عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)

تعوّدنا كساء الأضواء بالأضواء ، لا أن نُضيء مواضع العتمة. وتعودنا أن اللهيب يُغري  وتتوثب له النفوس. و تعوّدنا ألا ننتبه  للظل  الخافت للحياة ، عندما يُظلل مبدعينا فلا نلحظ اختفاءهم  ، فتأخذنا الحياة في لهفها ولا نتذكر أن للمبدعين حقٌ علينا ينتظر الوفاء ، وهي خُصلة من جُيوش الشَّعر المنسدل، ماذا  لو لعبت بها الريح! .
لقد اختار( أبو عبيدة ) شعراء من أصحاب  الرؤى الشعرية الأقرب للوجدان وهموم عامة الناس ولغتهم ، من التي تُفسح مكاناً لهموم الأحباء حين تدور عليهم الدوائر:
( نِحنَ ما رضيناها ليك تغمر الدمعات عينيك )
لعل المرء حين يذكر ( أبو عبيدة حسن ) ، ويُذكَر أنَّا مُصابون بجرثومة مرض عُضال ، يسميه أهلنا  " قِلة الوفاء " . انتشر بيننا وبقي مِن الأصحاء القليلون ، لعلنا ننشُد فيهم بعض الاهتمام لرد الحق المعنوي المفقود  للمُبدع (أبو عبيدة حسن) .نعلم أن الدنيا لا تسير مراكبها دائماً كما كُنا نودُ. ونعلم أن الحياة أعسرته ، وليتها لم تفعل .

)2)

لعل المُطرب المبدع  أقرب إلينا في السن ، حين خصني رفيق العُمر الراحل : الدكتور( أحمد شامي) بحديث طيب عنه عندما كان في بداية حياته الفنية  فهو ابن منطقته.  وقال عنه  :
( إن له موهبة في فن الغناء ، يُحسن اختيار الكلمات الشجية من شعراء متمكنين ، وله طموح وميّزة على غيره منذ بداياته الأولى .يقدم أغانيه لكل الناس ويطلب ملاحظات السامعين ، العارف منهم والذي لا يعرف . كان سهلاً طيب المعاملة، وبسيطاً خالية حياته من التكلُف .يصادق في حياته العامة والخاصة ، ولم يكُن يضرِب حجاباً بينه وبين الناس. رغم أن عالم فن الغناء عالم غريب و مكنوز بالعجائب ، فيه الناس يتطفلون ويدخلون حياة المطربين ، فلا تجد لهم خصوصية إلا بعد جهد جهيد .عالَم لا يقبل من الحلول أوسطها . يومكَ كله للآخرين ،متى عرِفوا أن ذؤابة الإبداع الغنائي حطت على كتِفَك ، وبِنْتَ من بين أقرانِك . )

طار شهابه بغرابة أواخر الستينات ومطلع السبعينات ، ومسَّ قضايا المشاعر الدفينة للعامة من الناس ، في الزمان الذي لا يقف المرء للغناء إلا بأركانٍ ثابتة :آلة الربابة الملونة والموصولة بجهاز مُكبر الصوت للإسماع . كان الزمان حينها لا يرى المرء الجهاز المُكبر للأصوات إلا مع آلة الجيتار. ابتعد عن إيقاع  ( الدّليب ) الذي اعتدناه يزاوج أنغام " الربابة" ، وآثر شعراء من غير منطقته . وخلط فن الغناء الشعبي  بالغناء مع الطمبور .كتب دكتور" وجدي الكردي " منذ زمان أن للفنان أبو عبيدة حسن تسعة عشر أغنية مُسجلة بإذاعة أم درمان . وزملاء جيله : التاج مكي وعبد الوهاب الصادق .. وآخرين. يصحب كل منهم أغنية أيقونة عرفها الناس ومست مشاعرهم .

(3)

كتبت عنه المخرجة والقاصة والصحافية الأستاذة  ( سلمى الشيخ سلامه) في مشاركة لها بملف عنه ابتدرناه عام 2010م في مدونة سودانيزأونلاين  :
العام 2007 ، وفي يناير منه ، جاء إلى صحيفة " الخرطوم  الفنان ( أبو عبيدة حسن ). رأيته رأي العين أول مرة  ، رغم أني أحفظ أغنياته عن ظهر قلب . ومن موجبات تربيتنا الموسيقية ، تربينا على( يا سواقو ليه شِلتُو ) . يوم كان الباص المدرسي أمراً محكوماً بالمجانية ، توفره إدارة التعليم . وحين نمرض أو يمرض أحدنا ، لابد لنا من عيادته والغناء له ( إنتِ تبرى من الألم ، الألم ما لينا نحنَ ) . أول ظهوره كان مع الإذاعي المخضرم الأستاذ ( عمر عثمان ) في برنامجه ( ساعة سمر ) ، وبقي فينا ( أبوعبيدة حسن ) منذ تلك اللحظات . فقد حوّل آلة الربابة إلى كائن من فصيل آخر ، غير الذي تغنى بها خالد السيرة  الفنان ( النعام آدم ) ، الذي  له محبتنا ووفاء لا يُدانى .

