26 فبراير 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

" الضو " يكبُرني بعامين و" أسامة " يصغرني بعامين. استأجرتْ الأسرة منزل خالي لبضع سنوات في أواخر خمسينات القرن العشرين .أقضي معظم وقت فراغ الطفولة مع " أسامة " . " أسامة " و " الضو" وأختهم الكُبرى هم من أبناء الزوج الثاني ، الذي تزوجته والدتهم من بعد رحيل الزوج الأول . يسكن معهم في صالون البيت أخوّان غير شقيقين ويكبُرانهما ، و يعملان في وظائف تفي بالحال .

(2)

كنتُ أقضي جُلّ وقتي مع " أسامة " . وفي المساء كنت أجالسه في ساحة دارهم الداخلية . وقبل نومه أبدأ في حكاية قصص له عن الحيوانات المتوحشة والغابة وحياة الناس . هو يستمع للقص بأذان صاغية ،بل يولع بالقصص التي أقوم بحكايتها له ، مما شجعني على التأليف . كنتُ في كل مرة أبدأ القصّ من حيث انتهينا بالأمس . القصّ عندي ملاءة مفتوحة على سماء الخيال ،لا نهاية لها : حكاية الأسد تستولد حكاية النمر ، وحكاية النمر تستولد حكاية الذئب أو الثعلب ، وحكاية الغزال تستولد حكاية الدجاج . قصصٌ كأنها مأخوذة عن كتاب " كليلة ودِمنة " ، الذي ترجمه "عبد الله بن المقفع "إلى اللغة العربية في العصر العباسي وصاغه بأسلوبه الأدبي متصرفاً به عن الكتاب الأصل المكتوب باللغة السنسكريتية. لم يكُن هناك تلفزيون لينشغل به أحد ، أو جَدّة تحكي الأقاصيص للصغار ، كُنت أنا الراوي وحدي وأنا ملك القصّ.

(3)

الغابة وسكانها يتمثلون في قصصي كأنهم أشخاص آدميين ، ذات المسلك البشري وذات نمط الحياة وتقلبات أحوالها . ألصق بهم كل صفات الناس ، ولكن بجراءة أكثر وبتعديل حسبما تتطلبه ضرورة القصّ ، ولغتي هي العربية الدارجة .أبطال قصصي يتفاضلون في تنوع الصفات والعادات والمآرب والأهداف الظاهرة والباطنة. يأخذون من القوة والمكر والحيّلة واللّين والمُخادعة والحكّمة والبُخل وسرعة الغضب وضِعة النفس والشّره وحِدة المزاج وبلادة الحسّ والشكوك والأنانية المفرطة والغيّرة والعجز والكراهية والصفاء حيناً ويكتنزون صفات الغضب والحقد والثورة ،والهرب عندما تتطلب الحاجة .
كُنت أحكي الألغاز التي تناقلناها عن الأجيال :
رجلٌ صادق نمِر وكان بصحبته حملاً وحزمة برسيم ، وأراد أن يعبر نهراً بقارب لا يسع إلا اثنين فقط فماذا يفعل ؟
يُجرب " أسامة " كل الخيارات ويفشل، فلو اختار الرجل أن يعبر بالقارب مع النمر ، فإن الحَمل سوف يأكل البرسيم ، وإن اختار الرجل أن يعبر بالقارب مع حزمة البرسيم ، فإن النمر سيفترس الحمل . وأنا أتبسم لضعف حيلته أمام اللُغز وتجريبه الخيارات ، فتتدخل والدته في حل الأحجية وقد كانت قريبة تسمع حكاياتنا.

(4)

الغابة مليئة بالأساطير والغموض ، وهي مُناخ طيب غنيّ بأحماله وهي مادة خام للروايات والأقاصيص. وحيوانات الغابة تعيش دوماً حالة البحث عن الطعام ، والسطو على الأوكار وسرقات الصيد من الآخرين . وتدبير القنص الجماعي ووضع الخُطط لتنفيذه ، والتمويه والسرّية والمُباغتة . كنتُ أفضّل عالم الحيوان ، أنزعه من أحواله المُعتادة ، وألبسه مسلك البشر وأدخله حياتهم بمغامراتها وضروب تناقضاتها . أُظهر من خلال القصّ الطموحات بين الفشل و النجاح وإعمال الذهن والحيلة والمكر. وهو أيضاً خامة الجدل والخروج أو الدخول في المآذق . المُتربصون الحذرون وأصحاب الحيّلة ،هم البالغون أهدافهم ولو طال الزمان.

