(1)
كنت في صحبة بعض الأصدقاء ، ومضى الليل بطوله  وكان الغد عطلة عامة . شاهدت التلفزة ما وسعني من الليل. قرأت اثنتين من الموضوعات في المساء  وكان أحداهما عن رؤى البروفيسور" عبد الله الطيب المجذوب "حول إعجاز القرآن ، قبل أن استسلم للنوم ،  ثم جاء الحلم على غير ما كنت أنتظر . وما كنتُ أحسب أن البروفيسور سيصبح بطلاً لحلمي الجديد ، فقد انقضى ما يقارب العقدين من الزمان منذ آخر لقاء لي معه . ومضى الزمان إلى أن هزنا رحيله من الجذوع عام 2003م . تدثرنا حينها بحزن كثيف عندما تساقطت الأفلاك على كوننا الباكي . واغتسلت أعيننا بدمع الملح .وللرب رحماته لعباده و رفقته بالقلوب الحزينة والأكباد المفطورة ، إذ يأتي عليها الدهر يوماً وتعيد التواصل مع من رحلوا ويصبحوا مع بعضهم في السيرة و الصحو وفي الحلم أيضاً .
(2)
وجدت نفسي في الحلم بجواره جالساً بمكتبه. استطعمت ضيافته الودودة بأقل كُلفة ممكنة .قال إن بين يديه مخطوطة للشيخ" تقي الدين بن أحمد بن علي المقريزي" الذي رحل عام  845 هجرية ، وهي محفوظة عنده وأراد أن يكتب عنها بتوسع  ويريد رأيي في أمر الإخراج. كانت المخطوطة عن( إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع ). قال لي أيضاً  أنه بصدد أن يحقق كتاب " المقريزي" ، وأن يضيف رؤيته حول لغة الكتابة العربية عنده، ما لها وما عليها ، والفروق التي نحتها الزمان في استخدام المفردات . وتحاورنا كثيراً ، رغم أني أعلم أن جوارنا معه في حياته  أيام رئاسته لمجمع اللغة العربية ، لم تزد كثيراً عن الحوار معه عن تشابه شعر أحد شعراء المعلقات بآية قرآنية أوضح لنا أمرها في حينه وبعض القضايا العامة الأخرى. فعلاقتنا الوثيقة رغم دفئها ، لا تُخوّل لنا أن نحاوره في علم اختص هو فيه قبل أن نُولَد ، وأشرف طوال حياته على مئات من رسائل الماجستير والدكتوراه في ذات اختصاصه! ، بل أوسع العربية لغة وشعراً وسيرة وتاريخ وقص ودراسات نقدية وكُتب وأسفار وتفاسير للقرآن منذ خمسينات القرن الماضي و محاضرات وبرامج لا يحصرها عدّ . وما كنت أحسب  إلا أن أكون من المستمعين إلى البروفيسور " عبد الله الطيب " والمتأملين للروح المُبدعة التي لا يهزها قلق ، وأن أكون ضمن زمرة الشاربين من بحره. كلنا يعلم أن من المشاهدين والمستمعين له جمهرة تفرقت بين الأمم التي تتحدث العربية ، لم يحصها أحد .ولكني وجدت نفسي  رغم كل المحاذير في مقام غير الذي عرفته عن نفسي، فالأحلام تصنع العجائب . ففي الحُلم أنه أراد أن يصطفي رأيي ضمن ما أراد ، فهو يتمتع ببراغماتية نيِّرة وتواضع ليس له مثيل . لحظتُها ذات يوم عابر كنت أجالسه لغرض آخر ، واستأنسنا بوجوده وهو يسترسل في السِيَّر. وكان بصحبته تلميذه الشيخ الدكتور " الحبر يوسف "، وكان حينها البروفيسور يستمع لتلميذه يذمّ الأجانب الذين أجملهم تلميذه بالأوروبيين وهو يتحدث عن مكرهم بالأمم المسلمة ، واختلف حينها معه البروفيسور برفق وعدد محاسن الذين سبقونا بالعلم والمعرفة ، وأنه من الصعب أن نكتفي بصفة الكفر لإلغاء تراثهم العلمي والحضاري والإنساني .
(3)
نعود للحلم  الذي كنتُ أراه رأي العين  ,وحديثي مع البروفيسور" عبد الله" ، ورأيي  من أن تحقيق  المخطوط عملٌ منفصل وفق المناهج التقليدية التي نعرف وأن الرؤية النقدية لا أظنها تجتمع مع منهاج التحقيق . وكان من رأيه أن الأمرين ممكنان لو قمنا بتجزئة الصفحة إلى ثلثين للنص مع التحقيق ، وثلث لرؤاه حول القضية اللغوية وتناوُلها النقدي. وكان له رأي مُبطن في اختلاف العربية المكتوبة خلال العصور ، رغم أنه يؤكد أن العربية ليست كالإنكليزية ، وليست لها لغة قديمة ولغة مستحدثة. واتفقنا آخر المطاف على  وضع نظام وجدول يميّز القضيتين عن بعضهما ،و يكون النص مُحقَقَاً ، ويبدي هو رأيه النقدي اللغوي  وتصب الأنهُر في وادٍ واحد .
