هو موسيقي يعزف عدداً من الآلات الموسيقية. له ألحانه الخاصة ولحّن بعض الأغنيات أيام دراسته الجامعية بآداب جامعة الخرطوم. أقام معرضاً للصور أسود وأبيض بفندق هيلتون الخرطوم أواخر سبعينات القرن العشرين. ألف مسرحيات عندما كان في السنة الثالثة الجامعية، وقبل عدة سنوات ألف روايته التاريخية( سن الغزال). وبعد تخرجه عمل محرراً في مجلة ( سوداناو ) الإنكليزية، التي أسسها وزير الإعلام حينها "بونا ملوال". و تركها وهاجر لبريطانيا. عمل في إذاعة البي بي سي البريطانية، وتركها ليعمل مترجماً في قسم الترجمة بصحيفة الشرق الأوسط. هذا عمله الذي كنت أعرف عنه منذ 2005، ولم أعرف شيئاً بعد ذلك.

(1)
ذهبت معه لمنزلهم بحي العمدة بأم درمان ذات يوم، في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين. ذهبنا إلى الصالون البيت، وعزف بعض مقطوعاته الموسيقية بآلة العود، وبدأت أفكر كيف لو أنه انصاع لرغبته الجامحة ليلتحق بالمعهد العالي للموسيقى، هل هو الخيار الأفضل أم أن يدرس و يتخرج من آداب جامعة الخرطوم بلغتين ( الإنكليزية والفرنسية ) كما فعل ؟.
أدار شريط التسجيل واستمعنا، للجزء الأول من مقطوعته الموسيقية، ثم أعاد التسجيل فوقها ليضع بُهاراً من( الكاونتر بوينت )على اللحن الأساس. قلت له إنك موسيقي مبدع واجتماعي، وهي صفات قلما تتوفر في أهل الفنون المبدعة.

قال لي: إنك لم تسمع عزف" حسن خبير"، إن سمعته ستدهش كثيراً ؟
*
وأسمعني شريط تسجيل لأغنية يؤديها "حسن خبير"، وكان يعزف العود ويتغنى بأغنية " أجراس المعبد" التي كتبها الشاعر " حسين عثمان منصور" و يغنيها " عبدالعزيز محمد داود":

دقت الأجراس في معبد الحب ونادت الأفراح
ورقصت خمرة الأحباب في الكأس وراحت تسكر الأرواح
*
وأسمعني أغنية أخرى يغنيها " حسن خبير" لذات الشاعر من أغنيات "عبد العزيز محمد داود"

همسات من ضمير الغيب تشجى مسمعي
وخيالات الأماني رفرفت في مضجعي
وأنا بين ظنوني وخيالي لا أعي
عربدت بي همسات الشوق إذ طال النوى
وتوالت ذكريات عاطرات بالهوى
*
وأدى " حسن خبير" للشاعر " عبدالمنعم عبد الحي" أغنية لحنها " سيد خليفة ":

من انت يا حلم الصبا
من انت يا أمل الشباب
من انت..؟ من رحت انشده و لكن لا أجاب
أرنو لصورتك الحبيبة بين أطياف الضباب
في الارض، في الأنهار، في الشفق المنور، في السحاب
*
وأسمعني أغنية " يا نديماً عب من كأس الصبا" للشاعر "عبد المنعم عبد الحي":

يا نديماً عب من كأس الصبا
ومضى يمشي الهوينا طربا
بت أشكو لنجم في الليالي دمعا
ولطلٍ فوق زهر كاللآلئ جمعا

واستمتعنا بطريب أكثر إدهاشاً وغرابة، ونحن نغوص في صورة أخرى ووجه مختلف من الغناء القديم بصورة متوهجة جديدة، يحاول " السر قدور" الآن تسويقها في برنامجه التلفزيوني ( أغاني وأغاني).
*
بعد قليل أطلّ علينا في الصالون رجل في عمر آبائنا، وسلّم علينا، ودون أن يكسر خصوصيتنا، اقترح لنا بأن يجلب فول طاعم و(مزبوط) من الجوار لوجبة العشاء، وافقنا. وبعد فترة نبهني أن السيد الذي تحادثنا معه هو والده، وكنت أحسبه شقيقه الأكبر، من دفء العلاقة بين الاثنين، وأريحية لا تتركك تعتقد أنه والد مثلما عهدنا وعرفنا في حياة آبائنا، فلم يكن متجهماً أو صارماً، بل ضاحكاً ومتبسماً، يحترم الخصوصية. واقتنعت في نفسي أن شاب مبدع كصلاح حسن أحمد، لا بد أن يكون تاريخه لا يشبه العاديين.

(2)

لكَم هذه الدنيا فارعة الغصون. من بين أوراق أفرعها تُطِلُ الشمس فَرِحة في رابعة النهار، أو حين غدوّها عجُولة تأبى أن تستأنِس معنا الليل لبعثرة أشجانِه. بين هذا وذاك، نَحرتنا المنافي. أمسكتْ بخياراتنا الصعبة تُشكِلها لدائن كانت بيضاء ناصِعة. نَقعتها الدنيا في زمانها الذي يُقطِّر حُموضة، فاصفرَّت الأحلام مكتئبة من حُزن، ولم تتبدى علينا ثمرات العُمر بمفاتنها لنقطُفها فرِحين مُستبشِرين.
فبعد أن هاجر إلى لندن عام 1978، وبعد مرور ثمانية أعوام تخرج أحد طلبة المسرح في معهد الموسيقى والمسرح بعد إخراجه ( حكاية تحت الشمس السخنة ) التي كتبها "صلاح حسن أحمد" في عطلته ببورتسودان وهو في السنة الثالثة من آداب جامعة الخرطوم.
*
قال أخي السفير جمال، الدبلوماسي، عندما كان يعمل نائباً للسفير في سفارة لندن، عندما سألته عن صلاح؟:
{لمحت ( صلاح ) ذات صدفة في معرضٍ بعاصمة الضباب، وعندما خفَّ الضجيج سألت عنه، فعلمتُ أنه جاء غادر مُبكراً، ولم أره ثانية طوال مدة إقامتي هناك!}

