لعل جون قرنق كان حلماً أسطورياً، فاقعاً في الزمان السوداني. فلم يجتمع الناس في تاريخ السودان منذ التاريخ الذي عُرف به هذا الوطن المُترمي الأطراف ( السودان القديم )، بلا تنظيم ستة أو سبعة ملايين شخص. في ساحة في الخرطوم يسمونها " الساحة الخضراء" لرؤيته يتحدث يوم 9 يوليو 2005م. وربما كانت قصة رجل، مُتميّز القدرات والثقافة والكاريزما، انتقته الاستخبارات الأمريكية وصنعت منه قائداً لجنوب السودان ليكوِّن وطناً مُستقلاً، بمعونة لوبي الأمريكيين السود. على كلا النقيضين يمكن للإحتمالات العبث بصناعة المصير لوطن، قادرة دولة القُطب الواحد، أن تتخذ كل التدابير ليكون هو قائد المرحلة، الذي يُنشيء وطناً جديداً.

(1)
صناعة الظلم، لن تقف وحدها مبرراً لدعم كل القوى في الساحة. فالقضية في حاجة لرافعات قويّة تصلُح أن تكون منصة للدعاية أولاً، ثم القتال ثانياً. لذا كانت "تميمة العبودية" سبيلاً سهلاً لإدرار العواطف لنُصرة القضية، في وقت لا يعرف المواطنون بعضهم في السودان حق عرفانهم . كان لتعدُد عشائره وقبائله ولغاته اليد الطولى، في أن يصبح التجمّع لبناء وطن لم تزل للقبائل سطوتها ، وللعشائر سلطتها وللغات ثقافة عصيّة عن القبول بوطن يجمعها.

لن تمضي قضية شعب جنوب السودان كأقلية، إلا مثلها مثل سائر الأقليات في بلدان إفريقيا. هذا الفعل يحتاج إضاءة فكرية قوية، لأن تكوين دولة من رحم دولة أم، ليست أمراً سهلاً. ونُصرة العناصر من جنوب السودان، من المتعلمين و المثقفين التي هاجرت للولايات المتحدة، في حاجة لتميمة سحرية، لتعيش وتبقى ، لتني تلك الأحلام لتنهض واقعاً.

كانت العبودية هي المُحرك القوي لنُصرة قضية الحركة الشعبية في السودان، منذ اندلاع الحرب مُجدداً في صيف 1983. وقد جاءت قوانين سبتمبر 1983 بعد أشهر من اندلاع تلك الحرب، كعامل جديد في صالح نُصرة قضية الانفصال، وتصب في مصداقية مشروعية حرب التحرير الجديدة.
تم بث الإعلانات في التفزيونات المحلية في المدن الأمريكية، وقد شاهدت اسكتشاً تمثيلياً في السي آي ان، يمثل العبودية في أواخر سنوات القرن العشرين. وتم توزيع صناديق التبرعات وجمع الفئات النقدية المعدنية من أطفال المدارس،لنُصرة المستعبدين من جنوب السودان!، وكذلك المدارس قبل الأولية، لجمع التبرعات من أجل تخليص شعب الجنوب من العبودية!. وتم تزوير التاريخ، وتصوير أن العبودية لأبناء الجنوب قائمة بالفعل في الوقت الحاضر، وليس في مضابط وأوراق التاريخ القديم. وعلى ذات المنوال تمت صناعة كُتب لأقاصيص عن مُستعبدين، وكيف هربوا من أسر العبودية وانطلقوا إلى الحرية في أمريكا " وطن الديمقراطية الأول"!

(2)
هنالك دور لاشك لمجلس الكنائس العالمية ودوائر التبشير المسيحي، في إذكاء جزوة الصراع، بتحويل القضية لقضية تتلقفها الأقلية المسيحية المستضعفة في جنوب السودان. في مدّ الصراع بأذراع دينية تُلهب جذوة الصراع وتسهم في مشروعيته. وقد أوضح الأستاذ " جمال محمد أحمد " الذي كان يعمل دبلوماسياً في وزارة الخارجية عام 1965، عندما تم تعيين الأستاذ " سر الختم الخليفة" سفيراً بوزارة الخارجية بعد الانتخابات التي جرت عام 1965، عند تسلّم الأحزاب الطائفية الحُكم. وفي مقاله الضافي ( في ذكرى بولس السادس ) بمجلة الدوحة القطرية في سبعينات القرن العشرين، أوضح الأستاذ "جمال محمد أحمد" أنه ذهب برفقة السفير حينذاك " سر الختم الخليفة" لمقابلة البابا بولس السادس في الفاتيكان في مقر دولته في إيطاليا. وكتب "جمال" أنهم كانوا بصدد أن تقدم الفاتيكان يداً خضراء للقضية التي لم تكن حيذاك دينية، أكثر مما هي ثقافية ولُغوية واقتصادية.

