عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ربما لعلها من الآخبار أو المصادفات التي ليست دائما سعيدة والتي كثيرا مانتحسب لها ونتوقعها في غربتنا . عندما يرن جرس التلفون القادم من ديار الأهل في الوطن الحبيب حينها تتحول المسافة التي تفصلنا بين رنين التلفون ورفع السماعة إلى لحظات ترقب وحذر حيث تنساب التوقعات بين أخبار الأتراح والأفراح وهي حالة توجس تحوطها تنهيدات مفعمة بالمشاعر المتباينة .
هذا الرنين الـ LONG DISTANCE    أصبح يشكل لي هاجسا منذ أن تلقيت نبأ وفاة الحبيبة أمي التي كانت تجسد عندي الوطن بكل خصائصه وكوكبة من أعزاء وأحباء عديدين عبر التلفون . لكن بعض الأغنيات أيضا التي نحب الاستماع إليها تأبي إلا ان تقحم نفسها في خصوصيات اللقاء والفراق وتلك اللحظات غير المسماة في دواخلنا لمن نحبهم  من رفاق الدرب أحيانا او من نلقاهم للحظات لكنها تنطبع العمر كله.
قبل ايام عندما كنت أعمل في موقعي بالإذاعة الأميركية في فترة مابعد منتصف الليل كان باب احد الإستديوهات مواربا يتسسلل منه صوت أغنية للمطرب السعودي عبدالمجيد عبد الله وهي من الأغنيات التي لا أمل السماع إليها في لحظات الصفاء وهي اغنية يقول مطلعها
" ياطيب القلب وينك " ولعلها من تلك المصادفات التي تصطدم بالوجدانيات أحيانا عندما وقع نظري على شريط إحدى الشاشات المعلقة على جدران غرفة الأخبار يحمل خبرا عاجلا " وفاة الروائي السوداني الطيب صالح في لندن " كان عبد المجيد عبد الله لم يكمل اغنيته في تلك اللحظة " فرددت معه ياطيب القلب وينك "
كتب الكثيرون على مستوى العالم الواسع والعالم العربي عن الطيب صالح تحدثوا عن إنسانياته وسودانيته وعروبته وإبداعاته وتحدثوا عن تواضعه  وسخريته من فلسفة التهافت وتمسكه بقيم القرية وهو يستمع إلى المحاضرات حول الإشتراكية العمالية على مقاعد مدرسة لندن للاقتصاد.
لكن ماشدني من أحاديث عنه الحوار الذي اجراه زميلنا في الإذاعة محمد الشرقاوي مع توأم الطيب صالح " المغربي " محمد بن عيسى رئيس منتدى أصيلة ووزير الخارجية المغربي الأسبق . تحدث بن عيسى عن تواضع الطيب وصوفيته وتعلقه بالطريقة الشاذلية في سنواته الأخيرة وتناول خصوصية العلاقة التي تربط بينهما والتشابه في تجاربهما الخاصة ونمط حياتهما ووصفه بأنه " شيخ الرواية العربية "
كان يلقبه ويناديه " بسيدي الطيب " وهي عبارة إجلال تميزت بها تربة المغرب الصوفية المتسامحة التي تشبه في معظم تفاصيلها التربة السودانية . تناول بن عيسى العديد من جوانب حياة الطيب ورحلته الحياتيه مؤكدا أنه ربما لم يكن متحمسا لإكمال مشروعه في الكتابة إلا أن ما كتبه الطيب من " نوع " الكتابة سيظل باقيا أكثر من " كمها  "  الذي يمضى دون أثر.
شرفت بلقاء الطيب صالح ومجالسته مع آخرين بين القاهرة ولندن ولعل تلك الجلسات مع مبدع في قامة الطيب صالح قد بذرت في دواخلي بذرة " الإعتزاز " بسودانيتنا على نحو ثقافي وبمبدعينا في شتى المجالات وشكلت تطلعا في دواخلي بضرورة مقرونة بالأمل في ن تتجه الدولة السودانية والمؤسسات الثقافية والإعلامية السودانية فيما يشبه التعبئة العامة للإحتفاء بهؤلاء المبدعين في حياتهم قبل تكريمهم في مماتهم . والعمل على تسويق مبدعينا وإبداعاتهم عبر العالم في زمن الفضاء المفتوح لنباهي بهم الأمم دون أن يكون التواضع كابحا ومعطلا لحقهم علينا وحق بلادنا عليهم.
شرفت بلقاء الأستاذ الطيب عدة أمسيات في منزل استاذنا الراحل شيخ الصحفيين السودانيين محمد الحسن أحمد في لندن في تلك الأيام التي كانت تجمعنا فيها صحيفة الشرق الوسط ،وكان ذلك برفقة عدد من الأحباء منهم من رحل كالدكتور عمر نور الدائم ومنهم بقي أطال الله أعمارهم الإخوة مبارك المهدي والباقر احمد عبد الله وخالد المبارك في لحظات اتسمت بالتفرد وامتزجت بالتعليقات الساخرة من الراحل عمر نور الدائم والضحكات الهادئة المتصلة للطيب ومشاغبات الباقر احمد عبدالله وتحليلات مبارك المهدى الخ.
كان محمد الحسن احمد ونور الدائم من الأصدقاء المقربين للطيب صالح مثلما كانت نهايات الأسبوع في صالون استاذنا الراحل محمد الحسن احمد في "هونزلو على بعد أميال من قلب لندن " تحتفل بهاءا وألقاءا بلقاء هذه الكوكبة الفريدة.
أما القاهرة التي كان يتردد عليها الطيب زائرا لأصدقائه من الأدباء والكتاب المصريين في المواسم الثقافية حين اقامتنا فيها فكانت بدورها تزدهي حلة وبهاءا بمقدمه حينها إلتقيته مرات في مقر اقامته بفندق ميرديان الكورنيش الذي يحبه لإلتصاقه بالنيل الذي  تتدافع أمواجه شمالا حتى تلتصق بحواف الفندق وكأنها تحمل له رسائل من قريته في شمالنا القصى .
لا أدري من المسؤوول عن الحفاظ على ثرواتنا القومية من الإبداع والمبدعين وتسويقها عبر العالم والمباهاة بها كحق لهذا الوطن الذي يقتله التواضع في عالم تفرض فيه " لغة التسويق " نفسها بعنف . أهو اتحاد الكتاب السودانيين أم وزارة الثقافة السودانية ام اتحادات الصحفيين والإعلاميين والمهتمين ام جميعهم .
ذهب الطيب وحق لنا أن نبكيه  " ياطيب القلب وينك " وذهب غيره من المبدعين في تتابع وفي صمت وكأنهم على موعد فهل يدرك ورثة هذا الإبداع الذي تركوه للسودان واجبهم تجاه هذا العقد الفريد من انجم السودان المتناثرة على سماءه الواسعة ؟.