وإنها لخاطرة لم تكُن في الحسبان أن نلقى الجُمان وكُنا نرغب جرعة ماء !.
(4)
ثم وجدتني في الحلم مرة أخرى في مكتبه وقد اكتمل الأمر بين يديه في سِفرٍ ضخم ، سطره بخط يديه ورقّم صفحاته وكان بسعة تفوق الخمسمائة صفحة  وقد أسماه ( النبي محمد صلى الله عليه وسلم ) . كان المخطوط الجديد الذي دونه البروفيسور وفق الرؤى التي تحدث عنها ، بغلاف موشى بالزخارف والألوان الناعمة والرسوم النباتية التكوين على أطراف الصفحات .
وتحاورنا عن طرائق الطباعة الأجود .وكان أمر الحلم كله في تاريخ  ومكان ماضٍ ، لم تكن الطباعة الرقمية في ذواكرنا أو في حياتنا . وقلت له إن السكرتارية ستقوم بالطباعة ، ولست أدري بشأن تنوين الحروف وتشكيلها، لأنها صناعة شاقة لا يقدر عليها إلا المختصون . واقترحت عليه أن يطبع وينشر الكتاب في مصر، وأن يقوم بتصوير نسخة من الكتاب وحفظ الأصل لديه وأن يختار هو من تلامذته مُدقق لغوي لمضاهاة الكتابة اليدوية مع المطبوع اللاحِق ، كي تخلو الكتابة من عيوب التصحيف أو الإملاء أو السهو، وألا يشغل نفسه إلا بمراجعة النسخة الأخيرة . واتفقنا . وكنتُ أكثر ما عجبت له هو مكانتي عنده في الحُلُم والود الذي غمرني به وصفاء نفسه، كأني تلميذه الأخَصّ أو صديق دربه، كأني جلستُ حلقة التلمذة الرفيقة التي يتوادد الطلاب  فيها مع معلميهم ، ويتصاحبون في صداقة  تمتد مدى الدهر ، ليست كتلك التي كانت بيننا أيام حياته .كان في حياته  يتوقف كثيراً عند التفاصيل أيام كنا نلتقي معه في عمل ما ، وكان يتعجل التنفيذ ، فساعته دقيقة لا تتوافق مع الرخاوة التي هبت نسائمها منذ رحيل المُستعمِر. وحين وَجَدَنا نُلين حين يشتدّ هو في الطلب ، أصبح جليساً بيننا ، يقبلُ منا الحكاوي تتداعى ، ويستريح وهو يوجز لنا أطرافاً من قصص الدهر الذي أخنى على لُبدِ. ولولا جوار مكاتب عملنا قرب " مجمع اللغة العربية " حينذاك ،لما كنتُ اقترب من هذا النيزك اللامع . ولولا رغبة شقيقي الأصغر " خالد " في إعداد رسالة الماجستير في الإعراب، لما جلست معه ذات يوم ، ذلك المجلس العلمي مع تلميذه الآخر الدكتور " جعفر ميرغني " وتبارى الإثنان حول شيوخ الإعراب اللُغوي وصناديد العربية من علماء أجلاء من مدارس الإعراب التي تتفق في الكثير وتختلف في القليل ، وكنت الجالس إلى المائدة الدسمة أسمع ولا أشارك ، وشقيقي يدون الملاحظات .
(5)
أعادتني تلك لقصص كثيرة  كنا نسمعها عن سيرة "عبد الله الطيب المجذوب" . ربما يتعجب كثيرون حين يعلموا أن الناس كانت تقول إن البروفيسور هو قطب من أقطاب المتصوفة. بل أننا قد سمعنا أثناء حياته أن زواجه من السيدة الفاضلة (جريزلدا ) ،كانت ستراً له من أضواء التصوف المتوهجة وغطاءً له في حياته من نزوات الكرامة الصوفية حين تأتي بلا ميعاد . كل ذلك تجده في السيرة الشفهية المُتداولة بين الناس . كان للبروفيسور الحضور البهي والغموض الوضاء والتعليقات اللّماحة ، وكاريزما تمحو صورنا جميعاً عندما نتحلّق حوله نتسمّع أقاصيصه . وأذكر أننا عند إعدادنا التكلفة التفصيلية لإعادة تأهيل " مجمع اللغة العربية " وكان هو رئيسه في بداية تسعينات القرن الماضي ، أخذ المستندات  بيديه وغادر ، ثم عاد بعد ساعتين ومعه تصديق " وزارة المالية " ، عندما كانت الوزارة هي الأم القابضة على أمر المال في الدولة . فأطلقنا عليه اللقب الذي نُسرّه  بيننا في مكاتب الدولة عندما يحضر :
" حضر صاحب الخطوة  "

عبد الله الشقليني
6/6/2013


abdalla shiglini [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]