alshiglini"gmail.com


الشاعر إسماعيل بن القاسم ( أبو العتاهية)


قطعتُ منكَ حبائل الآمال ... وحَططت عن ظهر المطيّ رحالي
ووجدتُ برد اليأس بين جوانحي ... فأرحتُ من حلِّ ومن ترحالِ

أبوالعتاهية
(1)
ربما نستعيد ذكرى " أبو العتاهية " ونحن نستعرض أسراب شعُراءنا في العربية الفصيحة، كالهادي آدم و إدريس جمّاع و التجاني يوسف بشير أو محمد المفتاح الفيتوري و محي الدين فارس،وعبد الله الطيب ومحمد المهدي المجذوب ومحمد أحمد محجوب ومحمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والحسين الحسن وعبد القادر الكتيّابي، وسلسلة من أساطين الشِعر العربي الفصيح.
*
إنها الروافد البعيدة تأتي من أشعار الأوائل قبل ما يزيد عن الألف عام. كأنها اللواقح تأتي بها رياح التاريخ، لتُمطر في وقتنا الراهن. هذه السماوات الشِعرية الرحيبة، تأتي مترادفة ومكثفة الأحمال . يُسابق بعضها بعضاً، موجة إثر أخرى. هذا السحر الأبدي يبرُق كل حين. ويترفّع التعبير الفني ليعبُر فضاء النثر وبلاغته لصفاء تشبيهه وطيب بيانه. بتاريخه منذ الشعر الجاهلي و الإسلامي و الأموي و العباسي و الأندلسي و الحديث.
*
فرّ الشِعر من واقع اللغة المُتداولة نثراً، وامتلأ بالزخارف اللفظية، واكتنز من العواطف وغنى الوجدان والخيال المُحلّق الشيء الكثير. صور شِعرية ممتدة الظلال، تجد فيها الرقّة والعذوبة والوحدة العضوية. جنح الشعر في مستقبل أيامه على الإشتعال بوهج الأسطورة، وغرق الشِعر في الغموض والرمز، كلما اشتدّ الحصار على الشعراء، واستعصت القصيدة على التحليل والتقديم والنقد، لخروجها عن كل المقاييس.
ولكننا اليوم ندلف للتاريخ، لنتعرف على صفحة من صفحات النشأة الأولى، وقصة حياة شاعر من تلك البساتين.


(2)
ربما رحل أبو العتاهية عام 209 هـ أو 210 هـ. توفى أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي وأبو عمر الشيباني عبد السلام في يوم واحد، في خلافة المأمون العباسي. بيننا وبين زمانه بون شاسع، إلا أن الغصن لم يزل أخضرا، يجري في عروقه نبض الحياة.
*
نسبه وأخباره:
اسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة، وكُنيته أبو إسحاق. وأمه أم زيد المحاربي، مولى بني زهرة.
كان أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المُخنثين، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة، ثم قال الشِعر فبرُع فيه وتقدم. ويقال أطبع الناس بشّار والسيد وأبو العتاهية. وما أقدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته. كان غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتنان، قليل التكلّف، إلا أنه كثير الساقط المرذول. ومع ذلك أكثر شعره في الزهد والأمثال. كان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة، ممن لا يؤمن بالبعث، ويحتجّون بأن شِعره إنما هو في ذكر الموت والفناء، دون ذكر النشور والمعاد. له أوزان شعرية طريفة، ولها مما لم يتقدمه الأوائل، وفيها أنه كان يُزعم أنه كان من أبخل الناس، مع يساره وكثرة جمعه الأموال.


(3)
قال الخليفة المهدي يوماً لأبي العتاهية: أنت إنسان متحذلق معته. فاستوت له من ذلك كُنية غلبت عليه، وسارت له في الناس. ويقال للرجل المتحذلق عتاهية، كما يقال للرجل الطويل القامة شناحية. ويقال له أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام.
*
أخبر ميمون بن هارون عن بعض مشايخه، لقد كُني بأبي العتاهية، فقد كان يحب الشهرة والمجون والتعته. ولد بالكوفة وهي بلد أبائه وفيها مولده ومنشأه وباديته.
قال محمد بن سلام: كان أبو العتاهية يذكر أن أصلهم من عنزة، وأن جدّهم كيسان كان من أهل عين التمر. فلما غزاها خالد بن الوليد، كان كيسان جدّهم هذا يتيماً صغيراً، يكفله قرابة له من عنزة، فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهلها، فتوجه بهم إلى أبي بكر، فوصلوا إليه وبحضرته عباد بن رفاعة العنزي بن أسد بن ربيعة بن نزار. فجعل أبوبكر رضي الله عنه يسأل الصبيان عن أنسابهم، حتى سأل كيسان فذكر له أنه من عنزة، فلما سمعه عباد يقول ذلك، استوهبه من أبي بكر، وقد كان خالصاً له ووهبه له فأعتقه.
*
تحدث أبو دؤيل مصعب بن دؤيل الجلاني، قال: لم أر قط مندل بن علي العنزي وأخاه حيّان بن علي غضبا من شيء قط إلا يوماً واحداً، دخل عليهما أبو العتاهية وهو مضمّخ بالدماء. فقالا له : ويحك ما بالك؟ فقال لهما: منْ أنا؟.فقالا له: أنت أخونا وابن عمنا ومولانا. فقال: إن فلاناً الجزّار قتلني وضربني وزعم أني نبطي، فإن كنتُ نبطياً، هربت على وجهي وإلا فقوما فخذا لي بحقي. فقام معه علي عيسى بن موسى وقال: لأخذنّه لك منه، ومرّ معه حافياً حتى أخذ له بحقه.


