لملمت جُرحك يا أبي
برموش أشعاري
فبكتْ عيون الناسِ
من حزني ... و من ناري

*
محمود درويش

(1)


ليست الدُنيا تسير كما نُحب ونهوى . ترمي علينا بأشواك المواجع كل يوم وكل ليلة ، في زمان يندُر أن ترى الضمير الحُر صاحياً والمهنية الرّاقية الحصيفة حاضرة، والعلم الذي ينحني لمنْ روّضه زاهياً ، ورقّة المشاعر بلسماً ،والتواضع الجمّ مسلكاً ، كلها تجتمع في رجلٍ واحد . كانت هذه بعض صفاته . يعرف مشروع الجزيرة ، قنواته وجسورها عن ظهر قلب واحداً واحد ، تفتيشاً تفتيش ، كل الجداول والقنوات والمباني والبيارات . بصمات المهندس "عبد الوهاب إبراهيم سليمان " لن ينساها الزمان ، كما لن ينس الزمان الإنكليزي المستر "جنيسكل" والمهندس" مكّي عباس" والمهندس "مرتضى أحمد إبراهيم " والمهندس " صغيرون الزين صغيرون " ،في مشروع القرن العشرين: " مشروع الجزيرة ".
أول مرة تعرفت عليه ، حين كان يشغل منصب كبير المهندسين بجامعة الخرطوم . تسلّم أوراق التقديم الخاصة بنا وقام بتعيينا في " وحدة المباني" التابعة لمكتبه . المهندسين المعماريين هم :" بدر الدين خوجلي "و " سهام عبدالله عثمان " والطيب وشخصي ، في نوفمبر 1976. تدرّبنا على خبرته هو والأستاذ " أحمد المرضي جُبارّة " ،الذي كان يعمل بالمشاهرة في منصب مقرر التنمية في جامعة الخرطوم حينذاك .


(2)
في عام 1977 كُنا نعُد ميزانية التنمية بجامعة الخرطوم ، و نستبق الخُطى في مخاطبة جهات الاختصاص المعنية في كليات جامعة الخرطوم حول احتياجاتها ، في الوسط ومجمّع العلوم الطبية ومُجمّع شمبات . تدوين أغراض المشروع وأهدافه و دراسة المخططات الأولية كل مشروع على حده ، وإعداد التكلفة التقديرية لتشييد المشاريع وفق استمارات وزارة التخطيط ، توطئة لمناقشتها للمصادقة على المشاريع وفقاً لأولويات الدولة والجامعة . وكنا نقضي جلّ أيام العمل في إعداد الميزانية السنوية، حتى وقت الغروب .

*
تميّز المهندس " عبد الوهاب إبراهيم سليمان " بخبرة هندسية واسعة ، متعددة ومتنوعة في تصميم وتنفيذ البيارات في مشاريع الري ،و المباني الانشائية في مشروع الجزيرة ومشاريع جامعة الخرطوم وكم هائل من التصميم والتنفيذ لمشاريع لا يحصيها العدد. يترك بصمته التي لن تنساها حين تتعرف إليه أول مرة ، ودوداً طيب القلب هادئاً يكاد صوته أن يكون إلى الهمس أقرب. يعطيك المسؤليات ويُسندك في العمل التقني ببصيرة نافذة . تجده يشارك الجميع في مناقشة القضايا الهندسية ، ولديه وفرة في كم الخيارات . في الاجتماعات تجده سلس يُحسن الاستماع ، ولا يتخذ القرار إلا بعد المشورّة ، وحين يتطلب الأمر قوة العزيمة ، يتخذ القرار المناسب في الزمان المناسب ويدافع عنه وقت المساءلة .


(3)
طلب انتدابه لشركة الشرق الأوسط للتشييد عام 1977، وعمل مع الراحل المهندس " أحمد الطيب بابكر " . واتخذت الجامعة بديلاً له في المنصب نائبه الراحل المهندس" حسن سيد إمام ".
وعندما قلّت ميزانية ورشة الصيانة التي تتبع لمكتب كبير المهندسين بجامعة الخرطوم ، تأثر سقف قاعة امتحانات الجامعة من موسم الأمطار وعدم توفر صيانة دورية للقاعة ، فتسربت المياه عبر السقف المُغطى بلفائف الأوبرويد ، التي صممها وأشرف على تنفيذها مؤسس قسم العمارة بروفيسور " أليك بوتر " عام 1963 ، وهي ذات تصميم فريد على نظام " Hyperbolic Paraboloids " ، وحدث هبوط إنشائي بما يعادل 30 سنتيمتر ، في السقف الخشبي . وتطلّب الأمر إستشارة مجموعة من الخبراء المهندسين من أساتذة كلية الهندسة بجامعة الخرطوم . وكان رأي البروفيسور " دفع الله الترابي " إزالة السقف !، وكان في وقته تتكلف الإزالة أكثر من مليون جنيه وفق تقديرات 1984 ، وذلك لارتفاع السقف عشرة أمتار ومساحته البالغة 900 متر مربع . وكانت قاعة الامتحانات تؤدي أغراض متنوعة للجامعة منها قاعة محاضرات عامة وقاعة مسرح وسينما ، إضافة لامتحانات الطلاب.
رأينا مشورة المهندس " عبد الوهاب إبراهيم سليمان " . جلسنا معه في اجتماع مطوّل حول الخيارات . ووعدنا بتقديم عرض كامل لتصميم وتنفيذ تأهيل القاعة بمبلغ يعادل 800000 جنيه سوداني وبمدة تنفيذ تعادل بضع أشهر، مع تقديم تعهّد بضمان الأعمال لمدة خمس سنوات .
وبالفعل وافقت وحدة المباني، وجامعة الخرطوم على عرض "شركة الشرق الأوسط للتشييد" ، وقام المهندس" عبد الوهاب إبراهيم سليمان " بتفيذ المُقترح الخاص بتأهيل القاعة ،الذي مهد لجامعة الخرطوم أن تتنفس الصعداء . واستمرت صلاحية القاعة بعد التأهيل ، ليس إلى وقت الضمان عام 1989، بل إلى العام 2012 ، حيث تمّ إعادة تصميم وبناء قاعة إمتحانات جديدة مكانها.


(4)
ليست هي الكلمات التي تُعبّر عن رحيل المرجع الهندسي المهني ، والخبرة الطويلة الممتازة ، فقد تلقى هو دراساته العليا في المملكة المتحدة ، وصقل خبرته بالنهل من الينبوع الأكاديمي، في زمان نشهد نحن ضمور الخبرة والتأهيل الهندسي في السودان رغم التوسع في الجامعات، و نشهد أمثلة مؤسفة ، كسقوط مبنى لجامعة الرباط قبل عدة سنوات، وهو مكوّن من سبعة طوابق فجأة في عهد الإنقاذ !.
يعزّ علينا أن يفتقد الوطن دعامّة من الرعيل الهندسي الأول . رجال ينسربون من بين أيدينا ، وقد قدموا زهرة شبابهم لخدمة الوطن .
عزيزاً كان هو ، و سندأ و خبرة وطنية شامخة . حمل السودان في سويداء قلبه، رحل عن دُنيانا ، وهو يدعو مُخلصاً لموطنه بالعافية من الإظلام العام ، و أن يحُول السودانيون دون أن يقفز وطنهم إلى المجهول .

عبدالله الشقليني
1مارس 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.