شكل التاسع عشر من ديسمبر من العام المنصرم علامة فارقة في تاريخ الثورة السودانية حيث يواجه نظام الإنقاذ ولأول مرة هبة ثورية لم يكن يتوقعها أو يحسب حسابها من حيث عدالتها وقوتها وعنفوانها الشبابي المحض ووعيها السياسي والإعلامي ووحدة مكوناتها السياسية والنقابية والشبابية والنسائية وهو التسونامي الشعبي الذي هزم عنجهية النظام وصلفه وغروره وفضح ضعفه وخوره والذي كشف عن حالة الخوف والجزع التي تلبست كادره القيادي الفاسد الذي باتت تسيطر عليه هواجس الانهيار أمام تصاعد المد الثوري .

لذا كان طبيعيا أن يلجأ النظام وأجهزته الأمنية ومليشياته الحزبية إلى رد الفعل الوحشي الذي تعبر عنه حالة الخوف والجزع من عواقب الإنهيار والسقوط ومآلاته ومايتبعه من محاسبات قانونية عادلة وهو ما يخشونه .
ومثلما بدأـ النظام الإنقلابي عهده بما يعرف ببيوت الأشباح التي تعرض فيها المعتقلون لأسوأ أنواع التعذيب والإغتصاب كوسيلة للقتل المعنوي يأبى إلا أن يختم عهده أيضا بعمليات التعذيب البشعة والتي تمارس من كوادر تنتسب للإسلام زورا تحت مسمى الكتائب التي تعج بها الأجهزة الأمنية والتي يعلو صوتها على كل صوت وهي تضع الدستور والقنون تحت احذيتها القذرة .
وماحدث من عمليات ضرب وإساءة وتعذيب وقتل للمعتقلين من شباب المتظاهرين اليافعين دون وازع ديني أو أخلاقي في بيوت الأمن وعمليات التشفى على الطريقة التي قتل بها خاشقجي والتي راح ضحيتها حتى الآن خمسة من خيرة شباب الوطن في مقدتهم المعلم والأستاذ أحمد الخير الذي كان يضرب حتى بعد أن فارق الحياة نتيجة تعرضه لأبشع وسائل الاغتصاب المادي الذي كشفت عنه التقارير التي تروي حقيقة ماحدث من مأساة إنسانية دون تزوير أو تواطؤ أو وإذتدليس يحاول ان يخفي به النظام سوءاته المقيتة.
وإزاء هذه الأحداث المأساوية التي تعج بها وسائل الإعلام لم يجد بعض الصحفيين من قادة الصحف فيها مايستثير مواقفهم الأخلاقية أو الإنسانية أو حتى مايستثير مهنيتهم وواجبهم الصحفي في إبراز هذه الممارسات وإدانتها بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك في إيجاد المبررات لعناصر الأمن وكتائب القتل دون حياء أو خجل ودون تحسب للعنة التاريخ عليهم بغية المحافظة على مكاسبهم الرخيصة ومايغدق عليهم منعطايا أجهزة الأمن وهباتها.
وإنه لأمر مؤسف أن لايزال هناك من الصحافيين والإعلاميين من ينتحرون أخلاقيا وإنسانيا كل يوم بغثاء كتاباتتهم ومواقفهم ولايزالون يأملون في جبل يعصمهم من الماء حيث لا عاصم اليوم من أمر الله .
ويكفي أن تقرأ صحفهم الدميمة في بيت طاعة النظام أو أن تشاهد قنوات إعلامهم حتى تصاب بالغثيان من غث القول وفجور المداهنة وسخافة المحتوى وبؤس الضيوف ضعف الطالب والمطلوب إلا من رحم ربي باستثناء بعض الصحافيين الذين اختاروا أن يوازنوا في مواقفهم بقدر يرونه حافظا لاستمراريتهم ولهم العذر في ذلك .
وسيظل شعب السودان يحفظ لأولئك الشرفاء المجاهرين بقول الحق دون خوف أو وجل من إعلاميين وصحافيين مهنيين صادقين مع أنفسهم ومنتمين لشعبهم وأوفياء لمهنيتهم رغم مايعانونه من تضييق سيظل السودان يحفظ لهم مواقفهم الوطنية النبيلة التي انتصرت لوطنيتهم ومهنيتهم وهم يقبضون على الجمر ويدفعون فاتورة مواقفهم لنظام فاجر ومستبد .
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.