عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تراجع الدولة السودانية إلى سلطنات ما قبل التركية

هذا هو الكابوس الذي تجسد واقعاً ملموساً .

(1)

في ظل الدولة الشمولية الثالثة من بعد الاستقلال ، وخلال أربعة وعشرين عاماً  وما أحدثته من تغير  وهدم لقواعد الحكم ومؤسسات  الدولة ، ومن محاولتها تجريف الحياة الاجتماعية  والاقتصادية والثقافية والقانونية والأمنية ، ومن هدم الترابط الاجتماعي في أشباه المدائن و الأرياف ، وما أحدثته من قمع وقتل وترحيل وإعادة توطين وتغيير نظم حياة أهل الريف ، وسحب كافة خدمات الدولة من المواطنين ، بدأت الأرض تتشقق ، وتظهر الممالك والسلطنات القديمة ،ما قبل غزو التركية السابقة عام 1821 م . ها هي الممالك القديمة تنهض هياكلها العظمية من سباتها وتكتسي لحماً. ها هي الوطنية قد أحنت ظهرها وتراجعت الدولة ذات الحدود إلى دول القبائل والعشائر.
لقد علمنا من قبل كيف تطور الاقتصاد والمجتمعات في أوروبا منذ عصور النهضة ، عندما برزت الطبقات المتوسطة ، وبرزت الدولة الرأسمالية الحديثة ، بل ورأس المال العابر للقارات منذ أول القرن العشرين .وصارت الدنيا اليوم شبكة واحدة ترتج وتنهض وتنحسر وتغنم وتخسر وتتألم وتفرح وتتفاعل في منظومة عقدية متماسكة ، وصار العالم الآن قرية . وصارت للبشرية قوانين وأخلاق غير ما عهدنا في أيامنا الماضية . ويحاول رأس المال الجديد أن يتصيد من وراء القوانين الإنسانية ومن خلفها ليحقق مصالحه عبر منظومات أجهزة الاستخبار  من الخفاء .
فأين نحن من كل هذا العالم ؟
إن للردة إلى حياة السلطنات منذ مائتي عام والعودة لحياة الأسلاف ، لها اسابها. آن للعظام والجماجم أن تنهض من القبور ، لأن عوامل قاسية جائرة أطلت بالعداوات الموغلة في إصابة الأجساد والضمائر والنفوس والقهر وحرق القرى وخراب أشباه المدائن ، من أجل شهوات حفنة من البشر ، موتورين تسلقوا السلطة بليل تنظيمهم السري الظلامي ، يقودون سفينة بلا ربان . بل عصبة من القراصنة لا تعرف شرعاً يحتكمون إليه ، ولا خلق يردعهم ، ولا المصاحف التي حملوها على أسنة رماحهم قرءوها أو عملوا بأصل الدين المعاملة . كل منهم يرغب مغنماً والموج يضرب والغرق المحتوم ينتظر سفينتهم التي سوف تغرق معها بقايا دولة وبقايا بشر  .
قبل غزو التركية السابقة ، كانت ( مملكة سنار ) تمتد من جنوب النيل الأزرق إلى منطقة  الشمالية  ، تقتسم سلطتها بين "الفونج "و"العبدلاب" ،في منطقة تعرف اليوم بوسط السودان الحالي الممتد  من جنوب الجزيرة إلى النيل و الشمالية ، ونعلم الآن ما يحدث فيها. وكانت ( مملكة المسبعات ) القديمة في منطقة ما تعرف اليوم بكردفان ، ونعرف ما جرى لأهلها  . و ( سلطنة الفور ) تشمل ما يعرف حالياً بدارفور ، ونعرف آلاف القرى المحروقة والقتلى والمشردين ، بل كل الدنيا تعرفهم . و ( مملكة تقلي ) وتشمل مناطق جبال النوبة وسهولها حالياً ، ونعرف جميعاً أنها مَسقط الراجمات العشوائية . وكانت ( الممالك النيلية ) هي المناطق التي تقع جنوب تلك الممالك الثلاث ، وهي ما تعرف بدولة جنوب السودان اليوم  التي فقدت ما يُقدر بمليوني نسمة خلال عقود من الحروب ، لما تزل مستمرة !.
يمكن للناظر من علٍ  لمشهد الوطن الممزق الآن أن يشاهد تكوُّن تلك الممالك على الواقع و الأرض !. كل الضباب الذي تحاول الحركة الإسلامية برجالاتها أن تنشره، هو في حقيقة أمره مُخيّلة هلامية متضخمة يسمونها الحكم "الفدرالي الشمولي" ، صارت عرضاً غائماً  ليس له من حقيقة في الواقع والأرض . أعاد الخوف تلك البقاع النائية  إلى سلطان العشيرة والقبيلة  وانحسرت الدولة، بل عاد التاريخ  سيرته القديمة التي انقضت ، وبعثته الإنقاذ من جديد ، في تجريب سياسي فاشل ، أسقط الدلو وحبله في جوف البئر وانتشرت المآتم .وبألف سبب وسبب، يموت المبدعون .

