كَيفَ الرّجاءُ منَ الخُطوبِ تخَلُّصاً .. منْ بَعْدِ ما أنْشَبنَ فيّ مَخالِبَا

أوْحَدْنَني وَوَجَدْنَ حُزْناً واحداً .. مُتَناهِياً فجَعَلْنَهُ لي صاحِبَا
ونَصَبْنَني غَرَضَ الرّماةِ تُصِيبُني .. مِحَنٌ أحَدُّ منَ السّيوفِ مَضارِبَا
أظْمَتْنيَ الدّنْيا فَلَمّا جِئْتُهَا .. مُسْتَسْقِياً مَطَرَتْ عليّ مَصائِبَا

أبوالطيب المتنبي

(1)

نعيد تقليب صفحات التاريخ من مظانها ، لنُميط اللثام عن الحقائق المُرَّة ، التي سوف تعيد مخازي الماضي إلى صفحة الحاضر ، بدم الجلادين المسكوب من سكين القتل الباردة ، ولكنْ بصورة مُغايرة عمّا مضى . . يبدو أن مؤامرات التكفيريون أضحت سمة عصرنا الحاضر أيضاً ، لا التاريخ وحده . نهض المتأمرون من قبورهم بأجسادٍ اُخر ،اغتسلوا من التراب وجاءوا إلى حاضرنا أشباح ماضٍ قد ظنناه قد اندثر .
ليسوا وحدهم ، بل بمعونة مكر الذين مَدُوهم بأسباب البقاء . صنعوا من التطرف والتكفير خُبزاً جديداً يصلُح لاستطعام الأجيال الجديدة من المسلمين ، الذين يجلسون على ضفة البراءة ولا يعلمون ماذا يصنعون و جدائل المكر مسمومة بالإغراء ، كزينة الحياة الدُنيا ، وجواز سفرٍ للمرور إلى الدار الأخرى . يسوقهم أصحاب الغرض إلى مسرحٍ جديد ومعارك جديدة و قديمة بإستخدام العقيّدة مطيّة لوصولهم للسلطة . واستنزاف المصادر التي هي تحت الأرض لتكون كما يُحب الذين من ورائهم . ويصبح جملة المسلمين كأنهم جموع غوغائيين ، يصنعون ببعضهم عجائب القرون المظلمة في التاريخ ، بينما تنفذ بيزنطة الجديدة أغراضها .
عندما جاءت "الجزيرة الوثائقية " بوجه التكفيرية الكالح ،و يجلس قادتها أمام المقصلة ليشاهدوا جريمة قتل " محمود محمد طه " ، لم يستطع تنظيمهم إلا تَجاهُل الحقائق . مسترشدين بالمقولة القديمة " الزمن وحده قادر على جعل النسيان ممكناً " .
منْ يستدرك ويقف بُرهة يفكّر حوله، لمَ تم ذلك والأعجب ، كيف يستمر ذلك !؟
(2)

النص من مدونة الفِكرة :
الهوس الدينى يثير الفتنة ليصل الى السلطة!

فى مايو 1983م أصدر الأخوان الجمهوريون كتاب (الهوس الدينى يثير الفتنة ليصل الى السلطة) والذى واجه النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس جهاز الأمن عمر محمد الطيب بنقد قوى لقيامه بالسماح لجماعات مهووسة ، ودعاة مشبوهين من خارج القطر ، باستغلال مسجد يتبع له ، وباستغلال أجهزة الاعلام ، فى القيام بحملة رأى الجمهوريون أنها تفتح الباب أمام فتنة دينية لا تبقى ولا تذر ، فقامت السلطة باعتقال الأستاذ محمود، وعددٍ من الجمهوريين من غير أن توجه لهم تهمة، وظلوا فى المعتقل حتى صدرت قوانين سبتمبر 1983م ، والتى نسبت زورا الى الشريعة الاسلامية ، فعارضها الاستاذ محمود وتلاميذه من داخل المعتقل ، ومن خارجه ، ثم تصاعدت وتيرة الأحداث الى اعلان حالة الطوارئ واقامة المحاكم الايجازية العشوائية فى أبريل 1984م لتطبيق تلك القوانين السيئة الاخراج والقصد .

المؤامرة من جديد !

