لقد شرب الشاعر من دنّ كؤوس خلوة الأرواح المعذبة بالعشق المفتوح الآفاق . كأن المحبوب ليس الحبيب من لحمٍ ودم . لا يتغيّر بتغيُر الأحوال ، لا ينتفض من الدهشة ولا يأخذه النعاس . هو قريب مثل حبل الوريد ، يكفي أن تذكره بقلبك ، فهو يعلم الأسرار وما يُخفى . لذلك ينتبه العُشاق حين يتلذذون بوصاله . أنعمه كثيرة وفي قمتها الأرواح الهائمة ، الذائبة في الأجساد . بذكره تصعد الروح مراتب عالية ويزيد خفقانها . منْ يتذوق حلاوة تلك المُتعة ، التي لو سمع بها الملوك لقاتلوا العُشاق بالسيوف .

( يا هوى الأرواح أنت للعُشاق كالشذى الفوَّاح )
هكذا سار الشاعر يخطو خطو المتصوفة ، حذو الحافر ، كأنه عاشق مثلهم ، يهيم في دنياوات العشق المفتوحة على الآفاق .

(1)
لم أكُن أعرف مشقّة السؤال أو ضمّ الإجابة إلى صدرٍ دافئ . واليوم ليس كأيامي الزاهيات ، بل أرى النفسَ مربوطة إلى حجرٍ ثقيل في بحيرة راكدة . في القاع . في كل ثانية تمُرّ يحتفظ الصدر في جوفه بأكسيد سوف يقضي نحبه عن قريب ، وتغيّر جلده يبتغي الخروج في صورة أخرى . انقضى نحب الكلام وران صمتٌ بين الحوائط ، ضاق عليّ المكان ، وتمددت طولاً كمئذنة تشرئب إلى السماء ،إلى أن جاء موعد أن نستمع إلى الأغنية ، فانفرج الربيع من عتمة نار تتلظى .


(2)
الاشتياقْ والاحتراقْ والوجدُ لي
والانسجام والابتسام والحسنُ لكْ
خايف خُدودك تَنجَّرحْ من نَظرتي
وخايف فؤادي يذوب غرام من نظرتكْ


(3)

قد يقول قائل :
أنها مذلة في غير موضعها ، وأن الأنداد في العشق هم الذين يواكبون عصرنا ، لا الذين يركعون طلباً للصفح لذنب لم يرتكبونه ، أم متساوون يقذفون مشاعرهم في وسائل العولمة حتى صار للمعشوق مئات الألوف من العُشاق . يسمعونه ويقرءونه ثم يعجبون به أو يعشقونه . وصارت الصورة والصوت مملوكان تحت إمرة العولمة ، يُشاهدنا القاصِ والداني. يجعلون من الإنسانية في مساواة الطرفين أينما كانوا . إن زمان السيول التي تأتي من علٍ قد ولت .
وقد يكونوا مُحقين في كل ذلك ، ولكنا لا نُحاكم التاريخ بمنهاج الحاضر .


(4)
إن الشِعر الغنائي ، في مرحلة من مراحله حمل الكثير من عمق المشاعر ، وكشف عن عوالم أخرى غامضة في دنيا النفوس حين يأسرها الغرام . قد تبدو غريبة على عالم اليوم . ذلك الصفاء الذي يلف قصص العشق والغرام في تجربة الشاعر . فقفزت " غضبك جميل زي بسمتك " أيقونة قصيدة وأغنية تتألق بعد انقضاء أكثر من سبعين سنة. أدرنا حوارات عديدة مع الشاعر الدكتور " عز الدين هلالي " ، وتحدّث كثيراً عن ارتباط الأيقونة بالقصيدة الغنائية . ونذكر مثالاً لذلك مقطع " أطرد الأحلام يا جميل وأصحى " للشاعر "مصطفى بطران" أو " ما بنختلف وريني بس قانون هواك " للشاعر الراحل " حسن الزبير".


(5)
كتبت أميرة السيد:
فقد اخرجتنا من جو السياسة ومناظر القتل والدماء والمذابح اليومية التي تحدث في أرجاء العالم ، وذهبت بنا إلى عالم الأدب والكلمة البديعة والأحاسيس المرهفة. في البدء جذبني لقراءة الموضوع عنوانه المبتكر الجميل المموسق" غضبك جميل زي بسمتك"، فقلت في نفسي لا بدّ أن العاشق الذي يرى غضب المعشوقة جميلاً كالبسمة، يكون من طباعه أنه مرهف الأحاسيس والمشاعر ويكّن الحب الصادق العميق ، أما تعليقي على عبارة " المذلّة في غير موقع" ، فهي أنه لا توجد مذلّة أو كرامة مُهدرة في حياة العاشقين. فإذا قرأت شعراء الجاهلية" في المعلقات السبع" فستجد أن الشاعر يكتب كلاماً من نور، وتشعر أن الكلمات تريد أن تخرج وتزغرد زغرودة الفرح والسعادة ، وهي تلفظ اسم الحبيبة ، محفوفة بتوسلات. واذا قرأت شعر "جميل بثينة" أو " كثيّر عزة " فستجد للكلمات أنغام وألحان .


