وكأن السودان ليس فيه ما يكفيه من المشاكل والأزمات والمنقصات ليطل أوكامبو من جديد في هذا الظرف الحساس والحرج كالثور في مستودع الخزف ليزيد من حدة التوتر ويرسل اشاراته الخاطئة إلى المجتمعين في الدوحة وهو يبدو بمظهر الحريص على مصالح السودانيين ولو كان كذلك لاختار التوقيت الصحيح لكنه لم يبخل بصب الزيت في النار.

 

ولوكان السيد اوكامبو حريصا على استقامة الأمور وتحقيق العدل لأوقف مشاغباته المعرقلة والجميع مقبلون على مرحلة الانتخابات التي يأمل الجميع ان تعيد بعض الحقوق إلى اهلها وأن تشكل الأساس لبناء ديمقراطي يتراكم في المستقبل لاخراج السودان من دائرة الأزمة .لكنه في تقديري غير ذلك .

 

ويتسم السيد أوكامبو الذي يبحث عن مجد شخصي من خلال ملاحقاته بنوع من " الغلاسة "  وهو المرادف المصري لكلمة "الثقالة" باللهجة السودانية وهي مايبدو من خلال تصريحاته المستفزة التي تستفز أحيانا حتى معارضي البشير ومنافسيه . لكن ما يهمنا في الواقع هو أن يحاول النظام الحاكم الاستفادة من أخطائه بقدر الإمكان والارتهان إلى إرادة الشعب السوداني ولا يتأتى ذلك غلا من خلال تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تشكل مخرجا سلميا لقضية التحول الديمقراطي .

 

ورغم أن التعلق بالديمقراطية ليس جديدا على السودانيين رغم قصر برهات الأنظمة الديمقراطية التي لم يكتب لها الاستمرار إلا أن الاستهداء بتجارب الآخرين أمر يثري التجربة .

 

                    مشاهد من الانتخابات الأميركية 

 

في صباح ذلك اليوم المشهود في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية الذي صادف الرابع من نوفمبر 2008 وهو اليوم الذي بدا فيه الاقتراع لأوباما ومكين لاختيار رئيس الولايات المتحدة الجديد كنت أجلس في مقهى "استار بكس" على ناصية 15 استريت آند كيه في قلب العاصمة واشنطن. كان يجلس على جواري تيم وهو يعبّر عن فرحته بتقدم أبوما في الانتخابات بطريقة مختلفة، فقد كان يحمل في يده باقة من الورود يقدمها للقادمين للمقهى فيما كانت عاملات المقهى يقدمن كوب القهوة الشهير الذي يدمنه الأميركيون مجانا لكل قادم يزين صدره بشارة الاقتراع في الانتخابات I  VOTED " " .

داخل المقهى كان يدور حوار عابر بيني وبين كارين البيضاء وصديقها جو حول ماذا سيعنى لهما فوز أوباما الذي بات وشيكا في ذلك اليوم  . قالت كارين إن فوز أبوما يعنى بالنسبة لي يعني تاريخا جديدا لأميركا لأنه سيقدم برهانا على كل القيم الإنسانية والسياسية والمدنية التي ترفعها أميركا والتي تعرضت للتشويش في عهد إدارة بوش .

كما أنه سيقدم برهانا للأميركيين من أصل أفريقي بأن من حقهم كأميركيين أن يتصدوا لرئاسة الولايات المتحدة أسوة بغيرهم من الأميركيين البيض .

لكن جو كان يعتبر فوز أوباما فوزا مستحقا ليس لأنه أفريقي ولكن لأنه يحمل ويعبر عن أحلام جيل جديد من الأميركيين لا يقيمون وزنا للعرق أو تباين الأديان والثقافات . ولأن أوباما يحمل إرادة التغيير رغم أنف الذهنية المتمترسة في ظلال الماضي .

لكن أنجيلا السيدة الأميركية الأفريقية التي تجاوز عمرها الستين عاما التي كانت تتابع الحوار على مقربة بدا في  صوتها رنة حزن وهي تقول إني أخشى على أبوما من الاستهداف فهو يشبه جميع الأحلام الكبيرة التي يوئدها الصغار.

خرجت أتابع سيري في K استريت وأنا أتأمل وجوه الأميركيين خاصة من هم من أصول  أفريقية تعلوها ابتسامة عريضة وترقب وحذر تماما كالمسافة الفاصلة بين الحلم والحقيقة . 

هذه الحالة التي تجمع بين الفرح والقلق هي ذات الحالة التي عبرت عنها زميلتنا تارا روبنسون الأميركية الأفريقية بقولها إننا اليوم في مفترق طرق بين أن تتعزز ديمقراطيتنا فيصدقنا العالم أو تنتهك فتموت أحلامنا .

