(1)

لا تسير الدنيا كما نُحب ونهوى . إن المجتمعات كنوز لا تنفتح مغاليقها إلا بالصبر على المعرفة ، وتتبُع خطواتها التي تأتي متخفية، كأنها تسرق أسباب وجودها من حياة الناس ، أحزانهم وأفراحهم . نعرف المجتمع عندنا منذ هجرة الإسلام منذ قرون إلى أرض السودان ، وتغلغله في حيوات بعض الشعوب السودانية . مدت العقيدة المهاجرة حبل الصبر ، وأحنت صرامة بداوتها لرياح المجتمعات كي تستأنس وتعيش بينهم . تآخت لحين مع الأعراف  . فكان الرقص والغناء عادة يومية تخفف من غلواء الحياة ومشقتها ،تنظرها العقيدة بمنظار التسامُح إذ إنها الوافدة فلا سبيل لها غير التَّواد والمصاهرة، فاستولدت نهج المتصوفة .                                               
رويدا.. صار للحياة وجهان ،التقيا دون أن يتآلفا . وجه متزمِتْ صارم  ، ووجه منبسط  الأسارير. وحين تسلقت العقيدة إلى مرتفعات السلطة ،انزوى الوجه الآخر وتستر ، فقد صارت للعقيدة سلطة صارمة من جَاه الملوك ، أخلّت بموازين الصراع . أخافت العُرف فتدثر في الظلمة . لا ينكشف إلا في مناسبات الأفراح من أعياد الحصاد أو الختان أو حفلات الزواج أو ميلاد الأطفال  أو ذكرى المولد النبوي الذي تزيَّن بزينة أفراح الشعب وغمرته أهازيجها  ، وكذلك حال حفلات " الظأر " و هو الوسيلة الشعبية للعلاج من الهستريا وكآبة الحياة .                                                                      

(2)

قبل  اللوثة الدينية والقسوة  الشرسة  لأصحاب مشروع الغلو الديني ووثوبهم للسلطة ، كانت الحياة تمد جسورها لمن يرغب . ذاك المسجد ، وهنالك على الطرف القصي " الإنداية " وفي السوق السينما و" البار " والمسجد الكبير . وفي مناسبات الزواج كانت العروس ترقص شبه عارية في  العاصمة وسط عامة المبتهجين حتى  الأربعينات والخمسينات والستينات ، ولا أحد يتحدث عن موازين التًقى والانفلات في رؤية هذا المسلك .                                                                           
يعج التاريخ بملف ثري بتراث الشعوب السودانية حاول الأصوليون  التكفيريون بعد صعودهم للسلطة أن يمحوه من ذاكرة الشعب ، بعد أن صادروا حق الشعوب في الفرح ، كيف يكون وكيف يتم . وجاء الجلد والقطع والقتل في صُلب القوانين ضد ممارسات اعتادتها الشعوب ، فغابت الحياة الحرة منذ سبتمبر 1983 م ، وبدأ الغلو في مرحلته اللاحقة يصعد عتباتٍ جديدة منذ 30 يونيو1989م ، وغابت الأجيال الناهضة بالحريات الطبيعية .                                                                          
نفتح اليوم نافذة لأكسيد الحياة الحرة ، ومن صفحات المجتمع قبل الهيمنة الظلامية التي جاءت  بالمشروع الديني التكفيري المتشدد الذي فرضته المنظمة العالمية للجماعة  وأضحت تقاتل دونه الأمم .                                                                            
(3)

نعرف أن حياة المجتمعات ليست كلها مضاءة لنعرفها . ففيها أقبية وكهوف عصيةٌ على المعرفة . كان الجنس الثالث واحداً من تلك المعضلات التي يستحق أصحابها الحياة ، سكت المجتمع عنهم في السيرة والطبيعة المزدوجة  . فكانت لهم بيئتهم في الطرف الآخر من الدنيا لا يعرفها العامة بسهولة ، ولكنهم لا يغيبون عن المشهد المجتمعي ، بل يشاركون الحياة وفق رؤاهم . ينعمون بحياة أخرى غير التي نعتاد . وللمجتمع وجه من أوجه القبول ، قبل أن تنهزم حياتهم بعد الهجمة الأصولية التي هدمت التسامح مع سبق الإصرار الترصد .                                         

