وقطرات الندى الرقراق .. تعلو هامــة الزهرِ

وألحان الهزار الطلــق .. فـوق خمـائل النهرِ
ولما ينقضي اللــيل .. وينـعس ساقـي الخمرِ
يرف الضوء كالحلم .. يسكـب خـمـرة الفجـرِ

الشاعر " حسين بازرعة "

(1)

وانطوت سجادة العُمر ،

سيرة شِعره هي مرآة نفسه العاشقة المُعذبة الرقيقة . هو سلطان عاشقي الخمسينات والستينات وسبعينات القرن الماضي . شيد لنا جُدران معبد الهوى العُذري في وقت كان المجتمع التقليدي يترصد المحبة في الدروب كلها لينال منها . عداء غريب وسط مُجتمع مُحافظ ، يعرف أن المرأة والرجل وإن اختلفا ، تضمهما سكينة كتبتها الشرائع السابقة. ومدّت يد الانسانية التي تتخلق ديمومتها في العشق الذي يربط بين تُراثين ،أحدهما للمرأة والآخر للرجل .صنعت من أبجديتهما الطبيعة سلطان التناسل.
في هذا المُناخ الرمادي ، كتب لنا" حسين بازرعة " ما مسّ هذا الوجدان الذي نشأ مبتوراً من الرفقة الطيبة . هبطت رُطب شِعره مهبطاً سلساً . ليتعهد وجداننا بالتنمية والنشوء الصحي .إن هناك عالم آخر جميل ،يتغذّى من دمنا ، ويُلطف مناخاتنا من عسف الحياة الاجتماعية وغلوائها .
يُحمد للمُستعمر أن أبطل قوانين " المهدية السابقة "، التي مَنعت الغناء الطروب واستبدلته بطبول الحرب ، ومنعت النساء من دخول الأسواق . وأغلق العِشق عليه الأبواب ، وكاد أن ينتحر !.

(2)

وُلد الشاعر الغنائي " حسين بازرعة " في سنكات1934 في منطقة البحر الأحمر . تربى في أخصب بيئة ، منفتحة على الحضارات التي كانت تجوب البحار ، وتهوى شواطئه . هو من أصول " حضر موت " التي تُطل على المُحيط الهادئ . هاجرت أسرته منذ زمانٍ بعيد إلى شواطئ البحر الأحمر. هكذا أزهر عُمر الشاعر ابناً أبدياً للشواطئ ، فكتب :
كل طائر مُرتحل
عبر البحر قاصد الأهل
حمّلتهُ أشواقي الدفيقة
ليك يا حبيبي للوطن
لترابُه للدار الوريقة

تلك دُنياه التي نشأت تُغازل وجدانه ، وهي تنظر أفق البحر المديد ، حين تلتقي السماء بالبحر ، فتساقِط أقماره وشموسه كل يوم عند خط الأفق . موعداً جديدا كل مساء لغرام النجوم والكواكب. وضجيج احمرار الأفق ، يُكشف عن غريزة حروب طبعت الإنسانية بقسماتها الدامية . على غير ما تهوى المعارك ، كتب شاعرنا :

أنا والنجم والمساء ... ضَمّنا الوجد والحنين
جَّف في كأسنا الرّجاء ... وبكت فرحة السنين
آه يا شاطئ الغَد ... أين في الليل مقعدي

(3)

درس الشاعر في " وادي سيدنا الثانوية " ، وجايل معظم مُتعلمي السودان ، ومنْ لهم الأثر في حياة العامة والخاصة . في مؤسسة " وادي سيدنا " التي تخيرها الإنكليز ، وهي واحدة من منارات العلم في وقتها : مثل " حنتوب الثانوية " و" خور طقت الثانوية " و " رُمبيك الثانوية " .مِهاداً لتربية جيل ترغبه السُلطة أن ينفكّ من هيمنة المُجتمع المُحافظ . ويتربى في مُناخات أخرى: قاعات للدرس ، وميادين للرياضة البدنية ، وداخليات للسكن وقاعات للطعام ومختبرات ومعامل والمكتبة العامرة بشتى الكُتب والأسفار . تلك جُزر ٌ معزولة لإنتاج فصيل متعلمين ، وأرضاً لثقافة مُستنيرة ومُختلفة ، ربما تنفكّ عن صلادة الواقع الذي يغتال العِشق، في حين يصمت على صانعي الأفراح ، ويقبَل الغناء على مضض ،كأنها ضرورات تُبيح المحظورات !.
تلك نظرةٌ مُغايرة عما يراها البعض من أنها قضية صناعة طبقة جديدة ترث المُستعمر، وتحفظ مصالحه لاحقاً.