وأبّان مقال الأستاذ "جمال"، رغم كثيف اللغة المُستنصرة بأي شيء في سبيل وقف إراقة الدماء بين شعوب السودان، وعد البابا خيراً، في لقائه الذي كان زمنه دقائق معدودة!. وعاد الجميع بأخفاف حُنين، لأن مؤتمر المائدة المستديرة السابق، و الذي تم بسكرتارية بروفيسور "محمد عمر بشير"، قد أفضى إلى لا شيء، بسبب رفض الفيدرالية من قبل الأحزاب الطائفية المتأسلمة، وكان على رأسها مندوب الإخوان المسلمين: " حسن عبدالله الترابي"،زعيم تخريب كل الخطاوي الممكّنة، لجعل الوطن الواحد قابل للوحدة بأسس جديدة وخيال وطني منفتح، بعد أن ضاعت فرصة " وعد النُبلاء" عند إعلان الإستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955. فتُراث السودانيين الثقافي وضيع في مكوناته. أضحى التحضُّر الذي قدم مع الإنكليز، جلد ثعبان ، تغيّر بعد خروج الاستعمار. تراجعت الديمقراطية الشكلية ، وهيمنت صورة جديدة للمهدية هي " الأحزاب الطائفية ".

(3)
استمرت الحرب، رغم الديمقراطية السودانية، ومشكلاتها مع طبيعة الأحزاب الحربائية المتأسلمة التي اعتبرتها " عقال بعير". وجاء إنقلاب 1969، وقد اختطف المنضوين من عناصر القوميون العرب دراسات الحزب الشيوعي السوداني بشأن مسألة الجنوب، وتم الإتفاق في مارس 1972 في أديس أبابا، على منح الجنوب حكماً ذاتياً. وأصبح قائد الحكم الذاتي نائباً لرئيس جمهورية السودان التي أعلنها نظام مايو 1969. في حين كان البرلمان الإقليمي ديمقراطياً، لا يتفق مع نظام الحكم العسكري.
وقف "جون قرنق" ضمن من وقفوا ضد الاتفاقية، في مهد تكوينه الفكري، فاليد الطولى للنظام الحاكم لم تسمح بخروج آراء مناوءة. ولكنه رضي بالواقع، وقَبل بأن يكون وفق التصنيف الجديد، عضواً في القوات المسلحة السودانية. استمر السلام أحد عشر عاماً، تمت تنمية محدودة في جنوب السودان. إذ تم بناء مكاتب إدارية في العاصمة جوبا، وتم تشييد كوبري يربط جوبا بشرق الإستوائية بدعم من جمهورية الصين الشعبية، وهي غير الصين اليوم. وتم ترفّيع مدرسة جوبا الثانوية إلى جامعة جوبا، واكتملت مبانيها وبدأت نشاطها الأكاديمي.
ابتعثت القوات المسلحة ضمن بعثاتها "جون قرنق" لدراسة الاقتصاد الزراعي، وأكمل الدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1982. وهي فرصة استغلتها الاستخبارات الأمريكية لاختيار وتقديم الوجه الجديد لقائد جنوب السودان لدولته الواعدة بعد الانفصال.

(4)
اجتمع رئيس جمهورية مايو 25، بالقادة السياسيين في جنوب السودان معه في القصر الجمهوري في صيف العام 1983، رغبة منه أن يتحول مصير السودان لأقاليم، وأن يكون الجنوب أسوّة بالشمال ويتقسّم لثلاثة أقاليم. وقبض قادة الجنوب من الأصول العرقية الكُبرى " الشلك " و " النوير" على إمكانية تعديل وضع رئيس المجلس الانتقالي لجنوب السودان، الذي شغلته قبيلة " الدينكا" منفردة، فضلوا ثلاثة أقليم للجنوب ، في حين فضلت قبيلة " الدينكا" اتفاقية أديس أبابا ومجلساً انتقالياً واحداً، لتنفرد بحكم الجنوب. وبان الخلاف بين المجتمعين. وعيّن رئيس 25 مايو اللواء "قسم الله عبدالله رصاص " رئيساً للمجلس التنفيذي للجنوب مؤقتا، في حين أن الأخير هو من قبيلة " الدينكا"، تربى وعاش في شمال.
ذهب "جون قرنق" وانضم للحركة المقاومة الجديدة، وصار اسمها " الجيش الشعبي لتحرير السودان "، وهي دعوة ضد هيمنة وسط السودان، والدعوة للتوزيع العادل للسلطة والثروة ، لكل الأطراف الريفية، وليس الجنوب وحده.