(3)

حبيب مفقود، سقط من زمن العُمر الجميل:
أي عالم يا ( صلاح ) أرجفت جسدك حُمَّاهُ، يا مُسامِراً طيفي منذ ريعان الصِبا الباكر؟. وجدتَ أنتَ الدثار حتى استحلبَ من جسدك حبات العَرق، فغَسَلت الأملاح والخطايا وسَكن ضجيجكَ القديم المُخضب بالإبداع.
*
بعيداً عن (لندن ) هربت أنتَ إلى الريف المُجاوِر، لتجد سكنك في الهدوء.
تتبعت الأقاصيص عنك من روائيين اختلطت أوصافك بدواخلهم ككأس نبيذ مُعتَق، اندلق عليه كوب ماء. أفسده أو خفف وطأته، فكُنتَ تارة جليساً تُبادِل الوِحدة عندك بالهمس، في رُدهة تحتسي القهوة بإمتاع. تحوم لولبيات دخان التبغ من حول رأسك الأشيَّب، وأنت تشارك الراحل " محمد بن الزعيم الأزهري" عزف الموسيقى عندما يزورك في بيتك، في نزهة فِكرية تُجمِّع حبات مسبحة العُمر، و تُنظمها بخيوط العنكبوت، أو تارة تقرأ وبين يديك سِفر ثقيل الوزن على الكف و الأصابع.
*
ألم تزل اللُغات الثلاث يستمتِعنَّ بوجودك معهنَّ مُنفلتاً عن المألوف ؟:
الفرنسية والعربية والإنكليزية يطلُبن أن تمرح بينهنَّ. تضع في جيب سُترة إحداهُن ورد المُناسبات السعيدة، أو دبوساً مُذهب الطلاء للأخرى، أو ورق سلوفان تلُف به النص لتحمله من العمل إلى المسكن للترجمة.
*
فقدنا إطلالتك البهية سيدي، فعند مرآك تأتلِف السدوم في الآفاق، وتفعل الأكوان العاطفية فِعلها . لم أعهد قسوة للدنيا تَجرِّح الماس كسكين تُقطِّع الخُبز الرخو بلا صراخ.
تلصصت الخبر عنك:
يقولون حاذق أنتَ في بيت الترجمة بصحيفة(الشرق الأوسط)، صفحاتها تُجرِّب المهنة المُهاجِرة بإتقان. لا غرو فخبرتك متلألئة منذ أن كنت مُحرراً بمجلة (سودا نَّاو) الإنكليزية في سودان السبعينات من القرن الذي أفلّ.

(4)

ألم تزل عذباً في تخيُرك فاكهة المعاني، وطعوم الدسم المحشو بالرأي المُخالِف ؟
فقدنا البشاشة المِمراحة، حين تُمسِك أنتَ أكتافنا بمحبة. تعزق مشاعرنا وتستنبت أنضر الغِلال منها، و نشهد نحنُ أجمل مرايا الحقول حين تراها الأعين:
نسيمها العليل يُنعِشك و تُصافح خديكَ الرعشة. تتكسر الألوان الزاهية عندما ينحسِر غطاء الشمس عنها، وما عُمر المرء منا إلا طرفة عين أمام التاريخ . فمن تلك البرهة المُتسعة نرغب أن نلقاك مرة أخرى، قبل أن نعبُر إلى الضفاف التي لا رجعة بعدها إلى النهر.
أتذكر الشاعر الذي تحدث عن فُسحة الأملِ؟
أتراه كان يُخاطِرنا منذ زمانه القديم حتى أدركتنا معانيه، و تَصيدتنا شِراكه؟
لقد ابتلَّت كل المفارش التي كُنا نحسبُها مراقد دافئةً، ولن ننام اليوم قبل جفافها. هاجمتني الخواطر، وعصفت بي ريحٌ لن يستجمِع المرء نفسه من غلوائها.

(5)

يقولون أثمرت الدنيا كعادتها مِنك ومن شريكة العُمر في المهاجر طفلة. ثم صعدت الصغيرة الدرجات وثباً. ربما هي الآن في عمر الطلاقة والخيارات. نسيج هي ضمن الجيل الأول للأشواق المهاجرة. عُمرها بعُمر الزمان الذي فرَّقتنا مشاربه. أهو المَشيب في موضع الندى أم هو المصير المحتوم عندما تخضرّ الأوراق من جهة و تصفرَّ من الجهة الأخرى و تهوي الميتة إلى التُراب ؟. لن تَصدُق الأقوال عليك، فالسيف كما قال الشاعر القديم أصدق أنباءً من الكتُب. أين أنا إذن من ذلك المُهند كريم الصناعة، لأرى انعكاس الوهج من بريقه وأنظر وجهكَ النضر مرة أخرى، وأفزع للِقياك.
*
تلك أمنية رحيمة تأتي عند انعطاف العُمر. تركب مِنطاداً بين سماء الوعود، وبروقها تُسابِق الرعود ، والأرض تفترِش الانتظار.

عبد الله الشقليني
12 اغسطس 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.