عندما كان وزير المالية الأسبق عبدالرحيم حمدي يتحدث في ندوة تلفزيونية حول معالجة الأزمة الإقتصادية والمعيشية عقب تعيين رئيس الوزراء الجديد معتز موسى كان يشدد خلال حديثه على ضرورة أن تبسط الدولة حرية الاقتصاد للانطلاق نحو العافية لكنه كان يذكر مناقشيه ومشاهديه في كل مرة وكأنه يعني جهاز الأمن والكبار الذين يسيطرون على زمام الأمور تحسبا لعدم اغضابهم بأنه لايعني كفالة الحريات السياسية بل حرية الاقتصاد فقط .
ولا أدري كيف أن خبيرا في منزلة السيد عبدالرحيم حمدي ومكانته في عالم الاقتصاد مهما كان تقييم الناس له لايدرك أهمية العلاقة بين الحرية السياسية وحرية الاقتصاد من الناحية النظرية والموضوعية .
لذا لن ياسى حمدي لوئد حريات الناس أو تكميم الصحف والأفواه ومعاقبة من يتجاوزون الخطوط الحمراء التي وضعها جهاز الأمن من الصحافيين والإعلاميين حتى وأن كانوا من كوادر النظام أو المرتبطين بأجندته أو المتعاونين معه في مختلف وسائل الإعلام التي هي في معظمها من أدواته التي يشرف عليها ويحدد مسارها ومنشيتاتها ومقدمات أخبارها إلا من بعض الصحافيين الذين يصارعون بين الحفاظ على مهنيتهم والدفاع عن حقوق مواطنيهم والحصول على لقمة العيش في ظل نظام يسيطر على كل منابر الإعلام وسلة إعلاناته.
والحقيقة إن أي نظام على شاكلة النظام الحالي لن يحفل بأي نوع من الحريات سواء السياسية أو الصحفية والإعلامية لأن العقلية التي يدير بها الدولة هي عقلية نفي الآخر حسيا أو معنويا وهذا هو السبب في أن معظم وسائل الإعلام السودانية من صحف وقنوات وإذاعات تبدو باهتة ومتخلفة عن مسيرة الإعلام في فضاءات الإعلام الحر في شتى ضروب الرسالة الإعلامية الأمر الذي ينعكس بوضوح على قدرات العاملين في تلك المؤسسات والذين يتحولون من صحفيين إلى موظفي دولة يحمل كل منهم في عقله رقيب أمني يسعى لارضائه . ولعل من المؤسف أن بعض أؤلئك العاملين تحت غطاء الصحافة والإعلام بسبب غشاوتهم لايرون سوءاتهم وهم يتوددون للمسؤولين خلال حوارات باهتة ويلقون إليهم بالأسئلة التي تنال رضائهم وتعمل على كسب ودهم وهذه أسوأ مظاهر وئد حرية الصحافة والإعلام ونتائجها .
ورغم وجود صحافيين شرفاء لايزالون يصارعون في سبيل الإلتزام بالمهنية والتواصل مع التجارب الإعلامية الحية في العالم الحر إلا أن بيئة الصحافة والإعلام الفاسدة والمتأثرة بثقافة النظام الأمنية والملاحقات وتكميم الأفواه وكسر الأقلام تجعل من غير الممكن وقف التعدي على حرية الصحافة والإعلام والتعبير وتبادل ونشر المعلومات وكشف الفساد بأكبر قدر ممكن للرأي العام مما يعزز من أهمية دور جمعيات وروابط الصحافيين الحرة رغم ماتعانية تلك الجمعيات والروابط من التضييق .
ويحمد لشبكة الصحافيين السودانيين داخل السودان دورها في الحفاظ على الحد الأدنى من المهنية ودفاعها المستمر عن حرية الصحافة والصحافيين كما يحمد لروابط واتحادات الصحافيين السودانيين على مستوى عواصم العالم دورها في تسليط الضوء على ضرورة دعم حرية الصحافة في السودان والتأسيس لصحافة واعلام حر في بلادنا من خلال إعداد الكوادر المدربة واكتساب الخبرات في أرقى مؤسسات الإعلام الحر سواء اتحاد الصحافيين السودانيين الأميركيين في واشنطن أو رابطة الصحافيين والإعلاميين السودانيين في بريطانيا أو غيرها من الروابط والجمعيات المنتشرة عبر العالم .
إن كل الصحفيين السودانيين الشرفاء داخل السودان وخارجه محزونون لحال الصحافة والإعلام في السودان وهو حزن يمتد إلى جميع المؤسسات التي فقدت مهنيتها في البلاد بسبب سياسات الإنقاذ المدمرة والتي أنتجت للأسف شرائح مجتمعية مغيبة لاتزال تجد منهم من يفرح بعد ثلاثين عام من فشل النظام في حل أزمات البلاد التي صنعها يفرح بإعلان وزارة جديدة لمعالجة الأزمة بنفس الأشخاص والسياسات.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////