فى تدبير مبّيت ومكشوف قامت السلطة باطلاق سراح الاستاذ محمود وتلاميذه فى ديسمبر من عام 1984م ، فى مقدمة لتدبير مؤامرة ضدهم ، ورغم علم الاستاذ محمود بالمؤامرة وحديثه عنها ، الا أنه لم يتردد فى 25 ديسمبر 1984م وبعد اسبوع فقط من مغادرته للمعتقل ، فى اصدار منشوره الشهير(هذا! أو الطوفان!) والذى طالب فيه بالغاء قوانين سبتمبر 1983 م تنقيةً للدين من التشويه الذى ألحقته به ، ودرءاَ للفتنة الدينية ، وطالب السلطة ومعارضيها فى الجنوب الى التفاوض لحل مشكلة الجنوب ، والى ايقاف الاقتتال ، صونا لوحدة الوطن ، وحقنا لدماء أبنائه .. ولم يفت على الاستاذ محمود أن السلطة انما كانت تتربص به ، وتنتظر فرصة كهذه لتقديمه لمحاكمها الجائرة ، غير أن الأمر عنده قد كان ، كما كان طوال سيرته ، امر دين لا مساومة فيه .. و لما كان الدين عنده هو نصرة المستضعفين من شعبه ، فقد نهض الى واجبه الدينى دون التفات للحسابات السياسية ، او الاعتبارات الدنيوية.
فى يناير من العام 1985م أقام الجمهوريون مؤتمر الاستقلال بدار الاستاذ محمود بأم درمان ، وفى ختامه مساء 4 يناير تحدث الاستاذ محمود عن ضرورة أن يفدى الجمهوريون الشعب السودانى حتى يرفعوا عن كاهله اصر الظلم الذى وقع عليه ، مقدما نماذج من تأريخ التصوف لصور من فداء كبار المتصوفة لشعبهم.

الكيد السياسى والمحكمة المهزلة

فى صباح الخامس من يناير 1985م اعتقلت سلطات النظام المايوى الاستاذ محمود محمد طه بعد أن كانت قد اعتقلت عددا من الجمهوريين قبله ، ليتم بذلك تنفيذ التدبير المعد سلفاً لمحاكمة الاستاذ محمود والجمهوريين أمام المحاكم الأستاذ محمود وتلاميذه الأربعة، فغطت سماء البلاد موجة من الحزن والذهول.
في يوم 15 يناير 1985م أصدرت محكمة الاستئناف المزعومة برئاسة القاضي المكاشفى طه الكبّاشى حكمها المتوقع بتأييد حكم المحكمة المهزلة، بعد أن قامت بتحويل الحكم من إثارة الكراهية ضد الدولة، إلى اتهام بالردة، لتتضح ملامح المؤامرة أكثر.
فى يوم الخميس 17 يناير 1985م صادق الرئيس جعفر نميرى على حكم الاعدام ، بعد أن أوسع الفكرة الجمهورية تشويهاً ، ونصب نفسه قاضيا على أفكارها ، فاتجهت الانظار الى سجن كوبر بالخرطوم بحرى فى انتظار تنفيذ الحكم.التى شكلها النظام من خصوم الجمهوريين من قوى الهوس الدينى.
فى يوم الاثنين 7 يناير 1985م قُدّم الاستاذ محمود وأربعة من تلاميذه للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ ، برئأسة حسن ابراهيم المهلاوى ، فأعلن الاستاذ محمود محمد طه رفضه التعاون مع المحكمة ، بعبارات خلّدها التأريخ فى سجل الشرف ، واضعا المحكمة ، والقانون الذى تحاكم به ، والسلطة التى تأتمر بأمرها فى موضعها الصحيح من أنها مجرد أدوات لقمع الشعب وأسكات صوت الأحرار من أبنائه.
في يوم الثلاثاء 8 يناير 1985م أصدرت المحكمة المهزلة حكمها المعد سلفا بالإعدام على

ابتسامة على حبل المشنقة!

عند الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الثامن عشر من يناير 1985م، الموافق للسادس والعشرين من ربيع الآخرة من عام 1405هـ، صعد الأستاذ محمود درجات السلم إلى المشنقة تحت سمع وبصر الآلاف من الناس، وعند ما رفع الغطاء الذي كان علي رأسه قبيل التنفيذ، أسفر وجهه عن ابتسامة وضيئة لفتت الأنظار، فانفتحت، بهذا الموقف الأسطوري، وبهذه الابتسامة، دورة جديدة من دورات انتصار الإنسانية على الخوف من الموت.
فى السادس من أبريل 1985م سقطت سلطة مايو أمام انتفاضة الشعب السودانى ، وفى 18 نوفمبر 1986م أصدرت المحكمة العليا السودانية حكمها بابطال أحكام المحكمة المهزلة ومحكمة الاستئناف المزعومة بحق الاستاذ محمود. وقد أعلنت منظمة حقوق الإنسان فيما بعد يوم 18 يناير يوما لحقوق الإنسان العربي. ..
الرابط:
http://www.alfikra.org/index.php

(3)

نص المذكرة ( المؤامرة ) :
نص ( الوثيقة )التي تآمروا بها من الخفاء ، وهم في القصر لتحويل المنشور من قضية منشورٍ سياسي ، إلى قضية ردة عن الإسلام ليقتصّوا من رجلٍ هزمهم بالحُجّة ، وأرادوا هزيمة الفكرة بقتل صاحبها !.