(6)
رددت :
وكما تفضلتِ إنها زاد لتُغتسل فيه الأرواح المتعبة . فهذه الدنيا معبأة بالأحزان والأتراح . وقليلاً ما نشهد راحة بال أو عذوبة مشاعر أو جمال نتأمله ، فرغم تقدم الزمان وتعدد المشاهد وتنوع الرؤى ، وكثرة الخيارات ، فإن الحُزن يُعشي القلوب ، فلا تشهد تلك الملائك الهائمة مع المشاعر المتدفقة إلا فيما ندر . وكلمات الأغنية تأسر النفس ، وتوقف جريان الهموم و لن تمُر مرور الكرام .


(7)
كتب هاشم محمد الحسن :
هذا موج من الطرب الحقيقي للفن الجميل ، هذه الأغنية من كلمات الشاعر العظيم "حميدة أبو عُشر" وألحان وغناء الحاج "عبدالحميد يوسف" من أروع كلاسيكيات الغناء السوداني، وتعتبر قفزة نوعية كبيرة في مسيرة الغناء السوداني ولقد استقبلها الجمهور السوداني استقبالاً حافلاً. وصارت تُطلب من الفنان في كل حفلة ، وكانت الجماهير تحمل الفنان على الأعناق بعد نهاية الحفلة ،أعجاباً بهذا العمل الأسطوري الرائع الذى لم يتكرر ولن يتكرر، فلقد أسعدتني كثيراً هذه الأغنية الجميلة والتي لا تفارقني أسطوانتها أبدا.


(8)
كانت الدنيا في الشعر الرومانسي الحالم ،وجه آخر من عذابات العُشاق التي تمر علينا عند كل منعطف . فالكون ممتلئ بصورة خالدة تأسر مشاعرنا ونحن نطّلع عليها في بواكير أيامنا. خرج وجداننا نقياً مثل الأجساد التي ذوبها العشق والغرام ، وخبأ نورها وقضت نحبها وهي في طور الشباب . نقرأ قصصها وندلف لعوالمها البهية التي شكلت غرف وجداننا في بواكير أيامنا . وفي الأغنية عالم غريب . فيه حُمى ذلك الغزل الذي يزهق الروح بالعذاب الحلو . يحكي كيف كان الغرام قطعة من الجمر ، وأن العشق يقطِّع الأكباد بالحسرة ، ويصهر الروح . فالعاشقان في قصتنا هذه ، كأن واحد في شُرفة قصر ، وآخر مع العامة في الطريق . كأن العشق ممدود يجسر المُختلفان ، و بينهما بون شاسع وحوائط سميكة ،وثلوج غير قابلة للذوبان . كان العشق يتولد من وهج الأحلام ، يأخذ من تراب الأرض موطناً. وتأخذ الروح في آلام مخاضها وإعسار طريقها حاملة صليبها على ظهرها، إنسانية التسامُح .


(9)
رددت أنا :
إن مثل تلك الأغنيات المغموسة في المشاعر التي تحكي الشجن والمحبة ، وتحمل في جوفها الكثير الذي يمكننا أن نفتح أغلفته . ففي أيقونة القصيدة ، وغرابة التشبيه ، واختلاط المعنوي بالحسي ما يختلف كثيراً عن طرائق التأليف في الشعر الغنائي . وقد أصابتها شهرة ومحبة من العامة والخاصة . وهو عمل رائع بكل المقاييس . ونحن هنا نتحدث عن موسيقى وغناء الشعوب ،وهي جزء من المكوِّن الوجداني الذي يسهم فيه المبدعون في الإمساك والنهوض بالمشاعر وتنقيتها وتطويرها بمضامين إنسانية رفيعة .
إن للطرب بصمات . ولمنْ يؤدى أغنية يتطلب أن يعيش نصوصها الشعرية ، ويتمرن كثيراً على الأداء وإجراء البروفات ، ومن ثم يتعمق في الأداء ، يستبطن الكثير من المشاعر الخفية في الأغنية ، ومعايشة قصة الأغنية ، ومحبتها ، ويتتبع آليات التطريب .
إن اللحن الذي صاغه المطرب الباهر " عبد الحميد يوسف " قد أحدث اللقاء التاريخي بين الشعر الغنائي وموسيقى الأغنية . فقد عايش اللحن القصيدة ، وشرب من ينابيعها ، وأمكنه أن يتناول النص بمحبة ، ويصل إلى عمل متكامل جاذب لكل من يستمع له .
كنت أعرف أن للمحبة والعشق أكثر من حياة . ويسلكان طرق غير التي نعرف . لأن التجربة الواحدة غنية كالبصمة ، لا تتكرر بتكرار حيوات المحبين . فالدنيا كل لحظة تلد تجربة تنبُت في أرض وزمان مختلف . إن التراث الشعري زاخر بالمشاعر المتقلبة والأشجان المتنوعة ،وليس هنالك للعشاق قالب للمسلك ، فهي مشاعر متدفقة ، ليس من السهل حسابها ، وليس من السهل قياسها .ولكن ، تبقى الكلمة الشعرية التي تمس مشاعر القراء ، والأغنية التي نهلت من تلك الأحافير التي قدمتها القصيدة ، وعند اكتمال العمل الفني ، نجد أنفسنا دون أن نشعر قد دخلنا هذا المعبد ، وكأننا جلسنا إلى المحبين نتعرف على دُنياهم .