(4)
قال الخليل بن أسد: كان أبو العتاهية يأتينا فيستأذن ويقول أبو إسحاق الخزّاف: كان أبوه حجّاماً من أهل ورجة. ولذلك يقول أبو العتاهية:
ألا إنما التقوّى هو العزّ والكرم ... وحبّك للدنيا هو الفقر والعدم
وليس على عبدٍ تقيّ نقيصةٌ ... إذا صحح التقوّى وإن حاك أو حجم
*
تحدث محمد بن أبي العتاهية، قال: جاذب رجل من كنانة أبا العتاهية في شيء ففخر عليه الكناني، واستطال بقوم من أهله. فقال أبو العتاهية:
دعني من ذكر أبٍ وجدِّ ... ونسب يعليك سور المجد
ما الفخر إلا في التّقى والزّهد ... وطاعة تعطي جنان الخلد
لابدّ من وردٍ لأهل الوّرد ... إما إلى ضحل وإما عدِ
*
تحدث أحمد بن حرب، قال: كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد، وأن الله خلق جوهرين متضادين لا من شيء، ثم أنه بنى العالم هذه البنية منهما. وأن العالم حديث العين والصنعة، لا محدث له إلا الله. كان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين، قبل أن تفنى الأعيان جميعا. وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث والطبع.
*
مذهب أبو العتاهية:
كان يقول بالوعيد وبتحريم المكاسب ويتشيّع بمذهب الزيدية البترية، ولا ينتقص أحداً ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان.
*
قال الصولي: حدثنا الجاحظ قال: قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي الخليفة المأمون، وكان كثيراً ما يعارضه، يقول في الإجبار أسألك عن مسألة. فقال له المأمون: عليك بشِعرك. قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مساءلته ويأمره بإجابتي. فقال له: أجبه يا ثمامة. فقال أبوالعتاهية : أنا أقول إن كل ما فعله العباد من خير وشر، فهو من الله. وأنت تأبى ذلك، فمنْ حرّك يدي هذه ، وجعل أبوالعتاهية يحركها. فقال له ثمامة: حركها منْ أمه زانية. فقال: شتمني والله يا أمير المؤمنين. فقال ثمامة: ناقض الماص ... أمه والله يا أمير المؤمنين. فضحك المأمون وقال له: ألم أقل لك أن تشتغل بشِعرك، وتدع ما ليس من عملك. قال ثمامة: فلقيني بعد ذلك فقال لي: يا أبا معن، أما أغناك الجواب عن السفه. فقلت: إن من أتمّ الكلام ما قطع الحُجّة وعاقب على الإساءة وشفي من الغيظ وانتصر من الجاهل.


(5)
قال العباس بن رستم: كان أبو العتاهية مذبذباً في مذهبه، يعتقد شيئاً، فإذا سمع طاعِناً عليه، ترك اعتقاده إياه وأخذ غيره.
*
قال أبو الشمقمق: إنه رأى أبا العتاهية يحمل زاملة المخنثين، فقلت له: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع، مع سنك وشِعرك وقدرك. قال: أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم.
*
قال بشر بن المعتمر لأبي العتاهية: بلغني أنك لما نَسكتْ، جلست تحجم اليتامى والفقراء وأبناء السبيل، أكذلك كان؟ قال: نعم. قال له: فما أردت بذلك؟ قال : أردت أن أضع نفسي حسبما رفعتني الدنيا، وأضع منها ليسقط عنها الكِبَر وأكتسب بما فعلته الثواب وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة. فقال له بشر: دعني من تذليلك نفسك بالحجامّة، فإنه ليس بحُجّة أن تؤدّبها وتصلحها بما لعلك تفسد به أمر غيرك. أحب أن تخبرني هل كنتَ تعرف القدر الذي كان يحتاج فيه منْ تحجمه إلى إخراج الدم. قال: لا. قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين.
*
قال أبو شعيب: قلت لأبي العتاهية ، القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق؟. فقال: أتسألني عن الله أم عن غير الله؟ قلت: عن غير الله. فأمسك. وأعدت عليه السؤال، فأجابني هذا الجواب، حتى فعل ذلك مراراً. فقلت له: مالك لا تجيبني؟.قال: لقد أجبتك ولكنك حمار.