كانت أم درمان الخمسينات من القرن الماضي  وطناً ينام على الضفة الغربية من النيل العظيم ، صورة حياة بين الأعراق المتسامحة في سالف العصر والأوان . رسمها التاريخ وقد حفر في جسد المدينة- القرية  كل تفاصيلها، حين كانت عاصمة الخلافة المهدوية ، ثم انتقلت أم درمان منزوية من بعد الفتح الانجليزي المصري .و حين مضى الزمان ، و ركض غُبار المعارك . بدأت الحياة سيرتها من جديد .                                                           
على أطراف أم درمان ووسط أشباه المدائن التي نشأت حولها،لم تزل الأغنية الشعبية هي التي تسود . أغنية "السباتا " وأغنية " الدلوكة " أو " أغنية السيرة " وإيقاع " التم تم "  في ثلاثينات القرن الماضي  ، كانت رغم التنوع الثقافي للألسُن والنغم  هي السائدة في أفراح العامة والخاصة ، وقد حاولت أغنية ما تسمى  بالحقيبة أن تُجاري جاذبية الأغنية الشعبية ، فأبدع الشعراء قصائد ارتدت إيقاع التمتم ، تتنسم الذوق السائد ولكن بلغة جديدة .

( ود الهادي ) صورة هلامية التقطناها من تلك المشاهد الاجتماعية ، التي هي في حاجة لإلقاء الظلال عليها ، نُجلي النظر في تفاصيلها بمشاعر متسامحة :           

(4)

رفع "إبراهيم "والد " حميدان " و جدّ المختون " نصر الدين " صوته بالحديث وسط جمهرة من أصحابه ، وكانت له معرفة بأسرار العقائد وغرائب الأحاديث :             
( روى البخاري  ومسلم  عن أبى هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - (اختتن إبراهيم عليه السلام بعد ثمانين سنة، واختتن بالقَدُّوم )         
ضحك حاج أحمد :                                                                 
-  بالقدُّوم يا حاج إبراهيم ؟ !.. لا إله إلا الله محمد رسول الله !!                    

(5)

لست أدري كيف بدأ التفكير في اختيار ( ود الهادي ) دون سائر المغنين والمغنيات . فعلمتُ أن النساء قد تجمعنّ  في بيت أم " نصر الدين " ، حيث أن " ود الطهور " هو ابن " حميدان " الميسور ، ويمكنهنّ أن يفرحنّ كما يردنّ ، فهو الابن الأول من بعد خمس سنوات في انتظار أي مولود يُطلّ ، فكيف لا يجلبنّ " لبن الطير " !! . ذهبنّ في سياحة غريبة ، في الكهوف والأزقة البعيدة  ، ودخلنّ مساكن ليس من السهل الدخول إليها . وكان المطلوب صعباً ، فلـ (ود الهادي) طلبات كثيرة ، وتفاصيل من مواد التطيُّب والزيوت الطيارة ، والخرز والعقود والحرير والمال، الذي لا يقدر عليه إلا أصحاب الميسرة . وهكذا تم تدبير الأمر وتم تجهيز الولائم بما تناسب . ولم يستطع " حميدان " والد المختون أن يتدخل في التفاصيل فهو فرِح بمناسبة الختان.                                                                       
(6)

