" إذا استثنيت طبيعة الإنسان الروحية ، فلستَ تدرُس الإنسان على الإطلاق "

ألفريد راسل والاس

(1)

الوقت الحادي عشر صباحاً . يوم عملٍ عادي . مكاتبنا في أربع شقق مجموعة في طابق واحد مع الدرج والمصاعد. الشقة الرابعة تم إخلاؤها قبل أيام لغرض يخص الإدارة العليا . بقيت هي شقة مفتوحة بيننا وبينها باب . بها أثاثات ، ولا يوجد بها أحد . هادئة ، ساكنة . يمكنك أن تتلفن لمنْ تشاء ، دون أن تَشغل أحداً غيرك. رغم كثرة العمل اليومي ، فلكَ بعض الحرية في الاختيار . متابعة على مسافة ، ولكنها ليست برقابة لصيقة !.
نظرتُ هاتفي النقّال فوجدتُ رقماً قد اتصل بي قبل عشر دقائق . حسبتُه رقماً جديداً لبعض الأصدقاء وقد غادرونا قبل فترة لكندا . ذهبت إلى الشقّة الرابعة ، وحاولت الاتصال بعد أن تأكدت أن لديَّ رصيدٌ كافٍ لمحادثةٍ دولية .
جاءني من البُعد ، صوتٌ رجالي غريب النبرات ، يُحاول صاحبه نُطق العربية الفصيحة ، بتأَن وبطء . حسبتُ كأنني أسمع تلاوة " ورش عن نافع " للذكر الحكيم . رحب بي صاحب الصوت. حيّاني بتحية معهودٌ سماعِها .وبدأت المحادثة المُثيرة:

(2)

- أنا : وجدت رقم الهاتف ولمْ أعرف منْ المُتكلِّم ؟
- هو : الحمد لله أن وجدتُك . بالأمس كنتُ جالساً أذكُّر الله بعد الصلاة ، وشاهدتُ رقمك جلياً و ناصعاً في حلم اليقظة تلك.
- أنا : صمت ...
- هو : اتصلتُ بك . قال الله في مُحكم كتابه : " فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا".
- أنا : صمتْ...
- هو:إنكَ صاحب الكَنز ، وقد علمت أنا بذلك يقيناً . ألم تسمع في الذكر الحكيم : {أَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}. كذلك لك كَنزٌ خصه المولى لكْ وينتظركْ . نحن نعمل بإذن الله على استخراجه.
- أنا : صمتْ ..
- هو : وبإذن الله سنجده لكْ .

حاولتٌ أن استدرك الأمر بالسؤال . فقاطعني بصيغة شبه آمرة :

- هو : لا تسأل ... فقط اسمعني وأجبْ على أسئلتي. أتصدقني القول ، إن كنتَ كذلك أجب بنعم سنستمر، أو لا لأتوقف.
- أنا : نعم.
- هو : الحمد لله .
- أنا : صمتٌ وحَيْرة .
- هو : أأنت مواطن في بلدِكَ؟ . أجب بنعم أو لا ؟
- أنا : لا .. أنا مُقيم .

تحدث هو بكلمات ونبر آمر . لا أذكر كثيراً كم مضى من الوقت، ولكنني صرتُ كالمَجذوب . تعرضُتُ لإستجرار من الدرجة الأولى . أعي مرة ولا أعي مرات !.

- هو : الكنز يفتح لكَ بعد أن نذبح بقرة ..، فما ثمن البقرة عندكم .؟
- أنا : لا أعرف ! .

(3)

حدث لي تَغيُر كبير . أمسكتُ بالهاتف ، وبدأ كأني أسبحُ في الفراغ : وأنا و هو لا شيء آخر .تضخمتْ الأصوات وتلاشت إلا صوته . متمَكناً هو من نفسي، وأنا أُنازعه السيطرة. لم يعُد أشغل نفسي إلا بتلك المُحادثة وصاحبها . لا لمالٍ مكنوز انتظره ، بل لدهشة قد تملكتني. هدوء وسكينة وطمأنينة، وانتباه بكل الحواس . وبقي الصوت من الهاتف النقال وحده قائماً يستدرجني ، كأنه يأمرني وأنا أُطيع أو أناع كي لا أطيع .