(4)

في تلك البيئة نشأ شاعرنا " حسين بازرعة " ، ومن الغرائب أن تمّ فصله من مدرسة "وادي سيدنا الثانوية " لأسباب سياسية ، كادت أن تغفلها سيرته الذاتية .منعت الدولة الاستعمارية ذلك الشاب ، الشاعِر المُبدع من أن تتلقفه مؤسسات التعليم العالي رغم أنه كان متميزاً في الأكاديميات!.ومن الأجيال التي صحبت شاعرنا " بازرعة "من خريجي مدرسة " وادي سيدنا الثانوية" تلك : الروائي الطيب صالح والروائي والكاتب " علي المك " وأحمد المرضي جُبارة " و " ميرغني حمزة " ...، وسلسلة من أساطين التعليم والسياسة ،بل الثقافة في السودان .

عرف سيدنا " بازرعة " الشِعر مُبكراً، وخضعت أفراسه لبنانه الطروب . عرََّفه الشاعر " قرشي محمد حسن " بالمطرب والمُلحن " الفنان " عثمان حسين " .التقى التاريخ بالجغرافية ، ودقت ساعة العشق النبيل .كان المُبدع
الفنان " عثمان حسين " قد تخرّج لتوه من مدرسة المُطرب والمُلحن الفخم : " عبد الحميد يوسف "، حيث كان يرافقه عازفاً لألة العود التي تعلمها على يد الراحل " كامل السيد حمدون ". كان " مركز السجّانة" مدرسةً موازية ،تخرَّج منها كثيرون من مُبدعي الغناء والموسيقى ، ليتخيره " حسين بازرعة " لرفقة العُمر ، مع فن الغناء والموسيقى .
التقى الابداع بأهله في رفقة حانية ،و في أجلّ صوره . اندلقت جِرار العشق بالعسل الحلو . تداخلت لسعات " النحل " بحلاوة المطلوب، الرجاء بالأمل . المحبة وأشواكها المتوحشة ، فكان موعدنا بتغذية وريدية لوجداننا الذي انهكه جفاف المجتمع. غيَّر الكثير من بداوة علاقات العاشقة ، ورطَّب المداخل من جفاء صحراواتنا :

(من صَفاء الطيبة والكِلمة الَحبيبة والطلاقة )

(5)

ذكر الأستاذ " معاوية حسن ياسين " في سِفره "من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان "، أن الشاعر الغنائي " حسين بازرعة " قد أثرى شراكة المُطرب والملحن " عثمان حسين " بمجموعة من الأغنيات بدأت من العام 1957 إلى العام 1981 :
ناداني غرامَكْ ، حُبي ، الوكر المهجور ، لا تسلني ، أرضنا الطيبة ، ذكَّرتني ، ليالي القمرْ ، أنتَ لي ، لا وَحُبَكْ ، من أجل حُبي ، بعد الصبر ، المصير ، شجن ، عرس الدّم ، أنا والنجم والمساء ، القُبلة السَّكرى ، أجمل أيامي.

(6)
حظيَّ الشاعر " حسين بازرعة " بتسعة عشر أغنية من أصل سبعة وثمانين أغنية مُسجلة في مكتبة الإذاعة السودانية بصوت " عثمان حسين " . تحمّل شهر " يونيو " عبء الرحيل المُرَّ . كان مخاض أحزاننا أكبر من حجم قارورة أفراحنا .رحل المُطرب والملحن " عثمان حسين " في يونيو 2008 ، ورحل الشاعر المُرهف " حسين بازرعة " في يونيو 2017 .كأن عقدنا الذي زيَّن أعناق حسان الزمن الماضي ،و قد انفرط من لوعة الفراق ، و" لن تكون أبداً نهاية " سعيدة أيها الشهر التعس! .

