عندما صفقت الشعوب العربية بالأمس في ربيع الثورات العربية الشعب يريد اسقاط النظام لم تكن تدرك حقيقة أن جماعات الإسلام السياسي التي تطلب الحرية والديمقراطية لاتعترف بهذه الحرية لغيرها باعتبارها لديهم مجرد وسيلة انتهازية وسلم تصعد من خلاله إلى السلطة ومن ثم ترفع سلمها إلى أعلى لتحول بينه وبين غيرها أن يكون وسيلة ديمقراطية لتداول السلطة وهذا ما حدث في السودان .

فإذا كانت معظم جماعات الإسلام السياسي التي عانت القهر والكبت في ظل الأنظمة الشمولية في كل من مصر وليبيا وسوريا وغيرها قد تنفست صعداء الربيع العربي فإن ذات الإسلاميين هم من تآمروا على الديمقراطية في السودان عبر الإنقلاب عليها بحجة أن الدولار سيصبح سعره 12 جنيها سودانيا وهو يبلغ اليوم على عهدهم ستون الفا من الجنيهات وأقاموا دولة تمكينية شمولية اقصائية دموية أقصت جميع التوجهات السياسية والفكرية ومزقت الحركة السياسية السودانية وجندت قوى الفساد والطفيليين وأفقرت البلاد وأهدرت مواردها مثلما نهبت ودمرت اقتصاد البلاد طوال ثلاثين عاما من الفشل السياسي والاقتصادي حتى بات الناس يطالبون برغيف الخبز بعد ثلاثة عقود حيث لم تجد سلطة الإسلاميين مبررا لفشلها غير شماعة الحصار الأميركي المزعوم وعداء من تسميهم بدول الإستكبار التي تستجدي ودها سرا وعلانية.
كمية الذهب الذي هربته مجموعات الفساد من هؤلاء الإسلاميين إلى دول الخليج في وضح النهار بلغت باعترافهم 250 طن ذهب بما قيمته في السوق 100 مليار دولار كافية لحل جميع أزمات السودان ووضعه في مصاف الدول المتقدمة دون عناء .

عائدات النفط التي نهبتها هذه المجموعات خلال الفترة الانتقالية بعد اتفاقية السلام بلغت حسب الخبراء الإقتصاديين 70 مليار دولار لم يجني منها السودان في الخزينة العامة إلا مليارين ونصف فقط منحت بشيك من أباطرة الفساد الإسلاموي التمكيني .
أين ذهبت هذه الأموال ومن هم وراء تهريبها ونهبها سؤال لن يغيب عن ذاكرة السودانيين ولن يغفله أحد .

أما اليوم فالوضع يختلف تماما حيث أن الثورة السودانية التي تتمدد في كل مدن السودان تنطلق في مواجهة ديكتاتورية الإسلاميين التمكينية الإقصائية الفاسدة رغم جبروت آلة القمع في مواجهة شعب أعزل ديكتاتورية على رأسها رئيس مرواغ لايجد حرجا في ممارسة الكذب السياسي في وضح النهار ولا هم له إلا البقاء على الكرسي والتقلب دون رؤية أو رشاد حتى آلت البلاد إلى الوضع الذي تعيشه اليوم .
ربيع الثورة السودانية هو ربيع الديمقراطية ضد قهر سلطة الإسلاميين الإقصائيين الشموليين الفاسدين الذين باعوا كل مبادئهم بثمن بخس طلبا للمال والجاه والسلطان وأقصوا حتى زملائهم ممن يخالفهم الرأي أو من يرى انحراف مسارهم رغم مشاركتهم لسنوات في سوءة الإنقلاب على الديمقراطية ومشاركتهم في قرارات التمكين وأكل أموال الناس بالباطل لكن الرجوع للحق فضيلة وإن بعد عقود .

ستمضي الثورة السودانية ولن يكون السودان بعد التاسع عشر من ديسمبر 2018 كما بعده ولن يكون نظام الإنقاذ كما هو وإن بقي لزمن محدود بقوة القهر والبطش والقتل والدماء لكن يبقى السؤال أين محيطنا العربي والأفريقي من كل هذه التطورات ؟
لقد عبر المجتمع الدولي ممثلا في الترويكا أميركا وبريطانيا والنرويج والإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومؤسسات الشعوب الحرة في كل أنحاء العالم عن دعمها ومساندتها للمطالب العادلة للشعب السوداني في مواجهة القهر الأسلاموي المليشيوي بينما بقي الأقربين من العرب والأفارقة وكأن على رؤوسهم الطير كل يحسب حساب مصالحه فرغم بغضهم للبشير ونظامه سواء في مصر أو دول الخليج إلا أنهم يبادلونه الإبتسامات الصفراء ليس خوفا عليه وإنما خوفا من ماقد يحمله ربيع السودانيين من نتائج مجهولة لديهم .
لكن شعب السودان صاحب خبرة ثورية وتجربة نضالية اكتسبها خلال ثورتين شعبيتين لم يشهد لهما العالم العربي مثيلا أعادتا الأمر إلى نصابه دون إراقة دماء أو استعداء لأحد رغم أن مايراق اليوم من دماء هو من فعل وطبيعة الإسلاميين الإقصائيين الدموية لكن قيام سودان حر ديمقراطي قوي لن يكون خصما بأي حال من الأحوال على عالمه العربي والأفريقي بل داعما له وفق سلامة المصالح القومية . ومؤتمر الخرطوم المعروف بمؤتمر اللاءات الثلاث الذي نظمته الخرطوم لدعم الأمة العربية ومصر في الستينات بعد النكسة لم يكن إلا نتاجا لنظام ديمقراطي حر وليد ثورة شعبية سطرها أهل السودان في الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 .

السودانيين قادرون على إكمال مسيرتهم الثورية والإنتصار لإرادتهم ولمطلبهم في الحرية والديمقراطية مهما بلغت النضحيات أو طال المسير دون عون أحد بل بوحدتهم وتكاتفهم وإيمانهم بقضيتهم العادلة لايضرهم من خذلهم من الإنظمة ويكفي تضامن شعوبهم العربية والأفريقية ودعواتها لهم بالنصر أما الأنظمة فعلى أشكالها تقع ووفق مصالحها تتحرك والشعب السوداني هو صاحب القرار .
السودانيون يقدمون اليوم نموذجا جديدا في العزم والإرادة والتصميم رغم آلة القمع والبطش وعمليات القتل المتعمد من مليشيات كتائب الظل بزعامة على عثمان طه وغيره ورغم محاولات استدراج النظام الفاشلة للمتظاهرين للعنف لايجاد المبررات للقتل لكن وعي الشباب أكبر وإيمانهم أكبر وهو مايفوت الفرصة كل حين على أئمة الضلال والفسوق والدماء حتى بات النظام ورئيسه كالذي يتخبطه الشيطان من المس والعهد والوعد باق أن الشعوب هي التي تنتصر دائما مهما كان الكلفة وأن النصر يأتي من عند الله وأنه لابد من صنعاء وإن طال السفر .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////