وسيجدها القراء والقارئات كاملة في الرابط :
https://www.youtube.com/watch؟v=Z0B9X8OqwM0andt=220shttps://www.youtube.com/watch؟v=Z0B9X8OqwM0andt=220s

النص :

الرئيس القائد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المنشور المرفق وزعه الجمهوريون وقد قبض
على ستة منهم وتم التحقيق معهم وسوف
يعرضون للمحاكم ، وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة
تاريخية لمحاكمتهم , وسيعلم الذي ظلموا أي
منقلب ينقلبون.
ولا شك أنها بداية لمسيرة ظافرة
بإذن الله يتساقط دون هدف كل
مندس باسم الدين وكل خوان كفور
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وفقكم الله لقيادة المسيرة الظافرة
وإتمام نهج الله على آثار المصطفى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ، ومنْ سار بسيرهم ونهجهم إنه سميع مُجيب الدعاء
*
الحمد والشكر لله ، ( توقيع الرئيس )
ولصفيه ورسوله
محمد رسول الله
والله أكبر على المنافقين
6 ربيع ثاني 1405

(4)

تتابع التواريخ الخاصة وتتبُع خيوط المؤامرة :
 في شهر مايو 1983تم اعتقال "محمود محمد طه "وعدد من الجمهوريين.
 ظل "محمود محمد طه" في المعتقل حين صدرت قوانين سبتمبر 1983 م وعارضها وهو في المعتقل .
 في أبريل 1984 تم إعلان حالة الطوارئ وإقامة المحاكم الإيجازية لتطبيق قوانين سبتمبر، وكان محمود وبعض تلامذته في المعتقل .
 قبل أسبوع من 25 ديسمبر 1984 تم إطلاق سراح "محمود محمد طه " وتلامذته.
 بعد إطلاق سراح" محمود محمد طه" وتلامذته،و في 25 ديسمبر 1984أصدر محمود محمد طه المنشور ( هذا أو الطوفان ). ويحتوي المنشور على رأيه بضرورة إلغاء قوانين سبتمبر 1983 التي شوهت الدِّين ، وذلك درأ للفتنة الدينية وصوناً لوحدة الوطن
 في 30 ديسمبر 1984 والذي يوافق 6 ربيع الثاني 1405 تم تسليم ( كتاب المؤامرة ) بواسطة شخص موجود في القصر ، وله حق الدخول لمكتب رئيس الجمهورية ، وقد أرفق كتابه الذي به النص : ( وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم )الذي يعني أن كاتب " وثيقة المؤامرة " ليس سكرتيراً بمكتب الرئيس ، لأن الصياغة تكشف أن الكاتب كان له رأي في الجمهوريين ، وهو يتربص بهم لأخذهم بالقانون ومن تعابير " وثيقة المؤامرة" ضمير " أتاحوا لنا" الذي يكشف ضمير الجماعة وليس رأي فرد . وتلك إشارة للذين وقفوا ضد الكشف الجمهوري للرسالة الثانية التي يرى صاحبها أنها موجودة في باطن العقيدة . وهذه الجماعة معروفة ، تُدركهم فطنة القراء:
 منْ هو صاحب المنصب الرفيع الذي يمكنه الدخول لمقابلة رئيس الجمهورية في مكتبه ويكتب له " أتاحوا لنا " !؟ : القراء دون شك سيعلمون .
 (وثيقة المؤامرة ) تمت كتابتها ، فقد غسل صاحب الغواية والفتنة يده من الأمر كله ، ليصير إلى غيره ، ليبدو الأمر أن السلطان هو صاحب القرار .

 تم كتابة (وثيقة المؤامرة ) بعد متابعة وترصُد من كاتبها من التنظيم الذي يتبع له ، بل أرفق مع الوثيقة " صورة من المنشور ( هذا أو الطوفان ) . ولا حاجة لرئيس الجمهورية أصلاً لمعرفة ما يتم في التحقيقات أو المحاكم . وإن المتابعة اللصيقة من رجل الجماعة ، ومخلبها الذي يرغب محو خصومه من الدُنيا، ثم الاستفراد بالمؤسسة السياسية التي تتخذ الدِّين وسيلة ، لتحقيق مآربها التي من أقوالهم المأثورة :
( سيأتي الإمام الأصيل من بعد ذهاب الإمام المُجتهد ) !.