(7)

كتبنا عام 2005 :
( لن تُُغيّر حُُبنا السامي وِشايَة ـ للشاعر حسين بازرعة )
*
من يقسِم بالحُب من شُعرائنا ؟
بازرعة هو الباذخ ..عيناه أصدق ساهِرة .
(لا وَ حُبَكْ ..لن تكون أبداً نهاية)
لقد سَقتْ سيوف عِشقه سُموم اللّوعة .العُيون هي التي رأت الفتنة ، ترنو إلى الحُسن في القسمات .
يأسره العِتاب ويُغري شاعِرنا الحنان الدافق . ذاق هو المُرّ بين بساتين العذاب .
منْ يُسامر معشوقته ويتودد إليها ؟،وقد نهلت من طيب الوطن ، وتزينت بزينته ؟.
فاردٌ هذا العِشق ، كصيد أعجبه الطِراد في الأحراش بأعشابها الناعِمة ، تجوّلت عيناه الساحِرتين ،
تَتبع المكيدة المُختبئة :
(حُبنا أكبر من الدنيا.. وأطول من سنينا )
أمام المُحَلَّفين توشح " بازرعة "إزار العاشق .بصوته الخصيب رونقاً ،و قدم دفُوعه :
( فيه من وطني المُسالِم أحلى طيبة وأحلى زينة ) .
وحده في الساحة ، ونظرات العُشاق تلاحقه تقول :
ـ قِف يا سليل الزمن العُذري . أنت قائدنا ،لن تُكذب في وجه الحُزن .جاء (عِطر البنفسَج )شاهِداً ، تردد وتلعثم .
نظر بازرعة على يمينه في القفص الموشى بالحُزن ،ونظر العاشِقة التي سقته المُر على اليسار ،
ثم تماسَك وقال :ـ

ـ أشهد إن العشق ناصِعٌ كبرق الشرق الموعود .جاءني ذات مرة ، جلس وعيناه تلمعان .
قدَّمت له النَدى الصباحي فغسل وجهه .إنه بريء كحَمل البريَّة ، لِمَ تريدون صلبه ؟
جاء ( العَنبر ) وأقسم بقسم بُقراط المحبة وقال : ـ
ـ هذا النقي هو الضحية .
*
شرب قلبه كؤوس المرارة والعذاب ،وتلك الفاتنة ، الساحرة هي من خلبت لُبه .
أطرق القضاة ، تهامسوا ثم طرق كبيرهم بمطرقته :
ـ رُفعت الجلسة .
*
وقفنا جميعاً .
وقبل الوداع اقتربت سيدة مُلثمة بثوب عفافها ،
روائحها تُغازل النسيم . أمسكت بشِباَكْ القفص .
نظرت " بازرعة " وهَمست :
ـ لن يتوقف الشلال عن الهُطول من الهضاب العالية .يتبعه الرَّذاذ الآسِر ، وكريَّات الماء المُتلألئة الصفاء .عذبة ، طفولية النضار . سأُحضر ( الأقحُوان) و (القَرنفُل ) و (الأزاليا ) و ( ذنبق الوادي ). سيشهدون أن عِطرك قادِم من زمان ( كُثيِّر عزّة )،(وجميل بُثينة ) الذي صرعه العِشق . لا تبتئس سيدي ، كُلنا معك .
*
جاء الميعاد مُسرِع الخُطى .احتشد الجمع ، وغصَّت الساحة بالمُعذبين .همس رجلٌ وقور في أذن كبير القُضاة ،
ثم هزَّ الأخير رأسه موافقاً .اعتدل الجميع ، هنالك مًهلة أخيرة قبل النُطق بالحُكم .
على رسلِك يا " عثمان حسين" ، الدُنيا كلها ستسمعك." مَحمَديَّة " بأصابعه على القوس ،
وبدأت الدُنيا المُشرِقة : قدِم "الدَّعاش " وانفرجت السماوات تَسمَع :