(يا نسمة جيبيلنا الخبر)، ما أحلى كلمات انتبه لها، لم تزل كلماتها تتحدث عن الشفافية بين المحبين، ولزمان طويل سيظل (أبو عبيدة حسن) أحد دعامات عشقنا البريء. في تلك الأزمنة كنا نتجادل بغنائه وحوله .ما أن تهل ( ساعة سمر) ، حيث الراديو أحبَ الوسائط ، لم تكن الشاشات الصغيرة قد دخلت حياتنا ،فكان للراديو محبة، نؤثره  لأنفسنا . نجري باتجاهه ، نرخى السمع إلى صوت ( أبو عبيدة حسن )، ممزوجا بفكرتنا عن العشق البريء ،يندلق إلينا أحيانا في مساءات حي ( العباسية ) من الميكرفونات. نتابعها خلسة وعنوة وإذا ما اشتدت حالة الوهج ، نحاول أن نجد مبرراً لخروجنا, لكن خطونا كان  يتعثر بالممنوعات وجارحات الكلمات ، فترتد أجسادنا متعبة إلى الصمت والاستكانة إلي الأسِرَّة و "العناقريب" ،نلتقط صوته الباذخ من على البعد.لذا لم أشهد (أبو عبيدة )عياناً إلا يوم جاء إلى صحيفة "الخرطوم" ،تلك الصباحية.ومع ذلك ظلل حياتي بغنائه الفريد, غناء ممزوج بالمحبة، كلمات تتراوح بين الفصحى والعامية في مزيج فريد. أجوس الآن في غياهب الذاكرة لتلك الأيام في السبعينات ،حيث كان له القدح المعلى في البرامج : (ما يطلبه المستمعون) و( ساعة سمر ).وفي (الأبيِّض)  دائما ما كان بيننا في مسيرنا بين الدكاكين في السوق، والى المدرسة صادحات بغنائه، رغم المنع في الباص صباحاً و( ألفة ) الباص التي كانت تُعلننا كمشاغبات دائمات لمدرِّسة الفصل،وكأن الفنان حاضر ينظر إلى المدرِّسة رافعة ( فرع النيم ) باتجاه أيدينا الثابتة،لأن الجَلْد متعة إن كان سببها( أبو عبيدة حسن ) .

(4)

كان المطرب( أبو عبيدة ) بحق نجماً في ساحة أغاني المناسبات الاجتماعية في سبعينات العاصمة ، التي كان جميع أهل الغناء دون استثناء يتسابقون إليها .حفر بيديه الصخر وكان لوناً مميزاً في فن الغناء ، ترك عسله في  مَنحَل بيوت الوجدان .فهلّا تضامنا معاً ضد الزمان وغدره ،وجور المكان وأهله ، لنزيح حزناً خشناً زمّله وأغلظ عليه .

تبقى دائماً أبيات من أغنية تمس الوجدان كأنها تُنبؤنا بالمصائر أو كونٌ انفجر من الماضي ظل يُلاحقه ويلاحقنا بشظايا الحنين و الشجن :
إنتي تبرى من الألم
والألم مالينا نِحنَ
إلا يوم فاتنا وطِراكي
دابو أصبح لينا محنة

اختار قصائد من  بعض شعراء الأغنية ، منهم ( هاشم صديق ) و ( عزمي أحمد خليل) و (إبراهيم الرشيد ) وغيرهم . من أغانيه : (  نحنا عندنا زيك كم) ( يا عقد الجواهر)  ( يا طير طير) (حنانك وين) (إنتي  تبري)  (فارقوني ( (من أهلنا سافرنا) (مستنيك) (لا تقولي أنا بخدعك)...

(5)

إنه لمن الخير أن نمُد حبل الوفاء ،  نُكافئ من جَمّل وجداننا ذات زمان ، أن نقول كلمات طيبات في حقه على أقل تقدير ، لأن الكلمة الطيبة كشجرة طيبة  . فمن حقه ومن حق كثيرون من الذين خفت صوتهم في زمان جار بأهله ، ولم يكافئهم بما يستحقون من الوقوف معاً لرد الجميل.

(6)

قلبت دفتر الذكرى ، فنبتت أغنية ( إنتي تبري )، وأعدتُ سماعها، فاندلق حزنٌ غريب وأسى لم أعرف له سبب ، وبدأت أسمع الأغنية وأرددها ، فنزل المطر الأسود على أرض الذاكرة. ( أصلو لو ما الدنيا قاسية ، الألم كيفن يصيبِك  (،رق القلب وطرق بشدة ، و أعشى العينين لمعانٌ غريب ،هو أقربُ للبكاء . لا أعرف أن المشاعر تضاربت فقرأت مآسي العشق ،وما حلّ من حزن التفّ هذا الفنان الرائع ،و كيف تحمل عنا وزراً ، وتنفس بمآقٍ تخثر فيها الدمع وهو يحكي ظلمات الهوى وهو يحاول أن ينبُت خضرة  في أرض مالحة بعذايات المحبين.

) الله لا وراك ألم (
لا أعرف يقينا لِمَ حلّت بي أشجان وآلام في النفس موجعة!. إن  الخيط الذي ابتدره غيرنا ، ثم نعيده للحياة مرة أخرى، نتمنى أن يُمسك به مُقتدر له فُسحة في الزمان وله سعة في الرزق ليعيد لنا نفير " رد الجميل " بثوبٍ آخر.
ألف تحية لك سيدي المُطرب المبدع ( أبو عبيدة حسن ) أينما كنت ،فقد أحسستُ بإحساس كاد يهزم كل بشائر الفرح .

عبد الله الشقليني
10/6/2013