(2)

من الذي أعاد تاريخ السلطنات مرة أخرى إلى الحياة  ، ومن الذي أقام هذا التاريخ من سباته العميق ؟!
إنه دون شك الغلو والقتل والترحيل والإحلال والهدم والتمكين باسم أيديولوجية حملت المصاحف على أسنة الرماح ، فلم تُبق وطناً يلملم أشتاتاً ولا زرعاً يقتات به الناس . ارتدّت الجماعات من الدولة الوطنية إلى دولة العشائر والمستوطنات والممالك ، لتعيد للبشر مخابئ الكهوف القديمة سكناً وملجأ . وتخرج  الدولة من لعبة الأمم وتنعزل عن الإنسانية .ويعود  التاريخ  حياً يسعى. في وقت تتناقض تلك الوقائع مع ما يقول به التطور المنطقي لقوانين الحياة ،فإن أيديولوجية البتر والقتل هي التي أوعزت للجميع أن يعودوا أدراجهم ويحتموا بالقبيلة والعشيرة من جور الذين يحملون أسلحة السلطة الغاشمة ، ولا يؤمنون بالوطن أو الوطنية ، بل يؤمنون بحقوق جماعات لا يجمعها إلا الإرهاب لتنفيذ جرائمها في البشر وتمزيقها للأرض ومصالح المجتمعات باسم الدِّين ؟!.
من وسط غبراء الردِّة ، لما تزل تتخلق رؤى جديدة  يحملها أقوام ، لم تزل في طور التكوين  تنتظر السّبك، تسعى بكل قواها لتعيد الوطن من غيبوبته إلى الحاضر رغم كل الذي حدث.

(3)

نحاول أن نلقي الضوء على مؤشرات الردِّة إلى عصر الممالك القديمة ، ونقطف ما يعيننا في تبيان المصائر، مما كتب الصحافي المخضرم : "محجوب محمد صالح "في مقاله (بلغت أزمة السودان ذروتها ولا بدَّ من حلٍ عاجل) بتاريخ 28 مايو 2013م! :
{ قضية جنوب السودان بدأت فجر الاستقلال بنفس الصورة التي انفجرت بها قضية دارفور لاحقاً
وقضية الولايتين تسير على نفس الدرب ،وما لم نصل إلى إعادة ترتيب الدولة السودانية في نظام حكم ديمقراطي يستوعب كل التطلعات المشروعة لأهل الهامش في المشاركة في السلطة والثروة والخدمات ومشاركتهم الفاعلة في صناعة القرار الوطني وحكمهم الذاتي لمناطقهم على أساس من العدل والإنصاف والتنمية المستدامة المتوازنة، ما لم يتحقق ذلك كله عبر حوار وطني جاد وشامل فلن يستقر حال الوطن وستظل مهددات الحروب الأهلية وتشظي الوطن قائمة، ومن المؤسف أننا ما زلنا نسمع أصواتا وأفكاراً ودعاوى لحسم الصراعات السياسية عن طريق العنف والقوة العسكرية سواء كانت عسكرية التمرد أو عسكرية السلطة. هذا نهج لا يقود إلا لاستدامة الحروب ومهددات التشظي والانقسام ،وما درس الجنوب ببعيد فقد قادت تلك السياسات ليس للانفصال فحسب بل إلى التهديد بالعودة إلى الحرب.}
الرابط :
http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=54322:2013-05-28-19-17-10&catid=95:2009-01-10-09-39-03&Itemid=64

