أولا أبدي احترامي الشخصي للأخ الأستاذ الطاهر حسن التوم وللأعمال التي قدمها عبر بعض برامجه وموضوعاته السابقة والتي حاول من خلالها أن يقدم عملا مهنيا يحترم عقول مشاهديه ، وليس مصادفة بالطبع أن تكون تلك الأعمال قد قدمت في أوقات وبيئة هادئة سياسيا نسبيا لا تستثير غرائز الانتماءات والمدافعة والمواقف التي تختبر حيدة الصحفي ومهنيته .

وأحترم أيضا مناداته باحترام الرأي والرأي الآخر كشعار يسعى الجميع لتطبيقه أو تعلمه سلوكيا رغم أننا نعيش في مناخ سوداني سياسي في ظل هذا النظام لا يتسع للرأي الآخر ولا يحفل إلا برأي القائمين على أمر الحكم ومناصريه والمروجين له لأسباب تخصهم .

لقد تعلمنا من خلال ممارسة العمل الصحفي أن هناك قواعد وأخلاقيات تحكم ممارسة الصحفي لعمله حتى يكون مهنيا وهو ما يسمونه بأخلاقيات المهنة التي تشتمل على الالتزام بالحقيقة والدقة الاستقلالية ، العدالة والنزاهة الإنسانية والمحاسبة


Five Core Principles of Journalism
Truth and Accuracy.
Independence. ...
Fairness and Impartiality
Humanity. ...
Accountability.

لكن ما يؤخذ على الأستاذ الطاهر منذ اندلاع هذه الثورة المطالبة بالتغيير والتي فاجئت النظام بكل أجهزته تغلب مشاعره ومواقفه الذاتية على أداءه المهني رغم وعيه بأهمية الالتزام بتلك الضوابط أو حتى لا نظلمه ربما لإملاءات فرضت عليه من الجهات الأمنية ويبدو ذلك من خلال تغاضيه التام عن ممارسات القمع الوحشي والعبور عليه سريعا وتركيزه على محاولات تجريم الحركات المسلحة وخلايا عبد الواحد وهذه القصص وانتهازية الأحزاب المعارضة المناهضة للحكم التي تريد القفز على الثورة وسرقتها رغم أن دور الأحزاب هو استخدام كل الوسائل السلمية السياسية للوصول إلى السلطة وذلك اعتمادا على ادعاءات الأجهزة الأمنية أو السياسية واتهاماتها وتخوينها لكل المعارضين لتبرير قمعها ضدهم . تحت ظلال من التضليل ولوي عنق الحقائق .
ويبدو واضحا أن الأخ الطاهر ومن لحن القول أنه لا يستطيع أو لا يريد أن يواجه الحقائق التي يراها الجميع بشفافية وهنا يكمن ماذق المهنية .

فلم ينتقد الأستاذ الطاهر التوم عمليات القمع والتعذيب والممارسات الخارجة على قيم السودانيين وأخلاقياتهم التي ترتكبها مليشيات النظام المسلحة بغطاء القوات النظامية بشجاعة وشفافية وهي معلومة للجميع بل يحاول جاهدا أن يجد لبعضها الذرائع والأعذار للتجاوزات الأمنية .
لم يستضيف الأستاذ الطاهر التوم معارضا حقيقيا واحدا من الذين تستضيفهم القنوات الخارجية على سبيل المثال ليرد على ما يثيره ضيوفه من المدافعين أو المبررين لسوء سياسات النظام بل يكتفي برأي واحد يصب في مصلحة النظام بدرجات متفاوتة رغم مطالبته باحترام الرأي الآخر .
لم يستعرض الأستاذ الطاهر بشفافية حجم وتأثير التظاهرات في شوارع المدن ونقل حقيقة ما يدور من أحداث لكنه يعمد إلى نقل وجهة النظر الحاكمة ومنسوبي أجهزة الأمن ورواياتهم التي تهدف إلى الخداع والتضليل والتي يهزمها وعي الجماهير وهذا يتنافى مع أبسط مقتضيات المهنية .

ربما يكون الأستاذ الطاهر مضطرا على غير ما يهوي أو ربما يكون مقتنعا بذلك وكلاهما يتنافيان مع ضوابط العمل الصحفي ، فإذا كان الأستاذ الطاهر مضطرا لنشر وعرض ما يقوله ويريده النظام فهو غير مضطر لتشويه وتشكيك مواقف الآخرين من خصوم النظام على الأقل لدواعي وأخلاقيات المهنة التي ينطلق من منصتها خاصة مثلا أن الحركات المسلحة التي يضعها في قائمة الاتهام هي نفس الحركات التي يسعى النظام للتحاور معها واستمالتها وقد سبق وأن استرضى بعضها بالمناصب والهدايا إذن فإن شيطنة الحركات أو شيطنة أي طرف معارض ليس من واجبات الصحافي إلا إذا كان يعبر عن موقف سياسي لا يقيم وزنا بالضرورة لدواعي المهنية وبالتالي لا يكون منطقيا مطالبة الآخرين بما لا يلتزم به هو .