ولم يخيب الله آمال الملايين من أفارقة وبيض ولاتينوس وغيرهم وأنظارهم مشدودة إلى شاشات التلفزة وهي تعلن الانتصار الكاسح لأوباما على منافسه المتمكن مكين. واستطاع أوباما أن يحقق الحلم الذي عبر عنه مارتن لوثر كينغ قبل عقود من المعاناة ويفتح أبواب التغيير في أميركا وهو التغيير الذي وصفته وسائل الإعلام الأميركية بالثورة السلمية الكاسحة من أجل التغيير رغم الصعوبات التي حملها تسونامي الأزمة الاقتصادية العالمية وحالة الكساد التي أطلت على أميركا والتي بدت آثارها في المئة يوم الأولى من رئاسة اوباما   .

ولكن تبقى دائما حقيقة أن المقدمات الصحيحة تنتج نتائج صحيحة . لقد أثبتت الممارسة الديمقراطية في أميركا بشكل عام والحملة الأخيرة بشكل خاص أن من يتصدون للعمل العام لابد أن يمروا باختبارات حقيقية وحاسمة حتى يكونوا جديرين بالحصول على ثقة الناخبين داخل أحزابهم وخارجها . ولعل الدرس الذي علمه أوباما لكل المتطلعين للديمقراطية أن صدق الممارسة ومدى شفافيتها والتجرد والذكاء والثقافة وسعة المعرفة  ووضوح الهدف والرؤيا والبرنامج الذي يخاطب مجمل القضايا بدءا من لبن الأطفال وحتى تخصيب اليورانيوم هي الشروط المطلوبة في كل من يتطلع إلى التصدي للعمل العام  وإلا فعليه أن يتيح المجال لمن هو أقدر ومن هو على استعداد لدفع استحقاقات العمل العام دون اعتبارات أسرية أو قبلية أو جهوية او اقتصادية عمياء .

وبما أننا على أبوب انتخابات عامة مرتقبة في بلادنا من مصلحة جميع الأطراف العمل على إنجاحها وضمان شفافيتها يتبادر السؤال إلى الأذهان ماذا أعدت الأحزاب السودانية من برامج ورؤى آنية ومستقبلية في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها الوطن سيما وأن بلادنا محاطة بتحديات أساسية سواء على تقرير مصيرها وتداعيات ذلك على صعيد الوحدة أو الانفصال أو على تأمين دارفور وإعادة الأمن والسلام إلى ربوعها وغير ذلك من الملفات ؟ .

 

ورغم صعوبة اختيار المرشحين المطلوب تصديهم للمسؤولية بعد فوزهم " على الطريقة الأميركية"  من حيث قدراتهم ومؤهلاتهم ورؤاهم وبرامجهم هل ستتمكن أحزابنا من تجاوز الضغوط الجهوية والقبلية والحكومية في مواجهة أقدارها  ؟

 

 هل نتوقع ممن رشحوا أنفسهم تقديم برامج واضحة حول الحلول عبر مناظرات مفتوحة ؟ علما بأن جميع السودانيين يتفقون حول أسباب أزمتهم .؟

هل نحلم بمحللين سياسيين على مستوى من العلم والرقي والموضوعية ؟ هل نحلم بتناول إعلامي متجرد وتحليل علمي مسنود بالمعرفة والمعلومات وحضور من حيث شكل الأداء ومضمونه على طريقة وولف بلتزر و وراشيل هامدو وجيم ليرا  الخ .

 

نعم إن حزب الحكومة وبحكم وجوده وتراثه في السلطة لعشرين عاما قد يكون الأكثر استحواذا على آليات الدولة وأزرعها دون غيره وهي آليات لها تأثيرها غير المباشر في نتيجة الانتخابات وهي مخاوف تعبر عنها أحزاب المعارضة لكن التمسك بمبدأ الشفافية وطرح الفرص المتساوية بين المتنافسين وتطبيق القانون وحيادية أجهزة الدولة وازرعها الإعلامية الرسمية سيكون شرطا أساسيا لانجاز انتخابات شفافة ونزيهة تعبر بالبلاد إلى مرحلة جديدة من التداول السلمي للسلطة وبالطبع فإن عكس ذلك سيفسر الماء بالماء.

 

نتطلع آملين إلى إجراء انتخابات تكون الأفضل نسبيا استنادا إلى تاريخ وتجربة الانتخابات السودانية على نحو ما وعدت به الحكومة وبشرت به. وسنكون واقعيين ومتواضعين في أحلامنا فأمامنا الكثير لنؤسس لديمقراطية كالتي حملت أوباما إلى البيت الأبيض لكن حتما ان الانتخابات القادمة وبقدر ما تحمله من شفافية سيؤسس ذلك القدر بحجمه لتجربة جديدة قد تمثل ضوءا في آخر النفق.

Hassan Elhassan [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]