أكثر من عشرة آلاف جندي سوداني يقاتلون على أرض اليمن ولايزالون دفاعا عن أجندة سعودية وإماراتية تعيش حالة من التوهان السياسي الإقليمي منهم من استشهد على رمال اليمن وجبالها ومنهم من ينتظر أن يعود إلى بلاده بشرف وكرامة .
ورغم أن الحكومة السودانية قدمت السبت للقيادة السعودية قربانا بدماء جنودها بقرار غير مدروس في معركة خاسرة كان أجدى أن يكون للسودان فيها موقف الناصح الأمين والحافظ لدماء الأبرياء من فقراء اليمن إلا ان الرياض كما يبدو تنظر للسودان على غير ماتنظر به لعواصم شقيقة أخرى وفي مقدمتها القاهرة التي احسنت سياستها في تعاملها مع الرياض فلم تزج بجنودها في اتون حرب خاسرة في تلال اليمن ولم ترق ماء وجهها معتمدة على مركزها المعنوي عند الخليجيين لتحقيق مصالح شعبها وتحقيق مصالحها الاقتصادية دون أن تخسر جنديا وآحدا في حرب آخر ما تهدف إليه هو استعادة الشرعية لليمن.
لذا لم يكن مستغربا أن تحظى القاهرة بحب وتقدير الرياض لها من خلال زيارة تاريخية قام بها العاهل السعودي الملك سلمان من قبل لعدة أيام أغدق فيها المليارات من الدولارات على مصر دون أن يطالبها بثمن ، رغم أنه لم يتكرم بزيارة الخرطوم لساعات محدودة تقديرا لشعب السودان ولدماء أبنائهم التي تسيل في أودية اليمن .
ولم يكن مستغربا أن يؤكد السعوديون تقديرهم لمصر وشعبها بزيارة تاريخية أخرى لولي عهدها الأمير محمد سلمان اليومين الماضيين وابرام عقود بمليارات أخرى لبناء مدن المستقبل وأن يبدع بن سلمان في مدح مصر ومواقفها تجاه المملكة دون ان يأخذ عليها تحفظها في المشاركة في حربه الخاسرة في اليمن .
بل أن الأمير أيضا لم يكلف نفسه عناء أن يعبر إلى مصر عبر الخرطوم في زيارة عابرة لساعات في طريقه إلى القاهرة على سبيل المجاملة لشعب السودان الذي قدم أبناؤه الكثير للمملكة والخليج وكأن مواقف الخرطوم ودماء جنودها مدفوعة بثمن بخس سلفا كما يردد بعض السعوديين في مواقع التواصل الاجتماعي . وأي دماء وأي ثمن .
لكن الخطأ بالطبع هو في نهج السياسةالسودانية المتبعة وهي سياسات مجانية ظلت تنتهجها الخرطوم تجاه بعض دول الخليج كالرياض وأبو ظبي فهمت على غير ماترجو الخرطوم بل انها لم تجني منها سوى تعامل السعوديين معها بتواضع وليس باعتبار السودان دولة ذات وزن استراتيجي ومصالح وتأثير في المشهد الإقليمي ، بقدرما أنه دولة تابعة لهم يرضيها القليل من الحظوة وكؤوس القهوة في قصور أصحاب السمو من قادة السعودية والإمارات وقد عبر الشيخ محمد بن زايد عن ذلك بقوله في حضور البشير خلال زيارته أبوظبي يوتيوب " اشهدكم إننا لم نطلب من البشير أي مساعدة بل أنه بادر بارسال جنوده للقتال معنا في اليمن "
أهو شكر للبشير أم تهافت منه ؟ وإن كانت الثانية أقرب للفهم والمعنى ، بدليل أنه
رغم هذه الشهامة السودانية فالرئيس السوداني الذي زار الإمارات عشرات المرات في زيارات رسمية لم يقابلها شيوخ الإمارات بزيارة وآحدة ردا على تلك الزيارات وفقا للعرف الدبلوماسي .
وهو الذي زار أيضا الرياض عشرات المرات زيارات رسمية وأخرى بحجج خاصة ولم يستقبل ردا على ذلك السيل من الزيارات زيارة مماثلة من العاهل السعودي أو ولي عهده أو من ولي عهد الامارات ، وذلك فقط لأن نظرة كل من الرياض وأبوظبي للخرطوم نظرة من يتهافت على ودهم ومالهم وهي تختلف تماما عن نظرتها للقاهرة التي تجيد استخدام وزنها وهو مايفسر مبادرات القادة السعوديين والإماراتيين لزيارة القاهرة ودعمها وإغداق المليارات على المشروعات المشتركة معها دون أن تحتاج القاهرة لزيارة تلك العواصم إلا في نطاق محدود وهو أمر لا نحسدها عليه لأنها تستحقه لحسن إدارة سياستها.
ولعل مايلفت الانتباه أن الرياض كأنها تتعمد الرد على الخرطوم من خلال زيارة ولي عهدها بتوقيع شراكة استراتيجية مع القاهرة ردا على شراكة الخرطوم مع تركيا والتوقيع على حق الانتفاع بألف كيلومتر مربع في سيناء بخمس مليارات دولار لصالح مشروعها المستقبلي نيوم وكأنه ردا على انتفاع وشراكة تركيا للخرطوم في جزيرة سواكن أو هكذا يبدو .
الحقيقة أن الحكومة السودانية التي يقيم رعاياها ويعملون بمئات الآلاف في دول الخليج تحتاج إلى تقييم سياستها مع الرياض وأبو ظبي في إطار التعامل بالمثل والمحافظة على مصالح رعاياها وأعمالهم من ناحية ومن ناحية أخرى الحفاظ على كرامة السودان والسودانيين باتخاذ القرارات والسياسات التي تعمل على ضمان هيبة الدولة ومواطنيها من خلال التعامل السياسي والدبلوماسي مع كل من الرياض وأبوظبي وغيرها بالحفاظ على مصالح البلاد الحيوية والأخلاقية وفي مقدمة ذلك مراجعة قرار وجود القوات السودانية على أرض اليمن وإعادة تلك القوات إلى البلاد والحفاظ على دماء أبنائها ودموع أسرهم في حرب لاناقة لنا وجمل فيها فليس هينا على السودانيين أن يوصف جنودهم بالمرتزقة وهم يقدمون أرواحهم رخيصة دون ثمن مادي او معنوي إلا من شهادة هي عند الله حياة .
وليكن الله في عون السودان الذي تدار سياسات الحرب والسلام فيه بطريقة مزاجية دون قرارات مؤسسية كما تتخذ قرارات المشاركة في الحروب في دول المؤسسات التي تحترم شعوبها .
وليكن الله في عون الشعب السوداني الذي قدم ويقدم الكثير لأشقاءه في السعودية والإمارات دون أن ينل بلح الشام أو عنب اليمن حتى على سبيل المجاملة المعنوية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.