يؤمن " الترابي" مرارا على اعتقاد أن العنصر الإسلامي، هو الذي ينبغي أن يكون مهيمناً في السودان، وبعد خروجه من مسرحية سجنه، بعد انقلاب 1989 ، وزار بريطانيا، صرّح هناك أن المجلس العسكري الانقلابي هو نظام مؤقت ، وبعده تعود الديمقراطية مرة أخرى!.
وهو تطبيق عملي يزيل العوائق عن حركة الإخوان المسلمين في السودان، وأن تكون مهيمنة على الأوضاع السياسية. وبعد ذلك إفساح المجال للديمقراطية، بعد تمهيده للحركة الإسلامية بيد العليا التي انتزعتها بالانقلاب، ويصبح السلطان مُتداولاً بين الأحزاب الإسلامية.
أما دعوته التجديد في الإسلام ، فكان يرى حق المرأة في العمل والانتخاب وتقلد الوظائف أما رئاسة الدولة فلا. لم يناقش " الترابي" قضايا الإجهاض أو مسألة الختان للإناث. ولم يتبنَ " الترابي" إلغاء تعدد الزوجات أو اجتهاد في شريعة متطورة للأحوال الشخصية، كما فعل الداعية " محمود محمد طه "في تطوير شريعة الأحوال الشخصية، بل أراد هو تجميل قوانين المرأة، لتحشيدهنّ، للحصول على دعمهنّ السياسي لحركة الإخوان المسلمين في السودان.وقد عارض عام 1983 إعفاء غير المسلمين من عقوبات الحدود، في حين أصابه الإغماء حين شاهد تطبيق قوانين سبتمبر في سجن كوبر بأم درمان!. وقد اعتبر أن الاسلام الصوفي في السودان، انحراف خطير عن الإسلام، متأثر بخرافات شعبية أفريقية، حتى جاءه أصحاب الطرق في السودان يحمدون نجاته من حادث كندا المشهور.
سعى " الترابي" سعيه كله بهدف توحيد أهل القبلة ( ويعني السنّة والشيعة)، وفشل في ذلك، لأنه كان واثقاً من تجاوز الجميع التاريخ، وهو ما لم يحدث.


(2)
كانت محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق " حسني مبارك " في عام 1995 . وكان موقع الجريمة هو الطريق من مطار أديس أبابا وإلى داخل المدينة، عندما يكون الرئيس المقصود في الطريق لقاعة مؤتمر القمة الأفريقي بأديس في أثيوبيا. لن يملّ المُراقب النظر للحدث، ويستعجب أشد العجب، كيف يمُر الأمر دون ذكر الوقائع المعروفة التي أدت إلى سكوت النظام في السودان عن المطالبة بحلايب وشلاتين في حينه، أي عام 1995. وظل ضحايا حلايب من قتلى القوات النظامية، كأنهم جرذان لا أحد يسأل عنهم!. لكنها مساومة في السّر بين نظامين، تمت التسوّية على السكوت عن الاستيلاء على " حلايب "، لأن القائمين بالأمر من قادة نظام الإنقاذ قد دبروها، علماً بأن مساحة " حلايب" تعادل ضعفي مساحة دولة لبنان، وليس من السهل نسيان ذلك!.
لم يصرِّح التنظيم السرّي، ولا أي من أركان السلطة في السودان،عن مسألة " احتلال حلايب " خلال عقدين أو يزيد، حيث كان الأمين العام " الترابي" داخل السلطة ونافذ القرار فيها، وبالتالي رضي بالتسوّية الغائبة عن الإعلام، إلا من دليلها وهو الصمت !. واحتسبت الأرض شهداءها في " حلايب ".