لو خلاص أنكرت حبي في النهاية
لا وحُبَّكْ ولن تكون أبداً نِهاية
إنتَ عارِف نَظرَتَكْ هي البداية
وما بتغيِّر حُبنا السامي وِشاية
. . . . . . . .
كُنتَ من أيام بتسأل عني خِلاني و صِحابَكْ
كنت تتمنى أصف حبك واستجلي شبابك
رُحت تغريني بحنانك مرة تهجرني بعتابك
كل يوم تزرع حياتي بالأمل ويهون عذابك
. . . . . . . . .
فجأة في قمة شُعوري قلتَ فيك أجمل غُناي
فجأة اتبدل مصيري ألقى أحلامي وسباي
. . . . . . . .
لا وحبك يا وحيدي مستحيل تبقى النهاية
حُبنا أكبر من الدنيا وأطول من سنينا
فيه من وطني المسالم كل طيبة وأغلى زينة
فيه من عاطفتي معنى الألفة و العُشرة العميقة
يسعِد العُشاق صداها وتفرَح الدُنيا الحَزينة
برضو يحصل تَنسى عُشكْ في النهاية
لا وحُبَّكْ ولن تكون أبداً نِهاية
إنتَ عارف نظرتكْ كانت بداية
وما بتغير حبنا السامي وشاية
. . . . . . . .
يا صفي النفس ، أيها الشاعر المرهف النبيل ، يا رقيق المشاعر ، يطفُر الدمع من مآقيك عندما تشتبك المشاعر ، يا مُجمِّلا وجداننا . لن يذبحك إلا العِشق .
لأدبائنا وفنانينا والمُبدعين والمُبدعات جميعاً، تكريماً لهم حتى لا نقع في مصيدة العُمر حين تنقضي سويعاته ،ونقول لهم :
{إن من جمَّّل وجداننا يستحق أن تهبط السماء إليه ،وأن تلثُم فاهه أزهار البساتين المُشرقة ،وأن يصعد إليه سُلم المجد .شكراً جزيلاً للشاعر " حسين بازرعة" .والشكر أجزله لمطرب والمُلحن " عثمان حسين " ، الذي لولاه لما تيسر لنا أن نتعرف على تلك الكنوز ، و أن يخفُق وجداننا ويتنقى من شوائب الدهر .والشكر من قبل ومن بعد لمن شربت من كفيه ماءً سلسبيل من بحيرة " بازرعة" وتذوقت عُذوبتها . أسمعْني من جديد غناء "عثمان حسين " ،وما سجّله المُطرب في حديقة " عبود ببحري "، كأني أسمعه أول مرة ، منذ زمان مضى. الشكر الجزيل لصديق العُمر" محمد عثمان عبدالله محمد أحمد".