(10)


كتبت سلمى الشيخ سلامة
"غضبك جميل زي بسمتك" ، ما أحلى الوصف وما أجمل" أبو عشر" وأصفى شيخي "عبد الحميد يوسف". وإذ أضيف إلى صف الذين تغنّوا بهذا الكلم الروحي ، أقول إن الراحل المُطرب الفنان" حيدر حدربي". كان له الفضل في رفد وجداننا بهذا الغناء البديع . كانت القاهرة في أوائل التسعينات تمور بالبشر الرائع. وكان من بين الذين احتوتهم المطرب الفنان" حيدر حدربي"، يجئ الى بيت" السني دفع الله" كلما عنى له أن يشجينا ، يجئ اذن حاملاً أوتاره . ونبدأ في نشوتنا ، وكان أحيانا يجئ برفقة الأستاذ " فاروق الجوهري " ليسجل لإذاعة وادي النيل ، فتكون طلباتنا منه أن يشجينا بهذه الأغنية ولا يبخل علينا، فأدمنّا سماعها منه حتى ظن البعض أنها ملك له، لكنه كان يصحح تلك المعلومة ويضفي على التصحيح أدبه الجّم . لكم كان رائعا وهو يغنيها. أكاد أجزم لو كان شيخنا "عبد الحميد يوسف" بيننا لأهداها له لفرط حبه لها وتعلقه بها، خاصة وهو يردد المقطع الأخير، فيذيبنا سَكراً ويحلِّق بنا إلى أرحب السموات البديعة بصوته الرائق واداؤه العذب.


(11)
ببنان الشاعر ، كتب " حميدة أبو عشر" القصيدة التي لحنها وغناها المطرب " عبد الحميد يوسف" في خمسينات القرن الماضي . وحملت أيقونة علاقة العشق والغضب ، وجماله . وهو يحمل في جرثومته آداب التسامُح . يستوي الغضب والابتسام . إنها لحيرة أن تكون القصيدة شهادة قرابين العشق في مدرسة الحب بين شريكين، ضاربة الجذور . فهل لنا من قول حين نرى حكم الغرام بتذلل المُحب ، ودلال المحبوب ، وكيف لا نرى العذرية في الاشتياق والاحتراق ؟


)12)
عندما بدأ بناء مدرسة " حنتوب الثانوية " في زمان المستعمر ، فقد تمّ تكليف الإغريقي " كلينجي " مستصحباً كل مقتضيات العمارة الحديثة في ذلك الزمان البعيد. وأيضاً وموجبات التربية ومستلزمات البدن والبيئة والصحة والتعليم . ساعده في بنائها الفنان " عبد الحميد يوسف " بمعاونة من الشاعر الألمعي " حميدة أبو عشر" الذي كان يعمل رئيساً للنجارين . ومن هذه العلاقة تطور لقاء الشاعر بالملحن والمطرب في تنفيذ هذا العمل البديع .

