قبل مئة عام كتب عبدالرحمن الكواكبي كتابه الشهير طبائع الاستبداد ومصارع الإستعباد الذي جعله عَلما من أعلام تيار الإصلاح في العصر الحديث وداعيا من دعاة الحرية والديمقراطية مسخرا قلمه لمحاربة الإستبداد السياسي والتوعية بأخطاره على الأمم والشعوب . 

وكان لابد للكواكبي أن يدفع ثمن مواقفه من خلال الملاحقات الأمنية والسجن واللجوء والإغتراب والهجرة وأن يموت مسموما لا لشيء إلا لأنه يعشق الحرية ويمقت الظلم والفساد واستبداد الحكام ويرجو لبلاده الديمقراطية وحكم الشورى والعدل والشفافية في الحكم .
تناول الكواكبي في كتاباته المنهج الإسلامي في الإصلاح السياسي فالتمس أصول الإصلاح وفلسفاته وقوانينه من التجارب التاريخية وأكد أن داء الأمة يكمن في فساد السياسة وإنتاج المستبد الذي "يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتّداعي لمطالبته.
ولعل أن أهم ما أشار إليه أنه يضع على الأمة مسؤولية كبيرة في التحرر من الاستبداد الداخلي لأنه يرى أن وجوده هو مقدمة لتمكن الاستبداد الخارجي، ويقول " إذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله ومتى بلغت أمة رشدها وعرفت للحرية قدرها استرجعت عزتها، وهذا عدل."
ولايختلف المنهج الذي ارتضاه عبدالرحمن الكواكبي لنفسه عن المنهج الذي يسير عليه الصادق المهدي في نضاله السياسي من أجل الحرية اختلف معه من اختلف واتفق معه من اتفق من حيث كونه داعيا من دعاة الحرية والديمقراطية ومحاربة الإستبداد والفساد ومن حيث كونه من دعاة التغيير السلمي الذي دعا إليه عبدالرحمن الكواكبي من قبل ولاقى فيه ما لاقى من عنت .
فكلاهما يمقتان الإستبداد السياسي ويدعوان للحريات العامة والديمقراطية وحكم القانون وكلاهما ينتهجان نهجا سلميا لإحداث التغيير ويرفضان رفضا قاطعا انتهاج العنف لتحقيق هذا التغيير .
ولأن أكثر مايزعج المستبد أن تجرده من قوته المادية بانتهاج نهج نضالي سلمي يسعي الاستبداد دوما لالصاق التهم العنفية ضد خصومه السياسيين لتبرير إدانتهم لذا كان طبيعيا عند البعض من هؤلاء ومستغربا بل مضحكا عند غيرهم أن يطالع من يطالع إدانات النظام الحاكم ومؤسساته الأمنية للصادق المهدي بسعيه للعنف ولتغيير النظام بالقوة وتوجيه كل مواد الشر في قوانين القمع للنيل منه لأنه استطاع أن يقنع من يحملون السلاح بتبني النضال السياسي لتحقيق مطالبهم عبر التفاوض والحوار .
ولعل هذا النهج الذي يتخذه النظام الحاكم ضد معارضيه يكشف أمام المجتمع الدولي والمتابعين للشأن السوداني من الشركاء الدوليين عدم جدية الحكومة في إيجاد مخرج سلمي للأزمة السودانية وحالة الإنهيار الاقتصادي التي تعاني منها البلاد بسبب عجز الحكومة في مواجهتها وحلها لثلاثة عقود .
كما أنه يكشف أمام المواطن السوداني هزلية المشهد السياسي الذي تمارسه السلطة الحاكمة التي تحاور حملة السلاح بازيائهم العسكرية وعمائمهم السوداء في كل العواصم وتجرم من يحاورهم بأزيائهم المدنية ويتفق معهم على اتباع نهج سلمي لتحقيق أهدافهم العادلة .
ربما تريد الحكومة من خلال مثل تلك التهم والإدانات غير المنطقية التي وجهتها للسيد الصادق المهدي بسبب إقناعه للحركات المسلحة بانتهاج النضال السياسي السلمي لتحقيق مطالبهم أن تصرف أنظار الرأي العام عن استفحال الأزمة الطاحنة التي يعاني منها المواطن في حياته اليومية وهي طريقة ساذجة لمواجهة القضايا والأزمات عفى عليها الزمن .
فلا سبيل غير مواجهة الحقائق عبر تصويب السياسات وتصحيح المسار ونفي الظلم والإستبداد ومحاربة الفساد فعليا وليس إعلاميا فيكفى البلاد والعباد معاناة ثلاثين عام من غير بارقة أمل ولن تستطيع الحكومة وإعلامها إقناع أي شخص في السودان ناهيك عن المجتمع الدولي بأ رجل مثل الصادق المهدي يسعى للعنف ولتغيير النظام بالقوة مثلا فهل تنظر السلطة الحاكمة إلى وجهها في المرآة قبل أن تدفن رأسها في الرمال .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////