قرأت مقالاً في المجلة الدورية( كتابات سودانية ) تحت عنوان ( العقل المتأسلم، جرثومة في وعي الثورة) لكاتبه " مجدي إسحاق"، ونقطف من المقال:
{ تطابقت إرهاصات جرثومة ربط المظهر مع الأداء والانحياز لقيم العدالة، فانطلقت تنتقد عدم لبس الحجاب عند بعض كوادر السلطة الانتقالية، والمؤسف أن جرثومة العقل المتأسلم أوقعت الثوار في مَصيدة الدفاع عن قادتهم بالحديث عن أخلاقهم، وصَلاتَهم وصومهم، وهم لا يدرون أنهم قد أعطوا هذا الوعي الزائف شرعية، واعترافاً بمشروعيته، وحقه أن يكون جزءاَ من الصراع الفكري مع قوى الجمود والتحجر، مستعملين أدواته الصدئة نفسها، مُأمنين بذلك أن المظهر دوراً بنيوياً في عملية التغيير الاجتماعي، لذا فهو مؤشر لنجاح هذا المسئول أو فشله في المهام الملقاة على عاتقه. فالثورة وإن كان هدفها تغيير التركيبة الإدارية لجهاز الدولة و هيكله ، و لكنها لا تكتمل حلقاتها إلا إذا صاحب هذا التغيير تحوّل في المفاهيم يتناسب مع قيم العدالة والحرية. إن المستوى الفكر يتمثل في زرع قيم الوعي الحقيقي والاستنارة.}

(2)
لم يكن الوزير " بدوي مصطفى " وحده الذي عرّب الدراسة الثانوية في السودان عام 1965
وأشاع سلاح( الأسلمة والتعريب)، ووحده من بدأ جرثومة (الأسلمة والتعريب) وشوه الديمقراطية التي خربتها الطائفية، بل تبعه " محي الدين صابر" وزير التعليم بعد انقلاب مايو 1969، حتى جاء الإسلاميون بعد مصالحة نميري عام 1977، وتم إدراج شريعة نميري الدينية الهوى والمصير، التي لم تستطع الطائفية ( 1985- 1989) من إلغائها، لأن الطائفية تعيش في كنف العقيدة السياسية، وتتغذى بالسلفية التي أشاعها المجتهدين في عهود الانحطاط، حتى صعد الإخوان في 30 يونيو1989، وأقاموا سلطتهم ( التعريب والأسلمة) في تعريب التعليم الجامعي وأسلمته بإدخال الدراسات الإسلامية من السلم التعليمي إلى قمته: الآداب والقانون والاقتصاد والعلوم، والطب والهندسة وغيرها. بدلاً عن التطوير، العودة إلى الخلف في كل شيء.
هذا هو حصيلتنا من الواقع المذري، غياب تام لوسائل التقدم، وصرنا نعيش مع أبو هريرة وعصره كأنهما أحياء يرزقون!. وجاءت القوانين الشرعية التي صنعها " كبيرهم الذي علمهم السحر" مسك ختام التخلف والردة.

(3)
لقد كان المصير الطبيعي، هو قتل تلك الجراثيم وإزالتها من الوجود، وتلك لا تتم إلا برصدها اولاً، لأن ما فعلته الجراثيم لا يزال من تلقاء نفسه بعد سقوط النظام الدكتاتوري الفاسد، بل بترصد منابعه الخبيئة في وعي الجيل الذي انتصر، حتى يشفى تماماً هذا الجيل المنتصر من الظلام الفكري الذي دام أكثر من 36عاماً، والتخلص من اللغة الوضيعة والقوانين الجائرة، والتخلص من حراسها الذين يدّعون التقوى بالباطل.
إن رصد الفكر الذي يدعو للتخلف، هو البداية. ونزع دولة الفساد ودعاتها، وأصحاب المصالح الذين اختبأوا في تلافيف عباءة التخلف والردة الفكرية. لقد آن للثوار أن يكونوا في منصة العدالة، وآن لدولة الفساد الإيديولوجي وحمل القرآن على أسنة الرماح، أن تذهب إلى غير رجعة.

(4)
أزمة المثقف الذي أصبح ضد التيار، وضد نهج القطيع هو الخروج عن المعهود. فغربة المثقف تعادل شقاء الجاهل في نعيمه، وكما أشعر المتنبي:

وَالهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسيمَ نَحَافَةً .. وَيُشيبُ نَاصِيَةَ الصّبيّ وَيُهرم
ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِيْ النَّعيم بِعَقْلِهِ .. وأَخُو الجَهَالَةِ فِيْ الشقاوة ينعم
وَالنّاسُ قَد نَبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌ .. يَنسَى الذي يُولى وَعَافٍ يَنْدم

إن عقول المفكرين ثورية الفعل، وهي في ثورة دائمة، تنظف الجروح من صديدها. تماماً هي كالثورة التي نعيش الآن صباحاتها، ولن ترضى بالخنوع، بل هي سيل منهمر، يساعد الحكومة الانتقالية، ويصحح مسارها، يسرع بها في الخُطى النبيلة، من أجل مستقبل أبنائنا. لن تُرضي العقول بالذين ينهجون نهجاً ماضوياً، فهؤلاء يذهبون مع تيار الاستكانة، والرضى بالواقع على علاته.

(5)
لن نستسلم لتقليد التاريخ القديم الذي يتصوره البعض جميلاً، ولكن يجب أن تصير العقيدة نهجاً فردياً، يكون لقوانين المجتمع أن تحترم نشاط الأفراد في ممارسة حياتهم الدينية. ويجب أن تنسلخ العقيدة عن السياسة والحكم، وتكون الحريات المكفولة في ميثاق حقوق الإنسان، هي أساس الدساتير والقوانين. لا تخضع هي لرؤى الطائفية، لأن الطائفية تخفي العقيدة في باطنها، وتدخل بها لميدان السياسة، وتعلق البلاد في أزمات رأيناها تتكرر في الماضي، وليس للعسكر وحدهم دوراً في تشوهات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بل العيوب شملت الطائفية التي تستند على الدين.

(6)

اختار " كبير الإخوان الذي علمهم السحر" من تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، أفراداً من عامة الناس ،أقلهم فكراً وأكثرهم تنظيماً وطاعة. واختارهم للسلطة، وقد كشفت تلك السلطة عن بنية نفوسهم وتراكيبها، وأمراض النفس المختبئة حتى العظام. أخرجت من أنفسهم ظلام الغرائز وأكثرها الأفعال بشاعة. ولولا السلطة لما سمعنا بهم من تاريخ مولدهم إلى ميعاد موتهم، لصغر حصيلتهم من العقل والفكر. إن الهدم هو من أهدافهم، واعتبروا السكة حديد وجامعة الخرطوم والجيش السوداني والقضاء ومشروع الجزيرة: أصنام يجب هدمها. وانقلبوا إلى التمكين وسيلة للفساد بكل أنواعه. وظل فكرهم حياً ينام في مخادع الثوار، ينال من عزيمتهم أنّا سمحنا له ذلك.


عبدالله الشقليني
22ديسمبر 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.