(3)
أحاديث الأمين العام للتنظيم كانت كلها من بعد مُغادرته الشق السُلطوي من التنظيم، أي من بعد الرابع من شهر رمضان 1999!. لقاؤه في قناة الجزيرة عام 2007، و الذي تحدث عن " مؤامرة الاغتيال ": بدون ذكرٍ للأسماء المشاركة في المحاولة.وذكر أن الجناة ، بعد فشلهم دعوا مجلس الشورى، وأن رئيس النظام عيناً لم يكن يدري بالمؤامرة !.
وفي لقاء 2010 ذكر الأمين العام الأسماء المُشاركة في المحاولة. مع بقاء وعدٍ لقناة الجزيرة ألا تُبَث حلقات اللقاء إلا من بعد رحيله!. و بعد رحيله بدأ الحديث من بعض أركان السلطة عن أن الأمين العام ذكر ما ذكر ولكنه فقد المصداقية، فقد نسي الكثير وهو في خريف العُمر، وربما ذلك من أثر " حادث كندا "!.
ومن يريد أن يُنعش الذاكرة ،فليتذكر " صلاة الشكر " ، عند قدوم الأمين العام لأرض الوطن بعد أن استشفى في كندا من الحادث المذكور أعلاه، وبطل القصة " هاشم بدر الدين " المختص في الكاراتيه والحائز على الحزام الأسود ،وكان هو من جنود الحركة المتأسلمة قبل أن يُدرك مكر زيفها. لم يضرب هو الأمين العام، بل حمله وأجلسه بالقوة ، كما تقول الأفادة ، لأنه لو ضربه لأصابه في مقتل دون شك .
*
انتظم في صفوف الصلاة على الهواء مباشرة كل أركان التنظيم : السري والسُلطوي . وتمّ بثها في التلفزيون على الهواء مُباشرة !. وظهر ما كانت الجماعة تُخفيه من أن " الترابي" هو صانع الانقلاب.


(4)
لن نذهب مذاهب أهل السلطة، فنصوِّب هجومنا لمصر في الوقت والزمان الذي يحدده النظام، فقط لأنهم يريدون للضغوط على مصر أن تُثمر، في استرداد حقوق أخرى غير حقوق السودان في " حلايب " بعد أن فشل التغني بالتكامل والوحدة بين شعبي وادي النيل!، وهي التي تستوجب السؤال: لماذا صمت النظام على ضمّ" حلايب " في حينه ؟! ، بل أوغرت صدور أهل الإنقاذ، ومنعت أن تكون" حلايب" دائرة انتخابية في انتخابات 2010. وساد صمتٌ رهيب من أركان النظام، في حين أنهم يعلمون أن احتلال أرض "حلايب "، جاءت لتسوية أمر مشاركة بعض أركان النظام السوداني في محاولة اغتيال " حسني مُبارك ". وأن الصمت المطبق لازم السلطة وأهلها ولم ينطقوا ببنت شفة ، بل أن وزير خارجيتهم، صرّح أكثر من مرة أن " حلايب " ستكون أنموذج تكامل ووحدة بين الشعبين !!.


(5)
الجميع يعرف أن استيلاء مصر على أرض "حلايب " كان ثمناً نظير صمت مصر عن محاولة الاغتيال . وكما ذكر الأمين العام ( أمريكا تعرف الأسماء وأثيوبيا تعرف الأسماء أيضاً)، وذلك كما تحدث في لقاء الجزيرة عام 2007م . لقد تحدث الأمين العام عن محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق" حُسني مُبارك ". تحدث أيضاً عن اجتماع مجلس الشورى ليجد للمتآمرين حلّاً ، بعد أن فشل المجرومون .وذكر أن المسئول الأول عن محاولة الاغتيال هو " المدني بعده في التنظيم " !. وعندما أخبره المُحاور في القناة الفضائية بالأسماء وتبعاتها ، عقّب الأمين العام قال : " أنت قُلت و أنا لم أقلْ " !؟.
*
وذكر أنه إذا جيء به أمام المحكمة فسوف يذكر التفاصيل !!. ولن تلفّنا قشرة ضباب العدواة بين فريق الأمين العام والفريق المستأثر بالسلطة، لأن الأمين العام كان شريكاً في " محاولة اغتيال حسني مبارك " بصمته منذ العام 1995 ، ولم يبُح بالأسماء إلا في مقابلة 2010 ، أي بعد خمسة عشر سنة من الجريمة !. ورغم ذلك يقولون لنا هو القانوني الضليع ، والحائز على إجازة الدكتوراه في فقه القانون من جامعة السوربون الفرنسية منذ ستينات القرن الماضي !؟ .
ألم يكن لدراسة القانون من أثر على الدارس والمتفقه؟ .أليس هنالك من مانع يمنعه من المشاركة في الجريمة بالصمت !؟. وهو قول تقوله العامّة " الصامت عن الحق شيطان أخرس " !.