(4)

ونحاول أن نتصيد مما كُتب في أواخر الستينات من القرن الماضي ، وللدكتور "منصور خالد"  رأي ورد في صحيفة الأيام 22/1/ 1968 م ،و في سِفره ( حوار مع الصفوة ) ص 126-127  :
{" ما كنا لنثور لو لم نكن نحلم "
أقول إن الطائفية أو القبلية كأي كائن اجتماعي لها قانونها ونظمها وأخلاقياتها ، فهناك التسلط الفردي في القيادة وهناك الطاعة المطلقة في القاعدة ، وهناك الامتيازات للزعيم أو الشيخ ، وهناك التكافل والتآزر الاجتماعيين التابعين بيد أن القيادة – لاسيما القيادات الطائفية – كانت قيادات خُلقية ولذا لم تلجأ في معاملاتها مع أنصارها إلى الدس والمخاتلة والتمويهات . وكانت الزعامة زعامة أبوية ،فهي بالضرورة زعامة عادلة بين الأبناء ، لا تلجأ لفرض سطوتها و سيادتها إلى ضرب البعض بالبعض ، وكانت الحدود بين الطوائف حدوداً واضحة المعالم، لأن هناك أسساً فكرية ووجدانية معينة تحدد لالتزام الطائفي .
وبمولد الدولة العصرية وبروز القيم الجديدة ، كان لا بد للطوائف أن تختفي ، وكان لابد للقبلية أن تختفي كمؤسسات سياسية مناسبة ، وكان لا بد من خلق أجهزة سياسية عصرية تناسب متطلبات الدولة الحديثة ، فكانت الأحزاب . ولكن عقم الفكر السياسي جعل من هذه الأحزاب إطاراً عصرياً لتجمع طائفي . أصبحت الأحزاب السياسية امتداداً للصراع الطائفي والقبلي القديم ، أصبحت واجهات للطوائف ، وهو أمر ما كان ليتم لو كان هنالك فكر ، ولو كان هنالك إبداع ، ولو كان هنالك إدراك علمي لطبيعة المجتمع ولأحكام العصر }

(5)

