عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الاسم الكامل إنسان
والشعب الطيّب والديَّ
والحزب حبيبي وشرياني
أداني بطاقة شخصية
مـن غير الدنيا وقبالو
قـدامي جزاير وهميّة
المهـنة بناضل وبتعلّـم
تلميذ فى مدرسة الشعبِ
...........

(1)

ليس من الصعب تذكُر الشاعر ، " محجوب شريف " . أنجبه الحزب الشيوعي و انجبتهُ مؤسسة التعليم ، وصار مُعلماً .قال الكاتب الروائي " دكتور بُشرى الفاضل " أن " محجوب " كان يسبقه في مدرسة المدينة عرب " الوسطى " بالجزيرة . هناك في بطن الريف ، وُلدت موهبة الشِّاعر . تلونت حياته بمسلك الرُسل الذين حباهم المولى بحب الناس . كان رقيقاً ، حتى لكأنك حين تُراجع تاريخ المعلمين على النظام العالمي القديم ، كانوا يعاملون الأطفال بغلظة أهلنا ، الذين يهبون المدرسة جلود أطفالهم ، ويتركون للأهل " العظم " ! ، ظناً منهم أنه الأصوب !ّ. مؤسسة القهر والسوط ، ارتبطت بالتعليم . ولم تنج منها " الخلاوى" ، التي كانت تُعالج الأمراض النفسية ، بالسوط ، بزعم أن الشياطين تسكُن المرضى !.
(2)
أخرجت مؤسسة التربية والتعليم هذا الرجل الشفيف ، النقي ، وأكسبته محبته الفقراء أن يرفد " الحزب الشيوعي " والحركة الوطنية بمعدنٍ جديد . مُركب نقاء وطُهر وعفة اليد . حضوره آسر ، يتحدث ويسرُد شعره بطلاقة . الجلوس معه ، هبة يهبها المولى. جاء كشهاب الخير في ظلمات مُجتمعٍ ، يُكابد أن يخرج إلى الحياة بلا عاهات.

(3)

كتب الشاعر " محجوب " أن الشعب والداه ، أمه وأبوه . حليب وحنان وتعلُم الكلام . وشراكة المؤسسة الاقتصادية التربوية عند الأب ، حيث ننموا ونتعجل الحياة خفافاً . نطير إلى النار ،كالفراشات ، وتهزمنا التجربة ، أو تقوّينا . شطيرة محشوة بمذاق الحياة ، بحلوّه ولسعاته .
منْ هو " محجوب شريف " ؟.
هو الشريف بحق ، ولكنه ليس محجوباً عنا أو عن البشر . من أراده وجده ، إلا أن يكون في حبس السُلطة . أفتح أي قصيدة لتتعرف إلى كاتبها "محجوب ". تجد أنك أمام أيوان مُزركش ، بضحكات المَغلوبين وأفراحهم حين تتبدى . قلبه خالٍ من تعقيد الحياة ومطالب الرُفاه . لم يسأل أحدنا نفسه ، كيف تسنى لهذا الشاعر ، أن يأخذ من لغة العامة ، وينسج على نوله الخاص تلك الفُسيفساء المُترفة من المعاني ، بقاموس عامي بسيط !.

(4)

كان مَهْر سيدته الأولى : كُتيبات وأسفار ، وسيف . لا سيف إدعاء بتوقف جهاد الموت للآخرين ، واستنهاض جهاد الإقتصاد ، ولكنه سيفٌ يتبع تُراث أهلنا الطيبين ، مثلما جاء في مُخيلة التُراث :

الجار إن وَقع شيلو
والضيف الهَجوع عَشو
والسيف السنين أشرو
وفايت الحُدود وَاسو

لم تستطع المؤسسة الثقافية ، أن تُنبت لنا مثله في النقاء وعزة النفس مع الإبداع الشعري المنتم للمسحوقين من أبناء وبنات الوطن ، إلا نماذج نادرة . انتفضت المؤسسة الشِعرية واستطاعت أن تَضُخ الدم في الحركة الوطنية ، أشعارها وأغنياتها الوطنية ، ليس كما كان العهد أيام قلم المخابرات البريطاني ، الذي يفحص القصائد المتدثرة بأغلفة المجاز لتجتاز المرور ، كما حدث للفنان "خليل فرح " .
تنادى السودانيون والسودانيات لنداء الكرام والفضليات، أن هيا لعلاج هذه الأيقونة الكريمة من البشر " محجوب شريف " . وعندما خلا هو إلى نفسه بعد سفرية الاستشفاء ، جاءنا بمؤسسة " رد الجميل الخيرية ". هذا الانجاز الخيري الشعبوي الكبير . استنهض سيدنا فيه عمل الخير الموروث في قيم أهلنا ، في مدائنهم وقراهم والأرياف البعيدة .

(5)

جاء الشاعر الكبير ، قبل رحيله بزمان ، يحاول التسويق لمؤسسة " رد الجميل الخيرية " في أبوظبي . لا شيء له ، ولا لأسرته، بل لتنمية المنظمة الطوعية .نزرها هو للعامّة الذين يُخزلهم الفقر ، وتُزلّهم الحاجة . حديثه جاذب . يجعلك دون أن تحس ، تضحك من دواخلك . حاول " الذين يتطاولون في البنيان من مال السُحت " أن يُشاركوا ، فشكرهم .وضنَّ على البُسطاء أن يأكلوا من الطعام المخلوط بالتراب ، لعل الحياة النقيّة ، والمال الحلال ، أدعى للخدمة عند البواكير :

يا أيد البدري
أصحي بدري
وأزرعي بدري
واحصُدي بدري
ونومي بدري
شوفي كان تنقدري

هكذا جاء في تُراثنا ، المنقول على لسان الشيخ " فرح ود تكتوكحلّال المَشبوكْ ".

(6)

تذكّرناه عفو الخاطر . فمثله يأتي ذكره كالأوراد ، التي يُداوم عليها أجدادنا صبح مساء . لا حاجة لنا لتاريخ رحيل ولا موسم حفاوة . إن الملاك الإنساني " محجوب " في الأصل لم يفارقنا ، ولن يفارقنا . أحببناه ، لخلقه وطيبته ، وقلبه المفتوح على الشارع والجيران . عذبته السِّجون السياسية ، فخلق منها واحةً للخلق والإبداع ، على غير ما ابتغى السجانون.
روّض مارد الحقد ، حتى أن أحدهم متنفذ ، قرر في أوئل تسعينات القرن الماضي ، أن يزوره في بيته بمدينة الثورة بأم درمان . بعد أن استأنس بشرب الشاي ووداد الضيافة التي تَخرج من القلب ، فتح الضيف أمر المصالحة السياسية !. فخرج من عنده الظَّلامي ، لا يلوي على شيء .أسَرتُه من قبل ضيافة الشاعر ،كحال كل الأضياف ، وصدّته الممانّعة . لا المال ولا المنصب ولا الهبات والوعود قادرة على ابتلاع موسى الحقد السُلطوي . لم تصنع الزيارة كثير شيء ،وبقي " محجوب شريف " الذي نعرفه في صحوِنا ونومنا . لم تفارق روحه السمحة مجالسنا أبداً . هذا العادي النبيل ، لم يندم هو على محبة الفقراء ولا على اختياراته السياسية . " محجوب " صناعة سودانية بلا تزييف. أخذ من تُراث الوطن أفضله ، وأخذ من الحداثة : أن اختار تطويع الواقع وتطويره.

عبد الله الشقليني
23 فبراير 2017