(8)
وكتبنا عام 2009 :
( حسين بازرعة بمنظار أشعاره .. )
لن تمنع جيشاً جراراً من الأحاسيس فرادى وجماعات ، أن يتسلَقنَّ رُبى " بازرعة " . خيل شعره أروع صهيلاً ، وحوافرها على الأرض أكثر نعومة . قُطوف أزهاره ومُخيِّلته الجامحة تُعطرنا ، عندما يروي الحِكايات مُخصبة بالدموع الفرِحة وهي تبكي ، تُزكي تراثنا الفني بفيض شجي . تتقلب نيران الهوى قرباً وبعداً ، الجفاء يتقَفَّى أثر الحنين . الفراق ينفث نيرانه و الأحزان السود تُطبق على الأنفس . القرب وحلاوة اللقاء ، ونضارة المُحبين وهم ينهلون من واحة العِشق ، ويشربون ولم تزل أرواحهم عطشى .
منْ يسبح في بُحيرة الشاعر " بازرعة " ، يدخل معبداً فخماً ، أعمدته تتعملَق إلى السماء فارهة . ترى الحمائم في ردهات معبده ، تقف مكان خِراف معابد الدنيا وقد طوَّفها التاريخ من حولنا . لقد تسنى للأصول المهاجرة من حضرموت منذ القِدم أن تنهل من أرض السودان عبر شواطئه ، وترفده تلاقحاً و محبة وإبداعاً متفرَّد .
"بازرعة " هو سيف العِشق الجمعي حين يتلألأ ، وأقاصيص عِشقه من دفئ محبة جثمت على مواضينا وطرحت ثماراً يانعة في الوجدان . كتبتْ الشِعر يدٌ عَفرها غُبار التربة البِكر ، وخضبها نسيج اجتماعي غامض ، حتى نهضت من الثنايا بعض أساطير الهوى . ينمو طفل النفس غنياً بالرؤى كأن عِفريتاً من الجِّن جَلس في مؤخرة رأسه قبل أن يشبّ عن الطوق .أثري "بازرعة " وجداننا من فيض يطفح ، يتلفَّح هو بُردَة العِشق ، يحتمي بها من لظى ظُلم المحبين . نكرانهم يلتهب وتتوهج نيرانه، تقدح الذهن متألقةً ، ويكتُب الفؤاد ماذا جَرى .

نقلتْ مشاعره أشعاره ، وعلى رُبى الإبداع جلس مع " عثمان حسين " ، وابتنيا معاً هرماً من أهراماتنا الغنائية ، التي مسَّت الوجدان منذ منتصف القرن الماضي . لكل أغنية أقصوصة ، تقف أنت في محرابها تتفكر ، شِعراً ولحناً وغناءً ، لا يعرف فك طلاسمها إلا من عرف الأبجدية التي تتحدث بها أغنياتنا السودانية ، دروب الأحبة وهم يركضون بين أزقتها الضَيقة ، وسرقة اللحظة الملائكية من بين مخالب نُسور المجتمع المحافِظ . إنه إنجاز شعب كتبته أيدٍ مُبدعة ، يتوهج هو على الدوام ، تعبق رياحينه وأنت تزيح أغطية كُنوزه كل مرة . ومن تحت السراديب تُنقِب أنت فلا تروي ظمأً ، لكنك حين تقرأ شعر " بازرعة " ، كأنك تَسري ليلاً وتلبس عباءة ألف ليلة وليلة . الهجران والشكوى والوشاية والبكاء والنجوى تتناثر أشلاؤها هُنا وهناك ، فنار الذكريات تبُث حرارتها من تحت الرماد ، ولا تجد من رفيق سوى البُلبل الصداح . تفرَّست وجهه وأنا أشاهده مع الإعلامي المرموق ( كمال الجُزَّلي ) في لقاء على التلفاز منذ زمان ، تأملت العينان يبرقان بما يُشبه الدمع كأن الماضي قد نهض بكل أوجاعه . كم هو رائع سيد القلوب الرحيمة ، وقد لون بهاء الحُزن القديم وجهه وأنت تنظر .
يحق لنا أن نتجول ونتطوَّف الآن بعض مقاطع ِشعر " بازرعة " الذي تغنى به المبدع الراحل" عثمان حسين " . لن نُرضي مُحبيهما إذ لن نُصيب إلا النزر اليسير . ملامح من قبس إبداع" بازرعة " وهي تتقصى أثر قلوب تنزف مما فعلت بها الدنيا . نشتَّم ملامح شَخصه النبيل يتنفس كالصبح من بعد فجرٍ فاقع الاحمرار .
كتب " بازرعة " في ( أنا والنجم والمساء ) :