وإن ذكريات طيبات لـ "سلمى الشيخ سلامة" تلك، التي جمعت لفيف من المبدعين والمبدعات في القاهرة . وقد خصنا كثير من هؤلاء بذكريات تلك الأيام ، وقد حدثنا من قبل عنها الدكتور "عز الدين هلالي رفيق درب الكثيرين .
نعود للأغنية ، وهي تبز أغنيات الحاضر إلا القليل الذي تدفق إلينا من الذين طرقوا الجديد في فن الشعر الغنائي ، منهم " يحي فضل الله " أو " خطاب حسن أحمد" أو لفيف من الذين حفروا في ذواكرنا شعراً بطعم جديد ونغم مُطرب . كأن لهذه الأغنية رصيدٌ من غزو المستقبل ، فقد خرجت عن سلطة الزمان ، وجاءتنا كأنها ابنة اليوم .فقد غمر وجدَكِ ومحبتَكِ الإبداع في كل سانحة ، الأمر الذي مكننا أن نبحث عن تلك القفزات الرائعة في فن الغناء ، وننهل منها لنُضاهي ماضينا بالحاضر ، ونعقد مؤتمر الإبداع الذي يمتحنه الزمن ، وتُجلي نفائسه المقاربات .
يبدو أن الصورة الحميمة للنص الشِعري في الخمسينات من القرن الماضي لهي نقلة كبيرة في كتابة شعر الأغنية . وإن النص ليرقى ليُنافس قصائد اليوم ، في وقتٍ كانت مدرسة الشعر العربي الحديث ، تتلمس الخُطى ، فكيف بالنص الفصيح المُطعم باللغة العامية .إن للشِعراء اختراقاتهم الكبيرة في فتوحات الشعر ، الأمر الذي بموجبه كسروا الكثير من المقاييس والنظم ومناهج التناول.


(13)
تواصلنا مع الأغنية : نصاً ولحناً وأداء :
كتب " شين مستيل " عن التواصل :
( إننا ننصت أكثر للذين نحبهم . إننا نحب الأشخاص الذين نستطيع التوحد معهم والذين يستطيعون التوحد معنا. إننا ننتبه للذين نعتقد أنهم يعنون حقاً ما يقولون . دائماً ما يكون التواصل أكبر بكثير من مجرد الكلمات أو الصور وقد تكون :الطريقة التي نسمع بها النصوص .أو حيوية الكلمات التي نسمعها منطوقة . الطريقة التي نشعر بها بنفس الكلمات في كل مرة نقرأها .إلى أي مدى تظل الكلمات والصور في ذاكرتنا وتؤثر علينا فيما بعد .قد يكون التواصل ببساطة هو الانطباع الذي يتركه لدينا فعل أو إشارة طبيعية وغير متوقعة .وانفتاحها هو الذي يجلب الحساسية والصدق والتلقائية وحتى الرقّة واللّطف )
ونضيف إلى جملة ما ذكره " شين "، أن ذلك فيما يتعلق بنص التواصل ، وماذا بشأن اللحن والأداء والمشاعر المتدفقة الأخرى ، وكيف تفعل فعلها في التواصل مع الأغنية ؟

(14)
كتب محمد الكامل عبد الحليم:
لا أفق للتأمل عندما يستوي الغضب والابتسام في الجمال ، عبر عدسة لا علاقة لها بالضوء في حيزه وانتشاره وذرات وجوده ،التي تنبثق بفعله السنابل ، لكنها عدسة يشكّلها الوجدان وينثرها الوجد في حنايا الوله الملتاع ، حين يفوح ويبوح بالحب...أصل الاشياء ورونقها البديع.


(15)
هذا يوم الرفقة الحانية ، والخُطى المُدجّجة بالعواطف النديّة ، في زمان تُدير الحياة وجهها النضير أمام أزهار التُلُب والقسموس ، فتُحيل الجفوة نضاراً ، فيُكفكِف الندى أدمعه ، ويقلق الليل نوم عصافيره وتخفُت النجوم . وانفتحت وردة أخرى ، وجاء شركاء المحبة المبذولة على كل الآفاق على أكُف الفرح. وكتبوا ما أوحى إلى عالمهم المكنوز بمحبة للدنيا ، وللعشق الذي فتحنا أبوابه في شعر الأغنية وطرب " المحبين اليتامى " . انعقد اللسان ، ووجفت البنان عن الكتابة ، لعلنا عشنا عشق الشاعر والمغني ، وأجلسنا الغضب الجميل ، يتسول فيه الشاعر أن يعيد البسمة لمن يُحب ، وإنها لعاطفة ناعمة الملمس ، مملوءة بالفرح المكتوم

(16)
خايف خدودك تنجّرح من نظرتي
خايف فؤادي يذوب غرام من نظرتكْ
يا آية المعنى الرفيع
على كل حال شكلك بديع
غضبك جميل زي بسمتَكْ

راقبوا معي كيف تداخل الحسي في المعنوي ، وكيف تبادلا الأمكنة والأدوار . وكيف تحولت النظرة بكم هائل من الهيام إلى سكين يخاف فيها العاشق أن تجرح خدود المحبوب ، وقد زادهما استخدام صيغة " الجمع " ، خدود بدلاً عن خدين ، أو كيف يذوب القلب ، ترمومتر الغرام كقالب ثلج ينصهر من نظرة المحبوب.

عبدالله الشقليني
18 مايو 2018


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.