وما آخذه أيضا على الأستاذ الانتقائية في عرض الموضوعات لخدمة هدف بعينه على سبيل المثال في آخر حلقات حال البلد حاول الأخ الطاهر بطرق شتى الدفاع عن ممارسات مجموعات الأمن التي أثارت الجدل في حي بري بتصويرها لفيديو استفزازي يحتقر المواطنين ووصفها بالفردية رغم علمه أن الأجهزة الأمنية لا تتحرك بالفردية إنما بالأوامر وأن أفرادها يتحركون بالتعبئة والتوجيهات الممنهجة وماتم ليس بفعل الشرطة المدنية التي نعلمها إنما بفعل الشرطة الشعبية والأمن الشعبي التابع لمليشيات النظام الموازية والتي طالما تتحمل أخطاءها الشرطة المدنية وهذه لا تخفى على حاذق.
وفي نفس الوقت حاول في ذات الحلقة أن يربط بين ضبط أسلحة قال جهاز الأمن أنه عثر عليها وليس هناك تأكيد على الجهة التي تملكها سواء تابعة للأمن نفسه يريد من خلالها غرض سياسي معين أو للمعارضة المسلحة أو حتى لتجار أسلحة لكن الأخ الطاهر كان يلح على ضيفه لإلصاقها بالحركات المسلحة مستدلا بما أورده جهاز الأمن سابقا حول خلايا عبد الواحد التي لم يصدقها أحد .
أـيضا سعيه بطريقة واضحة على اتخاذ تلك الأسلحة كدلالة قاطعة على أن الثورة السلمية تتجه نحو العنف وكل ذلك لتبرير مزيد من القمع ضد المتظاهرين أو لتخويفهم وليس الصحفي المهني من يدفع ضيفه لتبنى رأيه وهذا ما يقدح في مدى التزام الأخ الطاهر بضوابط المهنة وأخلاقياتها في معالجاته لخدمة أهداف النظام الأمنية .
أيضا يبدو ذلك جليا في انتقائية عرضه لبعض الفيديوهات وتوظيف ذلك لخدمة غرض سياسي معين وهي محاولة أيضا مكشوفة من خلال استضافته على سبيل المثال للدكتورة منى بابكر وهي صاحبة فيديو تتحدث فيه عن شرعية الشرعية الثورية وشرعية تظاهرات الأحياء وتمارس خلاله خلطا كبيرا بين منهجين للممارسة السياسة لا تلتقيان أصلا بين نظام ديمقراطي كأمريكا وآخر قمعي كالنظام السوداني .
والحقيقة أن الدكتورة منى بابكر ورغم احترامي لرأيها إلا انه قد فات عليها أن المقارنة بين تظاهرات واشنطن أو عواصم أوروبا لا تجوز منطقا مع ما يجري في السودان حاليا لانعدام المقارنة أصلا بين بيئة النظام السياسي في أميركا وبيئة النظام السياسي في السودان.
ولانعدام المقارنة بين ممارسة حقوق المواطنين المدنية في كلا البلدين وبين كيفية الممارسة لتلك الحقوق وحقيقة كنت مندهشا جدا لهذه المقارنات غير الموفقة من دكتورة في القانون وهو ما فسر في نفس الوقت حرص الأستاذ الطاهر على اختيار عرض رأيها المنقوص . للاستفادة منه والاستنصار به لدعم أسباب قمع الرأي الآخر .
قد لا تعلم الدكتورة منى التي تريد أن يتظاهر السودانيون على الطريقة الأميركية أن الذين يتظاهرون في الأحياء يتظاهرون لأنه غير مسموح لهم أصلا بالتظاهر في أي مكان أو ميدان كالكابتول مول أمام الكونغرس وأنهم يعتقلون ويضربون لمجرد أنهم يهتفون بحناجرهم أو يتغنون حتى بالنشيد الوطني .
وأن الذين يضطرون من المتظاهرين الشباب سيما الفتيات لدخول المستشفيات التي يتصادف مرورهم بها لحماية أنفسهم من القمع لاعتقادهم أنها مناطق لا يجوز فيها القمع هم لم يرتكبوا في الواقع جريمة بل هو حق منصوص في الدستور لا تسمح لهم به الحكومة لكن الغريب أن اقتحام عناصر الأمن للمستشفيات وإطلاق الأعيرة النارية والغازات السامة بين المرضى وممارسة اقصى درجات العنف دون رقيب او حسيب. لم يلفت نظر الدكتورة الحريصة على تطبيق القانون والالتزام بالدستورية .
ولو كانت السلطات تمتلك الشجاعة أصلا لإعطاء اذن بالتظاهر وهو حق فقط للموالين لها لما اضطر المحتجون أصلا للتظاهر في أحيائهم وذلك أضعف الإيمان .

وأخيرا أتمنى أن يدرك الأخ الأستاذ الطاهر أن وعي السودانيين بكل فئاتهم أكبر من محاولات التضليل الإعلامي وأنه مطالب بوضع ذلك في الحسبان حين يختار موضوعاته وضيوفه وعباراته وتبرير ما يريد إن لم يكن التزاما بضوابط المهنة فليكن احتراما لمشاهدية. علما بأن الجميع يدركون أنه ليس هناك إعلام حر في السودان أو صحافة حرة بل هناك إعلاميون وصحافيون أحرار يحاولون الاستمرار وهم يمسكون على الجمر .

وله منى التقدير .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////