تراهن حكومة المؤتمر الوطني داخليا في مواجهة أزماتها على أجهزتها الأمنية ومليشياتها شبه العسكرية بأكثر مما تراهن على تحقيق وفاق وطني شامل عملي وفعلي يبعد شبح الاستعداء والأطماع الخارجية عن السودان في ظل التحولات التي تشهدتها المنطقة إقليميا ودوليا .
ويأتي الرهان على المعالجات الأمنية في ظل الفشل السياسي والإقتصادي الذي تعانيه البلاد حيث يصبح من المثير للسخرية أن يتحدث المسؤولون في الحكومة من أعلاهم إلى أدناهم عقب كل ميزانية معوقة عن عزمهم على حل المشكلات الاقتصادية ومشكلة الخدمات المزمنة وأبسط مطلوبات الحياة بعد مايقارب الثلاثين عاما في السلطة باستباحة مطلقة وكاملة دون منازع أو شريك قوي .
ولا حل لأزمات البلاد الاقتصادية والمعيشية إبتداءا إلا باستعادة الأموال العامة المنهوبة التي سربت إلى الخارج واستثمرت في شكل مؤسسات اقتصادية من قبل بطانة النظام الحاكم ومايماثلها في الداخل من مؤسسات وشركات سجلت بأسماء أشخاص محسوبون على النظام تحصلوا عليها بطرق غير مشروعة أو تحت ستار فساد وقوانين صنعت خصيصا لذلك وذلك على طريقة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي على الأقل من الناحية الشكلية .
استعادة المال العام المنهوب خلال العقدين الماضيين والذي تم استثماره في شكل استثمارات اقتصادية ومؤسسات تجارية وصناعية مختلفة وإعادته للخزينة العامة أولا كفيل بأن يحل جميع المشكلات العاجلة فضلا عن كونه يشكل نقطة البداية في بناء المصداقية الاقتصادية لتصحيح المسار الاقتصادي .
أما سياسة التعالي الجاهلة على المواطنين ولغة التهديد والوعيد كالتي أطلقها حسبو عبدالرحمن نائب الرئيس على طريقة نافع على نافع ، لن تحل أزمة النظام ولن ترهب أحدا بقدرما أنها تعبر عن العجز والتخبط والإفلاس السياسي والاقتصادي الذي وصل إلى رغيف الخبز في وطن حباه الله بالأرض والماء .
وعلى النطاق الإقليمي ورغم وجود وزير للخارجية يتسم بالقبول والحكمة قياسا على أسلافه من أهل النظام وهذا حقه على من يرى ذلك إلا أن السياسات التي تنتجها الحكومة في النهاية هي التي ترسم توجهات الدولة الخارجية وهي للأسف كثيرا ماتخضع للمزاجية والتسرع بعيدا عن الدراسة والتقصي والتمحيص قياسا على مصالح السودان العليا ضمن دولة تقوم على المؤسسات واحترام الدستور والقانون . لذا يوصم البعض في الإقليم والخارج السياسة الخارجية السودانية بالإزدواجية أحيانا أو التناقض أحيانا أخرى.
فانتهاج سياسة خارجية محايدة إلى حد ما في ظل التناقضات الإقليمية والدولية يتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والدراسة وقراءة كافة الاحتمالات وهو مالم يتوفر حتى الآن .
فوجود قوات سودانية على أرض اليمن تقاتل لإرضاء السعودية والإمارات في اليمن خطأ قاتل وقرار غير مدروس لايوجد أي سند شعبي سوداني له سيما وقد سقطت حتى المبررات الاقتصادية التي كانت تتوقع الحكومة ترجمتها من قبل السعودية والامارات إلى عون اقتصادي وتنموي للسودان بدليل أزمة الخبز التي يعيشها المواطنون حاليا ذلك أن القيادة النافذة في السعودية والامارات الآن لاتنظران للسودان مثلما تنظران لمصر كحليف مفضل رغم عدم وجود جندي مصري واحد على أرض اليمن .
لذا سيبقى القبول والدعم الاقتصادي السعودي الإماراتي لمصر ولدورها وسياساتها حتى تجاه السودان في ظل التعقيدات الحالية أكبر بكثير من قبول أو دعم السودان حتى في خلافاته مع جيرانه الأقربين وقد كشفت المواقف الأخيرة سواء بشأن اتفاقية المياه البحرية بين مصر والسعودية التي اعترفت فيها السعودية لمصر بسيادتها على مثلث حلايب أو بشأن استثمارات الإمارات في حلايب شراكة مع مصر على أرض متنازع عليها أثبت ضعف تأثير السودان على الرياض وأبوظبي بشأن حقه في سيادته على أراضيه أو بشأن مصالحه الاقتصادية دون مراجعة لأسوا قرار اتخذه دون دراسة بوجود قواته على أرض اليمن
أما الأزمة السياسية مع مصر فستظل قائمة وإن احتدت أحيانا أو هدأت أحيانا أخرى سواء بشأن سد النهضة الذي اصبح أمرا وآقعا أو بشان الصورة التي يصدرها الإعلام المصري لمواطنيه عن السودان بغض النظر عن النظام الذي يحكمه والتي ترسخت بفعل عوامل تاريخية وثقافية ومعرفية نمطية أوبشأن غياب الرؤية المشتركة والإرادة المشتركة لمستقبل العلاقات بين البلدين أو بشأن التناقض القائم بين النظامين مالم يستطيع النظام السوداني تحقيق وفاق سياسي شامل وبناء نظام ديمقراطي يؤسس لقيام دولة القانون والمؤسسات وبناء التنمية الشاملة والعادلة حينها فقط يمكن بناء علاقات قوية وراسخة بين السودان وجيرانه ، حينها فقط سترى مصر واعلامها صورة السودان الحقيقية وصورة شعبه التي ستكون حافزا لها ولغيرها لحل جميع الخلافات العالقة بما فيها قضية حلايب وشلاتين .
أما إذا سار النظام الحالي في ظل سياساته الراهنة وفشله الاقتصادي والمعيشي عاما بعد عام فسيفتح ذلك الباب دون شك لواقع جديد من الفوضى الداخلية والإستهداف الخارجي بكل اشكاله المباشرة والمستترة بل وتقنين أوضاع مزمنة سواء كانت موارد مسروقة أو مال منهوب أو أرض منتزعة .
ولعل الأولى والأنفع للحزب الحاكم الذي سجل فشلا تاريخيا في إدارة حكم البلاد سياسيا واقتصاديا لمايقارب الثلاثين عاما أن تكون أولوياته حاليا مواجهة فضيحة أن اصبح ثمن رغيفة الخبز في وطن الماء والأرض والهواء جنيها كاملا بدلا أن يحشد لجانه من الطفيليين والانتهازيين للبحث في أمر فترة رئاسية جديدة للرئيس الذي سيجد صعوبة بالغة في تقديم إنجازاته خلال ثلاثين عاما قياسا على ماليزيا أو البرازيل أو حتى الجارة أثيوبيا .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.