ويقول في مقطع آخر :
في الدُجى شَاق مَسمعي ... صوتها المُلهم النَغيم
في الهوى هاجَ مدمعي ... حُبها الخالد الأليم
كلّما لاحَ بارق ٌ ... من مُحياها خافقٌ
خَلدت لحن شُهرتي ... ألهبت ليل وحدتي
وكتب هو في ( عاهدتني ) :
عاهدتني ترسل بدمع الشوق خِطابي
مع كل نسمة من البلد تُطفئ عذابي
وحَلفتَ تسأل كل طائر عن مآبي
لكن نسيت عهدك ووعدك في غيابي
ويقول في مقطع آخر :
تتبدل الأيام يا قاسي وتصطفيني
وأنسى عذابي مَعَاك واشيلك في عُيوني
أصلو الهوى دائي ودنياي ، وديني
وكتب هو في ( القبلة السَكرى ) :
أَتذكري في الدُجى الساجي ... مَدار حديثنا العذبِ
وفوق العُشبِ نستلقي ... فنطوي صفحة الغيبِ
وإذا ما لاح نجم السَعد ... نرشُف خَمرة الحُبِ
ويقول في مقطع آخر :
أتذكري عهد لقيانا ... ويوم القبلة السَكرى
وقبَلي ثغري الظامئ ... فقد لا تنفع الذكرى
وكتب هو في ( لا وحبَّك ) :
لا وحُبَّك ولن تكون أبداً نهاية
إنتَ عارِف نظرتَك هي البداية
ولن تغيِّر حُبَّنا السامي وِشاية
ويقول في مقطعٍ آخر :
حُبَّنا أكبر من الدنيا وأطول من سنينها
فيه من وطني المُسالِم أحلى طيبة وأغلى زينة
وكتب بازرعة في ( شَجن ) :
يا قلبي لو كانت محبته بالثمن
يكفيك هدرت عُمر حَرقت عليه شباب
لكن هواه أكبر وما كان ليه ثمن،
والحسرة ما بتنفَع وما بجدي العتاب
ويقول في مقطع آخر :
لكني أخشى عليه من غَدر الليالي
وأخشى الأماني تشيب وعُشنا يبقى خالي
وهو لِسَّع في نَضارة حُسنه في عُمر الدوالي
ما حصل فارق عيوني لحظة أو بارح خيالي
وكتب " بازرعة " في ( الوكر المهجور ) :
إن أنسى ما أنسى ذكراك يا سلمى
في وكرنا المهجور والصمت قد عَمَ
تحلو لنا الشكوى والحب والنجوى
ويقول في مقطع آخر :
كيف أَنسى أيامي وفِكرتي الكُبرى
يا وَحي إلهامي أنا هِمتُ بالذكرى
ذكرى لياليك
في خِدر واديكِ
وكتب بازرعة في ( حُبِّي ) :
عِشقتك وقالوا لي تعشِق وأيامك ربيع
تَقضي ليلاتك مُسهَّد وابتساماتك دُموع
ويقول في مقطع آخر :
حُبي نابع من بِلادي ، من جمالها وانطلاقها
أو دَعت حُسن حبيبي من صِباها كل باقة
من صَفاء الطيبة والكِلمة الَحبيبة والطلاقة
وكتب هو في ( لا تَسَلني ):
لا تَسل عني لياليَّ حبيبي لا تسل
لا تَسلها فهي حُلم عابر طَاف بذهني
لا تَسلها كم تَعانقنا على رِقَّة لَحنِ
ويقول في مقطع آخر :
يا حبيبي أنت ألهَمت أغانيَّ وجَرسي
أنت في وَحشة أيامي ندى أورَّقَ أُنسي
أنت في عُمري ربيعاً يملأ نفسي
أفلا عُدتَ وعادت قصة الحُب كأمسِ
(9)
سنُشتل في مزارع هوانا الخاصة ، نبتةً باسمكَ ،كي يتعرف الجيل الذي تغيرت أهواؤه ، وغزته بريق الحضارة المُتلهفة إلى الغنى ، أننا قد عثرنا على كُنوزنا الماضية في كُهوف الذكرى . هناك وجدنا " الكأس المُقدسة " مملوءة برحيق من رحلوا ، وتركوا كل الأثر . فلتنعم أيها الشاعر النبيل " حسين بازرعة " بحياة أخرى مَديدة ، فقد قدّمت الخُبز الجاف: جسدك ، وقدمتَ النبيذ الأحمر :دمُك .
أصل الهوى دائك ودُنياك ودينَكْ.

عبد الله الشقليني
23 يونيو 2017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.