(5)
ثلاثة أضلاع للرؤيا ( تقسيم الثروة - وتقسيم السلطة - إقامة دولة منفصلة لجنوب السودان ) . والضلع الثالث أوضحه " جون قرنق " في مؤتمر أسمرا عام 1995، كضمانة للتنمية في الجنوب. وكانت وفق "جون قرنق": استجابة لفصيل من جنوب السودان يرى الانفصال سبيلاً مشروعاً، وذلك للخلف بالوعود الذي عُرفت به الأحزاب الطائفية.
أسهم مثقفوا جنوب السودان في الولايات المتحدة الأمريكية، وكما أسلفنا الحديث، في جذب جماهيرالأمريكيين السود، وتبرعات الجميع لتخليص أبناء جنوب السودان من عبودية أبناء الشمال، بإعتبار أن العبودية أمر حقيقي وكأنه واقع مُعاش. وتمكّنت من جمع التبرعات زوراً باسم العبودية، وتأليب الزنوج الأمريكيين في تكوين لوبي، وحمل الكونغرس الأمريكي، ليقف داعماً للحركة الشعبية.
من طرف آخر ساهمت قوانين سبتمبر 1983،كما أوضحنا، في صبغ الحركة بعنصر حرية الأديان إضافي وهو أن نظام 25 مايو سنّ قوانين ذات صبغة دينية إسلامية. ولم تساهم الفترة الانتقالية أو الديمقراطية السودانية الثالثة من إلغائها، بل تم تثبيتها بعد قدوم حركة الإخوان المسلمين بانقلابها عام 1989، وفرضت برنامجهم الديني السُنّي، وتحويل الحرب الأهلية إلى حرب دينية. أسهمت في دعم الحركة الشعبية فكرياً، بل وأسهمت في انتشار مبادئها في شمال السودان، على غير ما كانت تعتقد حركة الإخوان المسلمين. والتقطت الحركة الشعبية قفاز الحرب الدينية التي ابتدرتها سلطة الإخوان المسلمين، وطرقت على الحديد الساخن.

(6)
بعد نهوض قوة الحركة الشعبية بعد دعمها بعد أن صارت حربها دينية، تغير اتجاه حركة الإخوان المسلمين بعد أن تأججت قوة الحركة الشعبية، ورأت قبول خيار تقرير المصير، لتصبح حركة الإخوان المسلمين في دولة إسلامية خالصة لهم، بعد انفصال دولة جنوب السودان، وهو اعتقاد كاذب.
تمت اتفاقية نيفاشا، وتم التوقيع على الدستور الجديد في 31 ديسمبر 2004. وحضر "جون قرنق" للخرطوم في 9 يوليو 2005.: وتسابقت للقائه جماهير شعبية غير مُنظمة، وبلغ تعداد منْ حضروا ما بين 5 إلى سبعة ملايين شخص، كما أسلفنا الحديث. وبعد أن رأى جون قرنق الملايين من الجماهير في ما كانت تسمى بالساحة الخضراء، تغيرت نظرته. ودعى لأول مرة أنه سوف يخوض الانتخابات رئيساً للسودان !.
وهنا برز اتجاه فيمن يدعمون الحركة الشعبية، توطئة لفصل جنوب السودان. وتقرر إثناء "جون قرنق" عن قضية إيمانه الجديد بالوحدة، على غيرما تمّ إعداده في أمريكا، من استفتاء لتقرير المصير، سوف يأت مع الصبر بدولة جديدة.

(7)
تقرر استدعاء "جون قرنق" ليوغندا عاجلاً ، وهناك انعقد اجتماع بين ممثل الاستخبارات الأمريكية والإنكليزية واليوغندية. ولم يقتنع "جون قرنق" بالحوار وبالنقاشات التي تمت. وتقرر سراً في ذلك الاجتماع اغتياله. وهو ما تمّ بالفعل.
هنالك مسألتان على جانب كبير من الأهمية، سقطتا عن رؤية السودان الجديد:
- الاقتصاد
- المسألة القومية ( أي حل مسائل الأعراق المتنوعة )
كان تعيين "سلفا كير" من قومية الدينكا، وهو لا رؤية له في فكر السودان الجديد، يكشف القضية القبلية التي ظل يتكتّمها "جون قرنق"، دون تلمُس محاولة حلّها. وبقيت رؤية السودان الجديد خالية من حلّ مسألة القوميات القبلية، وخالية من عناصر اقتصادية للدولة قيد الإنشاء. وهي قضية ألقت بظلالها القاتمة على مستقبل الدولة الوليدة، التي تركتها دول العالم الأول تلقى مصير الفشل المحتوم.
وبدأت حروب قبلية استئصالية أدت إلى مقتل 350 ألف نسماً خلال ستة أشهر، وتهجير الملايين لشمال السودان!. وهي حقيقة غريبة إذ يلجأ مواطنوا جنوب السودان لدولة الشمال طلباً للحماية، مما يفند دعاوى العبودية. وجاء الاستعلاء العرقي الحقيقي لأبناء قبيلة الدينكا، ضد مواطني جنوب السودان من الأعراق الأخرى. وصمت العالم الحُر عن المجزرة.

عبدالله الشقليني
22 يوليو 2018


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.