- هو : البقرة عندنا بثمانية آلاف درهم .
كأنني قد صحوت بحسي النقدي :
- أنا : .... لماذا بقرة وليس ثور ؟
- هو : لا تسأل.. نحن نسأل وأنتَ تُجيب .
- أنا : صمتْ ...
- هو: أتصدقني القول ؟ قُلْ نعم أو قُلْ لا؟ إن لم تكُن صادقاً فلا حاجة للحديث .
- أنا : نعم .
- هو : الحمد لله ، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين.
- أنا : صمتْ ..
- هو : أعندكم سعر البقرة أربعة آلاف ؟
- أنا : لا أعرف .
- هو : أرسل لنا أربعة ألاف ، ونحنُ سنشتري بقرة بهذا الثمنْ. وسنُفلِح إن شاء الله ، وبعدها نفتح لك الكنز .
- أنا : ولماذا بقرة ؟
- هو : قلت لكْ لا تسأل . نحنُ نسأل وأنت تُجيب . ألم تعلم بالآية :
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} صدق الله العظيم ؟!
- أنا : نعم .. علِمتْ ..!
- هو: سنختار بقرةً تناسب السعر لأننا قد عَدلناه .وسوف نجتهد في البحث ، وهذا يستغرق وقتاً ... أعندك أم لا ؟.
- أنا : لا أعرف. لدي الآن مصارف عديدة تنتظر الإنفاق . ويحتاج الإنسان أن يحسب منصرفاته الخاصة ومصروفات أسرته، ما يدّخر وما عدم التحديد إلا لحكم الظروف .أيترُك يترك المرء أُسرته عالة يتكففون الناس ؟.
- هو: سيأخذ ذلك منَّا وقتاً . الكنز ينتظرك . أليس لديك الآن ألف درهم ؟
- أنا : أين أنت الآن ؟
- هو : في السنغال .

كأن "السنغال " كلمة سحرية ، أعادتني من جديد إلى مرمى الوعي . استفقت من الغيبوبة الصناعية .أظنها استغرقت زمناً قد يكون نصف الساعة ،لم أحسبه . أغلقت الهاتف النقال فوراً .

نظرت إلى الرصيد ، فوجدتُ ستون درهما قد أخذتها مؤسسة الإتصالات ، نظير المحادثة الدولية .!!

(4)

نحن نستمع ليل نهار ، وفي كل وقت وزمان خلال حياتنا حديث استجرار من آخرين . بعضهم نعرفهم وقد لا نعرفهم . نهتّم بالبعض، وننسى الكثير . قد يبدو الأمر طريقاً آخر عبر الهاتف الدولي للاستغلال . حاولت الآن تذكُّر بعض الذي قيل في المحادثة ، ولكنك إن كنتَ مثلي وقد شغلتك جاذبية غريبةٌ ، فلن تتعرف إلى شيء. رقم الهاتف .. مثل كل الأرقام التي تجدها في الهاتف . قد تتصل ولا تجد أحد .. .

الأذن لا تنام حقاً كما هو معروف . تدخل الأحاديث حولنا من خلال السمّع ، وتُعدِّل هيكل صحّوِنا و أحلامنا. إن للتنويم الإيحائي قُدرة هائلة على تخطي الحواجز. يتوقف ذهنك الناقد بُرهة ،ليتيح نفاذ الجرعة الإيحائية. فالسمع النقدي ، والحوار المُتبادل يهدُم الايحاء. أنت تسأل ، إذن أنت تُجبر الآخر على التفكير ، والتفكير ينهي الرابط الإيحائي، فأنت ستخرج من مسلسل " الأمر والطاعة" إلى الفكر المستنير.
إن النبر الآمر، والترديد البطيء ، هو الذي يمُد حبال حواسَّكْ إلى الآخرين ، وتفقد أنتَ السيطرة على وعيك ، كأن الأمر قد تمّ باختيارك!. الوسيلة هي الطاعة التامة . البعض يعرف هذه التقنية ، والعض الآخر يمارسها ولا يعرفها ! . وهو غريب لمنْ لا يعرف .إذ أن الشخص المُوحِي، يحسب أنه قد ملك الآخرين . وهي قُدرات تصلُح لجميع الناس ويتفاوتون في الجرعات وأثرها والزمن .وهو أمر اكتشفته الإنسانية قبل أكثر من ألف عام ! .

القضية تدخل في حياتنا العامة والخاصة. كل يوم تمُرّ بنا أطياف من الايحاءات . بعضها يمضي لحال سبيله ، وينهض بعضها الآخر بعامل الدهشّة والبراءة أحياناً، وهنا يقع المحظور . يسمِّيها البعض صناعة الإستجرار ، ويسميها البعض الآخر الانبهار ، ويسميها آخرون كاريزما الأشخاص . ولكننا نعيشها في كل بُرهة في زمان حياتنا، تتنوع وتغير من شكلها ومحتواها . فإن زُرنا السوق مثلاً ، فسنصادف من يحذق فن التسّويق ، فيأثرنا بمميِّزات بِضاعته. يقول لنا كل شيء . الحقيقي منه قليل ، حتى نحسب أن بضاعته هي الأفضل و نشتريها ، بل ونُدافع عن جودتها! .

كل منا مسوق بدماغين : الأيسر منهما هو المُدقق العقلاني ، بينما الأيمن العاطفي الغريزي. هذان العقلان يجُرَّان عربتنا الثقيلة ،وتحتاج لهذين الفرسين معاً ليتضافرا ، فماذا نحنُ فاعلون لجعل التوازن بينهما مُمكناً؟!.

عبد الله الشقليني
9 فبراير 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.