترض بين المسؤولين في البلدين.

رحم الله يوسف الشريف وظلله بالرحمة والغفران بقدر ما أحب السودان واهله.

 

       

 

 

Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]