"إني أقرر الآن إنني أختار الحياة. سأحيى لأن ثمة أناساً قليلون أحب أن أبقى معهم أطول فترة ممكنة، ولأن علي واجبات يجب أن أوديها، لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى ، وإذا كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى."

أقوال الراوي في رواية موسم الهجرة إلى الشمال.

(1)

إن الحياة سفر مفتوح، يأخذ من الماضي ومن الحاضر شذرات بمقدار. ربما كان خطأ أن يسافر النابغة منا إلى بلاد الشمال. عند تصالحه مع المجتمعات المتقدمة، لن يضيره أن يذوب في المجتمع ذاك، بلا ضجيج من أشيائنا الخاصة التي نُعلق عليها أهمية في حياتنا، وقد تجاوزها الإنسان في الدول المتقدمة، رغم أن معظم السلوك الأسري لأهل الشمال تقليدي، يتزوجون ويذهبون إلى الكنيسة صباح كل يوم أحد، ولكن لا تشغل حيواتهم كم من القيود الاجتماعية التي أصبحت في شرعنا تقارب التقديس. أيمكن للذكاء والسَفَر أن يقذف بنا في أحد الثقوب السوداء القابعة في الفضاء السحيق، فيتلاشى الجسم والكتلة ويتوقف الزمن؟.
والطرف الآخر من المبدعين في تاريخنا، الذين خاضوا معارك السلطة والسياسة، كانت حصيلتهم أكثر فداحة. لقد تصوروا أنهم بنصرهم الدكتاتور الذي كانوا يظنونه عادلاً، أو باحتمائهم بالثوب الطائفي الديني، بأنهم يختارون الخيار الأفضل. فثقُل الحجر الذي يحملونه وسقطوا في بئرٍ عميقة.


(2)
لكم هي لعنة اجتماع الذكاء والسفر والحيرة الكبرى.
كان صاحبنا مريضاً حين يبقى في الوطن، روح معذبةٌ وجسدٌ فانٍ، كأن الوطن ليست أرضه الحقيقية. عاش خارج وطنه، في الشمال بضع سنين حتى أنجز الدكتوراه ولكنه عاد، ليته لم يعد. تخرَّج في السابق من "حنتوب" الثانوية أوائل ستينات القرن العشرين، وكان أول السودان في الثانوية، وبعد زمان أصبح من أوائل الدفعة في قسمه بكلية الهندسة، وتم تعيينه مساعد تدريس في جامعة الخرطوم، ثم ابتُعث بعد أشهرإلى بريطانيا فتخصص في أثر الفيزياء في المباني.
*
مرة ضمن المبعوثين إلى لندن، التقوا جماعة في منتصف العمر، دعاهم هو إلى كذبة حميدة في نظره إذ ذاك، بأن يدخل مرقص في مراقص أكسفورد استريت، في طابق البدرون، خلال عيد من الأعياد. كان يريد من صحابه أن يمثلوا أنهم يحترموه كابن زعيم قبيلة إفريقية. لبس قبعة نُثر فيها مجموعة ريش طائر غريب، ولبس الوقار رأساً للقبيلة وذهب. وصدّق المجتمعون في المرقص أنه ابن أحد زعماء القبائل الأفريقية، وشربوا شراباً روحياً على حساب المتبرعين المندهشين من مواطني الإنكليز. ومضت الأمسية بشرابها وطعامها المجاني إلى الساعات الأولى من الصباح. وقال لأصحابه: ( نخلص حقّنا من المستعمرين ). كان معتدل الحياة يقبلها ويحقق بعض المعادلات، ويختلف عن ( مصطفى سعيد ) بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال ،حيث اتخذ الجنس وسيلة للانتقام.


(3)
عاد صاحبنا بدرجة الدكتوراه أوائل السبعينات أستاذا في جامعة الخرطوم. تزوج من امرأة من الجزر التابعة لأمريكا. وأنجب ولداً وبنتاً. لم أكن أتصور أن أحد أساتذتي يتذكر ما قلته في معاينة القبول قبل الاستيعاب في السنة الأولى الجامعية، إلا بعد ذلك بأربعة عشر عاماً، حين فاجأني بذلك في جلسة خاصة!.
*
أصرّ على استضافنا بمنزله الجامعي بحي المطار بالخرطوم، بعد حفل رأس السنة السنوي للقسم. جلسنا ونحن تلامذته كحلقة في صالون بيته. وبين التوجُّس والخوف، طلب على الهاتف صندوق شراب وخروف حي وجزار. بعد ثلث الساعة وصل الجميع، نصف الساعة من الشراب إلا ووصلتنا صحون اللحم المطهو.
استفتح جلوسنا وقال: ( سوف نذهب بعيداً هذا اليوم، ولا نذكر قضايا الهندسة كي لا تتوجسوا. نبدأ بالشعر ) .قال أحدنا:
- المتنبي!
قال هو:
- لا بأس، فمن يذكر لنا أبياتاً من شعر المتنبي؟
قال أحدنا:

إِذَا رَأَيْتَ نُيُوْبَ اللَيْثِ بَارِزَةً .. فَلَا تَظُنَّنَ أَنَّ اللَيْثَ يَبْتَسِمُ
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره .. إذا استوت عنده الأنوار والظلمُ
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
...
أو بعض ما تذكّر من مواد الثانوية في الشعر العربي، فكان حظنا بائساً فيما يبدو من المناظرة تلك الليلة. وقال مضيفنا:
- ماذا أقرأ لكم من الشعر العربي؟
قلت خبط عشواء:
- أشعار للشنفرى الأزدي
وأشجانا بقصيد شعري رائع للشنفرى، ذاك الشاعر الذي سبق عهده الإسلام، ولم يسعنا استرساله العميق الدقيق الباهر و الوضوح، وتقزّمنا في أماكننا جلوساً حتى أوقفناه من أجل التنويع.
فقال ماذا تريدون من القص الإنكليزي؟
قال أحدنا دون انتباه:
- شكسبير
قال : أي كتب أو مسرحيات شكسبير؟
قلنا:
- أي كتاب تشاء.
فقد نضُبت ذخيرتنا الثقافية، وقرأ لنا من (روميو وجوليت)، وبدأ من التقديم، كأنه يقرأ من كتاب مفتوح، بإنكليزية كأنه رضعها من أمه. وتكشّف وعينا ناهضا من ثباته، حتى أفقنا من الدهشة، ولم يتوقف الشراب، تجأر عيوننا بالاستغراب، من هذا الكائن المكوّر أمامنا وهو يتمتع بذاكرة فتوغرافية لم أشهد نظيرها في حياتي. كلما جاء في خاطرنا كاتب، إلا وسألنا عن أي كتاب من كتبه؟ ليقرأه لنا. نحن نستمتع بمزهرية ثقافية رائع ألوانها و نستمع ونأكل حتى أتينا على معظم الشراب. و حين أطل الفجر، ثم الصباح، دعانا في حديقة منزله أن نشاهد إطلالة قرص الشمس من بين الأشجار شرقاً. كان صباحاً شاعرياً، وتفرقنا بعد ذلك إلى الداخلية للنوم فغداً عطلة الاستقلال.
*
ذات صدفة كان يشرب الخمر مع أحد من أبناء دفعته في "حنتوب"، وقد قذفت به الظروف إلى قمة السياسة وصار نائباً لرئيس الجمهورية. فقال زميله بعد طول استئناس:
- والله رأيي إنت لو تركت السكر تصبح مليونيراً.
فرد صاحبنا:
- و إنت لو تركت السكر لأصبحت رئيساً للجمهورية!


(4)

تذكرت ( مصطفى سعيد ) بطل رواية الطيب صالح ( موسم الهجرة إلى الشمال ) ، حين قال الطيب في مقابلة إذاعية عام 1972، إن هذه الشخصية مضخمة، وتجد ملامح فيها من أي مثقف أصابته جرثومة السفر، لبلدان فيها الحياة مختلفة عن بيئتنا. وتنازُع بين الشخوص وهي تغالب الحياة، وتصطرع المكونات مع النهضة التي يجدها كل شخص أصيب بالذكاء والحفظ الفتوغرافي، يقرأ أي شيء يعلق بذهنه. قليلون يملكون تلك الموهبة التي تقطع الزبد بسكين لا تقف أمامها عقبة.
*
استقال من الجامعة وفتح مكتباً هندسياً، ولم يديره إدارة متقدمة تعرف كيف تنمو مؤسسات العمل الخاص، وفشل. كان يأخذ أجر المكتب، ويذهب" الإنداية" وينزل علمها، الجميع يشربون مكرمة الدكتور تلك، حتى تنتهي الفلوس.

سافر ليعمل في المملكة، وعاد بعد ستة أشهر غنياً، وقد ترك الشراب الروحي. ثم عاد إليه بعد ما ألف الحياة في الوطن بعد مدة من الزمن. وصار كمن يهوي في بئر لا قرار لها.


(5)

التقى بمدير الجامعة في مكتبه وهو في حالة سكر، يرتدي جلباباً ملوناً، ليعيده إلى الجامعة. ولكن حالته تلك لا تُغري أحد بالتعاطف مع حالته. أخيراً سقط في بئر الإدمان واستقبلته المستشفى المتخصصة للعلاج. زرته في غرفته، في المستشفى. قال لي أن زوجته الأمريكية قد أخذت معها الطفلين واستقلت الطائرة للولايات المتحدة.
قال لي:
- ( أليست 50 عاماً كافية ؟)
طمأنته بأن الحياة ليست بهذا الشؤم. كان لي علاقة خاصة بطبيب صديقي، ومخطوبته إخصائية نفسية، يعملان في ذلك المستشفى التخصصي. أكدا لي أنه فقد قدرته على مقاومة الإدمان.
*
تزوج من سيدة تعمل ممرضة في المستشفى التخصصي للإدمان بعد تخرجه منه، وسكن في غرفة من الطين وأمامها "راكوبة"، في حارات بعيدة في امتداد مدينة الثورة غرب أم درمان. وكان يتكسب من المحاضرات التي يؤديها غير متفرغ. يزوِّر الفواتير الطبية ليغري بعد طلبته الذين أصبحوا دكاترة في كلية الهندسة بدفع قيمتها له، لتصبح زاداً في مسيرة إدمانه.
*
وذات يوم، بعد غرقه في نهر النيل، وُجد جثمانه سالماً كأنه نائم لا نعرف هل انتحر أم ساقته الصدفة وانزلق. وبعد ليالي المأتم بثلاثة أيام، عثر أحد تلاميذه وهو دكتور بكلية الهندسة، في مذكرته الشخصية بمكتبه، مكتوباً بخط يد صاحبنا الدكتور وكانت وصيته إن حدث له شيء أن يتصل تلفونياً بابنه الأستاذ بأحد جامعات الولايات المتحدة الأمريكية. موضحاً أرقام هاتف ابنه بالإنكليزية.

عبدالله الشقليني
26 أغسطس 2019


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.