(6)
إن ظلت فزاعة الدِّين والأخلاق غير مُجدية لكبيرهم الذي علمهم السحر ، أو تقف الموانع أمام رجل يفترض فيه أن يكون سوياً ، ليسلك سلوك أهل القانون " في المنشط والمكره ".وهي التميمة التي بايع بها الأمين العام للتنظيم ، رئيس 25 مايو ، فكيف يأتمنه التنظيم على هيكله وينتخبه أميناً عاماً، إن لم يكُن السوس أصلاً في بطن التنظيم !؟. أليست الأحداث وما تبعها تُبيّن، كيف كان الرجل، لمنْ يحسبون الأمين العام مُفكراً !. أو حين كان يبهر تلامذته و رفقاء دربه ، بأنه يتحدث، حتى حديثه العام أيضاً " بالتجويد "!!.
*
جاء في لقاء الجزيرة 2010 في سلسلته الذهبية تلك ، بعد أن أخذ وعداً بإذاعته من بعد رحيله، ذاكراً الأسماء التي شاركت في جريمة محاولة اغتيال حسني مبارك عام 1995 في أديس أبابا!. أخلّ بوعده السابق في لقائه 2007 ، ولم ينتظر المحكمة لتي وعَدنا بها. و صرَّح بالأسماء ، ولم تزل الأسماء تشغل مناصبها في تسلسل التنظيم السري ، الذي هو قلب التنظيم !.


(7)
تقدم وزير الخارجية الأسبق " محمد أحمد محجوب " في ستينات القرن الماضي بكامل الملف للمحكمة الدولية مطالباً بأرض حلايب، لتكن تابعة للسودان. وعرفت مصر أنها إن رضيت بالتقاضي لدى المحكمة الدولية، فإنها ستفقد الحق ، بما أن موافقة طرفي التقاضي لدى المحكمة، هو أساس لحراك المحكمة من سباتها العميق، فقد صمتت مصر عن الموضوع ، ورفضت اللجوء للمحكمة. ويبقى الحق للتاريخ ينتظر، لا قوة لإنفاذه لأن الدولة قد أنهكت نفسها في الفتنة الكُبرى بين أهل السودان ، وقامت بتفكيك القوات المسلحة وصارت الساحة خالية من كل مقاومة ، وقدم الأمين العام دفوعه أن الرسول الكريم لم يكن له جيش!. يعني من الباطن أنه رصيف النبي!؟
*
صار الجميع يطالب " بحق تقرير المصير" . وكما قال الدكتور " علي زايد بريمة " في محاضرة له عن الإدارة " إن انهيار أي دولة هو بداية تآكلها من الأطراف ". لذلك حق تقرير المصير قضية ملتوية، وغائمة . أنصار الديمقراطية من رأس المال العابر للقارات لا يقبل بها إلا على مضض. لكن لتفتيت الأوطان يعتبر " حق تقرير المصير " وسيلة لاستضعاف الأمم ومن ثم تمزيقها.
ومن يريد أن يسترجع " حلايب " يتعين أن يكشف لنا وجه المساومة التي تمت عام 1995 في الموضوع.ويبيِّن لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود . وليتحمل المجرمون أوزارهم، ويبعدوا قضية " حلايب " من وكر الدبابير.


(8)
لم يزل الصمت عن تجاوزات الحدود بين السودان وأثيوبيا، واللعب بنار " سد النهضة " تارة هنا، وتارة في الملعب الآخر.لا يُعرف أين يقف النظام، هل هو مع مصر أم مع أثيوبيا ؟، أم أنها وسيلة للعبث بمصالح الدولة السودانية عند منْ لا يُحسنون اللعب !. وليعلم الجميع أن المخزون المائي خلف خزان النهضة " يعادل أكثر من ضعف مياه " بحيرة تانا " الإثيوبية عند اكتمال السد !! . وحوالى (75) مليار متراً مكعباً ، وستكون خصماً من حصتي مصر والسودان. وهو تغيير في طبيعة المجرى المائي الطبيعي العابر للبلدان، ولا يحق أن تُقيمه دولة دون اتفاق الدول المتشاركة لهذه القناة الطبيعية. والمياه كما هو معروف صراع القرن الراهن، وسوف يحتدم هو بين الأمم والأقطار في المستقبل القريب.


(9)
أما المياه السودانية بالقسمة المُجحفة السابقة بين السودان ومصر، فقد امتدت (30) عاماً أخرى بتوقيع السلطة السودانية عام 1989!.
قبل ذلك اجتمع رئيس الوزراء أيام الديمقراطية السودانية الثالثة في السودان ، مع رئيس مصر حينذاك " حسني مبارك ، واقترح عليه أن يتم تقييم نصيب السودان من ماء النيل الذاهب لمصر استدانة من استحقاق السودان. ولم يرض ذلك رئيس مصر السابق ، فكان رد فعله أن صار أول المهنئين بالإنقاذ حين جاءت بليل، وحطّت طائرته بمطار الخرطوم كأول رئيس يطأ أرض المطار من بعد انقلاب 1989 !.

عبد الله الشقليني

5 مارس 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.