 في 5 يناير تم اعتقال " محمود محمد طه" ، بعد قيادته في اليوم السابق لمسيرة ذهبت لساحة " محكمة الطوارئ " التي تقع خلف الإذاعة السودانية بأم درمان ،و المُكلفة بمحاكمة الجمهوريين الأربعة . خرج القاضي ووجد التجمُع ورجع . ولم يتم استدعاء الجمهوريين الأربعة وهم : ( عبد اللطيف عمر ) و ( محمد سالم ) و ( تاج الدين عبد الرازق ) و ( خالد بابكر ) إلى قاعة المحكمة .
 في 7 يناير تم تعيين قاض جديد للمحاكمة .
 عُرض "محمود محمد طه " ومعه الأربعة الجمهوريين للمحاكمة أمام القاضي الجديد ، ورفض هو الاعتراف بالمحكمة أو قوانينها أو قاضيها . وأصدر القاضي حكماً بالإعدام عليهم جميعاً يوم 7 و8 يناير 1985.
 لم يستأنف " محمود محمد طه "الحُكم ، ولكن تم رفع قرار ما تسمى بمحكمة الموضوع إلى " محكمة الاستئناف الخاصة .
 في 15 يناير 2017 ،قررت محكمة الاستئناف الخاصة تأييد الحكم وتركت للجمهوريين الأربعة فرصة الاستتابة خلال شهر ، وقيل كما عمِل بذلك " علي بن أبي طالب " !. ورفعت محكمة الاستئناف الخاصة رفع الأمر مباشرة لرئيس الجمهورية للتصديق ، دون أن ترفع الأمر للمحكمة العليا !!.
 في 17 يناير صادق رئيس الجمهورية على الحكم .
 في صبيحة 18 يناير تم اغتيال "محمود محمد طه "، وتم نقله بمروحية ، وتم تحديد غرب أم درمان لدفنه في الصحراء ، كما جاءت التوجيهات لقائد الطائرة . تم حفر مقبرته بواسطة بعض المسجونين بسجن كوبر ، ويراقبهم الحرس . ووفق أقوال قائد الطائرة : " كانت رجليه غير مغطاة ، وهو دليل عدم التكفين والله أعلم " !!.
 في مساء 19 يناير تم انعقاد جلسة استتابة للجمهوريين الأربعة مع التلفزة ، وتم إخلاء سبيلهم بعد ذلك .
 بعد انتفاضة مارس أبريل من 1985 ، وسقوط النظام ،تم تكوين لجان متخصصة لفحص الأوراق في القصر ، ثم في القضائية . وتكشفت الحقيقة المذهلة ، وتم العثور على " وثيقة المؤامرة " ، و بناء على تكليف من الأستاذة "أسماء محمود محمد طه" للمحامي طه ، تم رفع الأمر للمحكمة الدستورية العليا ، التي قضت بإلغاء حكم الردَّة وإلغاء الاستتابة ومصادرة منزل " محمود محمد طه " وما يترتب على ذلك .

(3)

قصة :
في مساء يوم اعتقال قادة التنظيم ، قبل شهر من انتفاضة مارس أبريل 1985 ، كان رجال أمن النظام يذهبون لقادة التنظيم في بيوتهم ، ويدّعون أن كبيرالتنظيم الذي علمهم السحر ، ينتظرهم في القصر بعد تقلده السلطة ، فيهللون ويُكبرون !. وحين تم جمعهم في القصر ، تفاجأوا بأن حملتهم طائرة إلى سجن " شالا " !ّ .

وفي اللقاء الجماهيري الأخير لرئيس الدولة السودانية حينها ، طالبت هتافات بالقصاص من المُعتقلين في شالا . أما رئيس الدولة فقد أرجأ القرار بشأنهم ،وسافر بعد ذلك للإستشفاء في الولايات المتحدة .
وعند الإفراج عنهم بعد الانتفاضة ، قالوا إن اعتقالهم كان سبباً للانتفاضة !. وعند تجمعهم في الساحات بعد الانتفاضة كانوا يهتفون ( لا بديل لشرع الله ).

منْ يقرأ ومنْ يعتبر ؟!

عبد الله الشقليني
7 فبراير2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.