(6)
وصفه:
كان أبو العتاهية قضيفاً أبيض اللون، أسود الشَعر، له وفرة جعدة. وهيئة حسنة ولباقة وحصافة . كان له عبيد ولأخيه زيد كذلك. منهم يعملون الخزف في أتون لهم. فإذا اجتمع منه شيء ، ألقوه على أجير لهم يقال له أبوعياد البزدي، من أهل طاق الجرار بالكوفة، فيبيعه على يديه ويرد فضله إليهم.
*
قال عبد الحميد بن سُريع مولى بني عجل: رأيت أبا العتاهية وهو جرّار، يأتيه الأحداث والمتأدبون، فينشدهم أشعاره فيأخذون ما تكسّر من الخزف، فيكتبونها فيها.
*
تحدث موسى بن صالح الشهرزوري، قال: أتيت سلما الخاسر، فقلت له: أنشدني . قال: لا ولكن أنشدك لأشعر الجنّ والإنس، لأبي العتاهية ، ثم أنشدني:
سكنٌ يبقى له سكن ... ما بهذا يؤذن الزّمن
نحن في دار يخبرنا ... يبلاها ناطقٌ لَسن
دار سوء لم يدمْ فرحٌ ... لامرئ فيها ولا حزن
في سبيل الله أنفسنا ... كلّنا بالموت مُرتهن
كل نفسٍ ميتتها ... حظها من مالها الكفن
إن مال المرء ليس له ... منه إلا ذكره الحسن
*
قال عبدالله بن عبد العزيز العمري: أشعر الناس أبو العتاهية، حيث قال:
ما ضرّ منْ جعل التّراب مهاده ... ألا ينام على الحرير إذا قنع
قال أبو العتاهية: لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراً لفعلت.


(7)
قال محمد بن أبي العتاهية: سُئل أبي: هل تعرف العروض؟ فقال: أنا أكبر من العروض. وقال محمد: له أوزان لا تدخل في العروض.
*
قال ابن الأعرابي: تحدث بهذا الحديث عن شِعر أبو العتاهية، فقال له رجل بالمجلس: ما هذا بشعر بمستحق لما قلت، لأنه شعر ضعيف. فقال له ابن الأعرابي: الضعيف والله عقلك، لا شِعر أبي العتاهية. تقول أنت ضعيف فوالله ما رأيت شاعراً قط أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضرباً من السحر. ثم أنشد من شعر أبي العتاهية:

قطعتُ منكَ حبائل الآمال ... وحَططت عن ظهر المطيّ رحالي
ووجدتُ برد اليأس بين جوانحي ... فأرحتُ من حلِّ ومن ترحالِ
حذف المُنى البَطر الذي هو من غد ... في قبره متمزق الأوصال
حِيل ابن آدم في الأمور كثيرة ... والموت يقطع حيلة المُحتال
قِست السؤال فكان أعظم قيمةً ... من كل عارفة جرت بسؤال
وإذا ابتُليت ببذل وجهك سائلاً ... فابذله للمتكرّم المفضال
وإذا خشيت تعذّراً في بلدة ... فاشدد يديك بعاجل الترحال
واصبر على غير الزمان فإنما ... فرج الشدائد مثل حلّ عِقال

وذكر أيضاً شعره في المديح:

وهارون ماء المزن يشفي به الصَديّ ... إذا ما الصديّ بالرّيق غصّت حناجره
وأوسط بيتٍ في قريش لبيته ... وأول عزٍّ في قريش وآخره
وزحفٍ له تحكي البروق سيوفه ... وتحكي الرعود القاصفات حوافره
إذا حميتْ شمس النّهار تضاحكتْ ... إلى الشمس فيه بيضُه ومغافره
إذا نُكب الإسلام يوماً بنكبةٍ ... فهارون من بين البرية ثائره
ومنْ ذا يفوت الموت والموتُ مدركٌ ... كذا لم يفت هارون ضدٌّ ينافره


(8)
قال هارون بن سعد أن ابن الحارث مولى عباد قال:
حضرنا أبا نوّاس في مجلس، وأنشد شعراً، فقال له منْ حضر المجلس: أنت أشعر الناس. فقال أبو نوّاس: أما والشيخ حي فلا. يعني أبا العتاهية.
*
أمر أبو العتاهية أن يُكتب على قبره:

أذن حيّ تسمعي ... إسمعي ثم عي وعي
أنا رهن بمضجعي ... فاحذري مثل مصرعي
عشتُ تسعين حجةً ... أسلمتني لمضجعي
كم ترى الحي ثابتاً ... في ديار التزعزع
ليس زاد سوى التُّقى ... فخذي منه أو دعي

عبدالله الشقليني
19 يوليو 2018