نعلم فساد الشمولية والدكتاتورية ، وهذا لا يجعلنا نقبل بالنظام الديمقراطي السوداني بعلله . إذن يتعين أن نحفر في المسلمات بآلة الفكر المبدعة لصوغ ديمقراطية تناسب أهل السودان وشعوبه . أما الديمقراطية على نسق "وست منستر " فهي  دليل كسل ذهني عن العمل على مواءمة الفكر الإنساني مع متطلبات البشر والأرض ووقائع الجغرافيا والتاريخ ، أو التخطيط ما يناسب  . لقد كان دستور السودان مثلاً في يناير 1956م ،هو ذات دستور الحكم الذاتي الذي أعده القاضي " ستانلي " ولجنته المعروفة . والذي حدث قرب إعلان الاستقلال ، أن فوّضت الأحزاب لجنة ضمت ثلاثة أعضاء لتعدل دستور القاضي الإفرنجي ، فاجتمعت في يوم وبضع يوم وخرجت بدستور أعملوا فيه ثلاث تعديلات : استبدال الحاكم العام ولجنته بمجلس السيادة وإحالة سلطاتهما إلى رئيس الوزراء أو مجلس السيادة أو رئيس القضاء وفق مقتضى الحال . وتعديل  آخر يتناول مشكلة الجنوب والنص المعني بدراسة أمر " الفدريشن " عند وضع الدستور النهائي . وتعديل بإلغاء النص القاضي بتحريم العمل في المحاماة لقضاة المحكمة العليا ، وتعديل آخر بإلغاء النص القاضي بتبعية مسجل الأراضي العام للهيئة القضائية .
لم تكن وراء ذلك روحٌ مبدعة ، أو فكر ثاقب . بل ملاحقة الزمن بأي عمل كسول . ولم يُخطط  لديمقراطية تناسب أهل السودان. ومن عيوب الديمقراطية  التي ترتدي ثوب الديكتاتورية،  أن رئيس مجلس الوزراء المنتخب من البرلمان  يستطيع أن يعين حكام الأقاليم مثلما هو الحال  أثناء الديمقراطيات الثلاث كلها ، فيعين  هو حكاماً لأقاليم بحجم دول، دون أية وسيلة ديمقراطية ! ، في حين أنه من المناسب انتخابهم بواسطة شعوب مناطقهم. وأن تكون مؤسسة رأس الدولة هي مؤسسة تبيح تمثيل الكيانات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي يتكون منها السودان بأطرافه الخمس لتزيل غُبن الأرياف  ، لا  أن تكون كراسي يتنازع عليها حزبي الائتلاف فيتقاسماها ، ويتركان للجنوب مقعداً ! .
أما أزمة النظام الشمولي للإنقاذ اليوم فقد أثقلت كاهل مواطني وشعوب السودان جميعهم بالإرث الدكتاتوري  الثقيل ،ومن التضخم الإداري وإنشاء آلاف الوظائف  للبرلمانيين والمحافظين وحكام الأقاليم والوزراء الإقليميين ومستشاريهم و ترهل البرلمانات الإقليمية و الاتحادية، وكم من الوزراء الاتحاديين بهياكلهم الإدارية والخدمية ، بما لا يتناسب جميعه في المحصلة النهائية  مع دولة فقيرة الإمكانات كالسودان ، حتى هزمت الضرائب بين الولايات كل خطط التنمية والتطوير . ولم تستطع  الدولة الزراعية الرعوية  الأولى أن تستثمر مع جور الضرائب ،مما جعل  من الزراعة والصناعة مؤسسات غير جاذبة ،بل طاردة ،ولا أفق لتطويرها تقنياً   بما يتناسب واقتصاد العصر ،وفق العلوم الميسرة للنهوض والتطور مثل كل أمم الدنيا .

إن الفكر والتخطيط هو سابق للعمل الناضج الذي يهدف أن يقود البلاد بتحدياتها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والبشرية وكافة مناحي الحياة .وإن الزعامات التي لا تملك الأحلام الكبار لوطنها إنما هي زعامات فاشلة ، وقد انحازت الطائفية وزعماؤها آخر المطاف وبكل أسف  إلى جانب من أجرموا في حق شعوبهم . إن الأيديولوجية الحاكمة وأصحابها  من القتلة والفاشلين والمفسدين ، قد آن لهم أن يذهبوا مع الخراب الذي أورثوه الأرض والاقتصاد والناس  ، أما السموم في أخلاقيات البشر فهي المعضلة الكبرى التي ستظل باقية، ولو رحل الجناة ورحلت سلطتهم .
المراجع :
-    كتاب " حوار مع الصفوة " دكتور منصور خالد ، م1968.
-    "كتاب فترة انتشار الإسلام والسلطنات "، دكتور قيصر موسى الزين ،1998 م .
-     مقال (بلغت أزمة السودان ذروتها ولا بد من حل عاجل!!) محجوب محمد صالح،2013م .

عبد الله الشقليني
3/6/2013