العصر وعند هبوط الشمس مستديرة ، كبيرة الحجم ، برتقالية اللون . رتل من الشباب والنسوة والأطفال في سيرة ود الطّهور ( نصر الدين ود حميدان ) . الأرض مبسوطة برخاوتها ، طين لبِن وقشرة حمراء من " الرقيطة " الأمدرمانية  تكسو سطح الطريق . أم الحسن تُمسك الدف على كتفها الأيمن ، والعمة " ميمونة " تضرب عليه بإيقاع فخم رخيم ، تهتز له الأجساد . ( ود الهادي ) في الأمام يغني ويضرب على الشتم . الدف الغليظ الضخم يحاور طفلة " الشَتَم " . " ود الطهور " مرفوع على الكتف وقد تزين بقميص مصنوع من " الكرب " الأبيض بنسيج  يشف عما تحته . على تاج جبهة الطفل عصابة حمراء في وسطها " هلال ذهبي " لامع . الحناء تكسو اليدين والأقدام .صدره مزينٌ بالمسابح والعقود من كل لون وطيف . الحرائر الحمراء مربوطة تزين اليدين . يحمل " السوط " يهزه وسط الزغاريد .                                               
يرتفع صوت " ود الهادي " بالغناء :
الليل ليل العديل والزين
الليلة العديلة ويا عديلة الله
طلَعَتْلُو الشمس مَا وَدَّرُو نِهَارو
فوق كُرسي النباتا اخُوي لَوا حكَارو
........
لفيف من النسوة يرتلنّ المقاطع الغنائية . الإيقاع صورة خضراء مبهرجة . أبناء وبنات الطريق يتقاطرون من كل حدب وصوب للمشاركة، روافدٌ تصب في النهر . يرزم الصبية  بأرجلهم ويحمحم الرجال . العصي تنطلق نشوانة في عنان السماء  على إيقاع " السيرة ". الغبار يصعد من بين الأرجل يخفف من زرقة السماء .                    
( ود الهادي ) بجلبابه المصنوع من " السيتان " الأبيض الأملس اللامع . و" طاقية " بيضاء  تغطي الرأس . على كتفه شال أبيض مُزركش . على رقبته عقود ملونة قرمزية وحمراء وخضراء داكنة وسوداء. مع الإيقاع يتقدم بصدره ، متحركاً وراقصاً من الخصر والصدر المكتنز والرقبة في رقص الحمام . صدره عالٍ ومؤخرته الضخمة وجسده الممتلئ يتراقص ذات اليمين وذات اليسار ، والعقود تلتف من حول عنقه في جلال مهيب . فنٌ لفح أفراح الزمان ، وغطس في بركة محبة ، لا يدري الجميع كيف تأتت لهم. لم تقدر أغنية الحقيبة القوية الساعد ولا ما تسمى بالأغنية الحديثة أن تزيح هذا الطقس الغنائي الراقص من مخيلة الأفراح ، فقد كان ( ود الهادي ) ممسكاً بقلوب متنوعة المشارب ومتفاوتة الأعمار والزكائب المجتمعية ، ولكن للوجدان شأن في إعادة اللُحمة لتلك الطبقات المتنافرة ، حين يرتفع صوت المغني :                           
أنا يا ناس الله ليَّ الليلة
البرش حضروهو
الفراش ختوهو
والعريس جابوه
للحِنة قعدوهو
أنا يا ناس الله ليَّ الليلة
.......

(7)

تسمع فرقعة السياط وسلطان العِصي  حين تتبارز في لعبة " الصقرية " المشهورة في أم درمان . الزغاريد تشق عنان السماء ، والفرح والحبور يأخذ بوجدان الجميع . يتوقف الجمع حيناً لالتقاط " الشبال " من النسوة . تجد من ثياب النسوة " أبو قجيجة " و " خط الاستوا "  ومن تحته قمصان" القرمصيص "  اللامعة تلمحها متدلية من تحت الأثواب . وثياب "زرقاء وخضراء وحمراء  ملونة  " للنسوة  اللائي طعنَّ في السن . وأخريات   فرائحيات الملبس. هنَّ في زهر الشباب .  مباخر " الصندل المغموس في الطيب " تتوزع بين الجميع . وتلفحك ريح طيبة تُجبرك أن تدلف إلى الطقس الفلكلوري  لتكون واحداً .                                                                             

(8)

من بعد الغروب توسط ( ود الهادي ) باحة البيت الفسيحة . جلس ثلاثة من النسوة وقد طعنّ في السن . خضراوات وفق الأوصاف المحلية للبشرة الآدمية   ، يلبسن " ثياباً زرقاء داكنة . جلسنَّ في مقاعد خشبية قصيرة منسوجة بالحبال . وأمام إحداهُنَّ " طست " مملوء بالماء وعليه عدد خمس من أكواب مفرغة من ثمرة  " القرع ،كانت تستخدم كآنية شراب ، لكنها اليوم مقلوبة على ماء الطست وإحدى الجالسات للطقس  تضرب عليه فتنطلق الأصوات كفقاقيع صوتية كتومة ، يسمونها " عزف الدِنقِر" . هنالك دُفّين يضرب عليهما اثنان من النسوة الأُخريين. ( ود الهادي ) واقفٌ في منتصف الحلبة يحمل " الشتمّ " يضبط الإيقاع والكورال الغنائي للنسوة ن بعده .  التفّ الحضور في حلقة كبيرة  . وأفسحوا مكاناً للنساء في رقص الحمام .  
النسوة ذوات الشَّعر المنسوج ضفائره ، دقيقة تتدلى من وراء الكتوف . وعند الرقص يكاد يلامس إلى الأرداف ، في هيبة عظيمة لا تضاهيها إلا الزغاريد المنطلقة في الفضاء . تسمع لأول مرة كيف يستعيد الماضي السحيق طلاوته وطقسه المهيب. إيقاع السيرة وإيقاع الدلوكة وإيقاع التُم تُم ، وتسمع أغنيات تُشابه أغنيات " طقس الزأر " ، ونغمات حبشية الهوى والمِزاج . القرية المدينة ، وقد استعادت الغناء القديم الذي كانت تعرفه أم درمان في حواريها وأزقتها منذ سالف العصر والأوان .                              
رجال في الخمسينات من أعمارهم .  برزوا للساحة راقصين ، والعصي تضارب بعضها ، وعيون  أخرى حمراء تتلصص وبعض الشفاه  تتلمظ ، وهي تنظر الجنس الثالث  في تكوينه الجلي في شخص ( ود الهادي ) وقد كسته الروائح الخلاسية برجاً جاذباً في هيبة المكان ، وقد تبدى بَهْرجه ، وصوته ذو النغم الطروب  الذي يعلو حينا وينخفض تارة أخرى . يجيد مواضع النزوات والغنج من كلمات الغناء . فترى أنت وجه آخر من الوجوه السرّية التي لولا مناسبة " الختان " لما عرفت أين كانت هي مختبئة  .

(9)

ويبدأ أغنية ( حليل موسى ) التي يعتقد  كثيرون أنها من أغنيات  مرحلة متقدمة من عصر دولة الفونج وربما من عهد الملك " بادى أبودقن" الذي حكم سنار (1645-1680 ). ويعرّج ود الهادي " في نسيج  آخر مختلِف ألوانه ، يختار من أغنيات الزمن السالف و من الدولة السنارية  من أغنيات الشاعرة " شَغبة المرغومابية ". وعرّج " ود الهادي " لأغنيات مدخل القرن الماضي عندما كانت " كبوشية " نجمة الأغنية الشعبية من بعد الطمبرة . ومن قصائد "ود الفكي " من كبوشية بدأ الأغنية :
عشبة البانة الماحت أغصانا
في جوفي وَاجة نيرانا
الخَواص والعوام يخشو في شانا
زهرة الورد المروي بستانا
.......

(10)

وبعد استراحة قصيرة ، عرّج على أغنيات الحقيبة الأولى ومن شعر المساح  تغنى  ،ثم انعطف " ود الهادي " على الحرب الكورية ، حين امتدت ، وتمكن الغناء المبدع أن يحيل البطولات في حرب الخمسينات المشهورة  إلى أغنية شعبية، تدخل بانسياب إلى " أغاني السباتا" :
الله لى كوريا أنا مِن  شباب كوريا
كوريا جات تتنى أنا زي فِريع الحنَّة
الله لى كوريا أنا مِن شباب كوريا

من الصعب أن تمُر ذكرى ليلة الختان تلك ، دون أن تحفر تفاصيلها في الذاكرة ، لأن فيها رحلة للماضي البعيد القريب ، الذي نسيه من سجلوا التاريخ السياسي ،حين أغفلوا التاريخ الاجتماعي الثقافي للبشر.

عبد الله الشقليني
يوليو2010
عبد الله الشقليني
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.