(5)

وبدأت أنا مسلسل القص اليومي :
كان هنالك في قديم الزمان ثعلب ماكر ، لبس زي إنسان وذهب للسوق مُدعيا أنه يرغب شراء ديك . تحاور مع صاحب الدجاج في السوق حول ثمن الديك. اتفقا على أن يكون الثمن خمسين قرشاً . فقال الثعلب المُتنكر:
- أنا أملك المال ولكنه ليس معي الآن ، أيمكنك أن تُسلفني الدجاجة ، وأعدُك بأن أذهب لاحضار الثمن؟.
فقال صاحب الدجاج :
- وأنا منْ يضمن لي عودتك بالمبلغ ؟
فقال الثعلب المُتنكر :
- إن كنتَ لا تستأمنني ، فلديّ ضامن ، هو هذا الحمل الذي في الجوار.
قال الحَمَل :
- أنا أضمنه حتى يعود.
فوافق صاحب الدجاج . ومن ساعته فرّ الثعلب بصيده ولم يعُد. وعندما تأخر الثعلب المُتنكر ، تململ الحَمَل وقال أني أريد الذهاب لأبحث عن الرجل الذي اشترى الديك. فقال له صاحب الدجاج :
- ومنْ يضمن لي رجوعك ؟.
فقال الحَمَل :
- إني أثق في هذا الصقر ، فإنه سوف يضمنني .
وبالفعل وافق صاحب الدجاج على أن يترك الحَمَل يذهب للبحث عن الثعلب المُتنكر ،
وبقي الصقر بجوار صاحب الدجاج ينتظر عودة الحَمَل . ولم يعُد الحَمَل . وبقي الصقر منتظراً ، حتى غلبه الصبر ، فاستأذن صاحب الدجاج في الذهاب للبحث عن الحَمَل . فقال له صاحب الدجاج :
- ومنْ يضمنك ؟
وهما يتجادلان ، شاهد الصقر أسداً في الطريق ، فاستجار به الصقر ، أن يأذن له في الذهاب للبحث عن الحمل ويضمنه لدى صاحب الدجاج ، فقال الأسد :
- وما هو الثمن الذي بموجبه أضمنك؟
فقال له الصقر :
- سوف أهديك الحَمَل هدية على صبرك.
فوافق الأسد ، وضمنه لدى صاحب الدجاج . وطار الصقر باحثاً عن الحَمَل . وفي طريق بحثه قابله الثعلب، و كان قد نزع ملابس الرجل التي كان يتنكر بها . فسأله الصقر عن مكان الحَمَل ، وذكر له كل الخبر . وطمأنه الثعلب أنه سوف يساعده . وذهبا معاً لصاحب الدجاج ، فقال الصقر للرجل إن الثعلب سوف يضمنني، وإن الأسد سوف يبحث عن الحَمَل فهو الثمن الذي بموجبه ضمنني به. فقبل صاحب الدجاج .
وبعد الانتظار طويلاً ، سأل الثعلب صاحب الدجاج :
- أليست لك امرأة وعيال ؟
فقال صاحب الدجاج :
- نعم .
قال الثعلب :
- إني رأيتهم جميعاً يبحثون عنك .
فقال صاحب الدجاج :
- إني لا أستطيع العودة فمعي تسعة ديوك لم أبعها .
فقال الثعلب :
- دعني أحرس بضاعتك لحين تُقابل عائلتك وتعود ، على أن تحضر لي منْ يكون ضامناً لك حتى تعود .
فقال صاحب الدجاج :
- سيكون ذلك النمر الذي يجلس هناك ضامني .
فوافق الثعلب . وذهب صاحب الدجاج يبحث عن عائلته . وبعد قليل شاور الثعلب النمر على أن يعطيه ديكاً ، ويُخلي ذمته من الضمان . فوافق النمر . وذهب الثعلب بالديوك الثمانية. وفي طريقه قابله صاحب الدجاج وسأله مُستنكراً:
- ماذا تفعل بالديوك ؟
فقال له الثعلب :
- لقد سألت ضامنك النمر ، واشتريت منه ثمانية ديوك ، وأعطيته ثمنها ، والثمن معه وهو ينتظرك في السوق .
وهناك في السوق رأى صاحب الدجاج النمر يأكل الديك الذي أعطاه له الثعلب . فصاح فيه صاحب الدجاج :
- لقد ضمنك الثعلب لحضوري ، وأنت أكلت ديكاً وقبضت ثمن ثمانية ديوك ، أين مالي؟.
فقال له النمر :
- أنا اتفقت مع الثعلب أن ثمن الضمان سيكون جائزتي ديكاً ، فهي الآن ملكي.
فقال صاحب الدجاج :
- وأنت أيضاً قبضت ثمن ثمانية ديوك.
قال النمر :
- إن الثعلب هو صاحب الديوك التسعة ، وقد قال لي إن حضر رجل يدعي كذباً أنه صاحب الديوك، فكله لأنه كذب عليك .
وعندها هرب الرجل مُسرعاً والنمر من خلفه .

(5)

يفرح " أسامة " ويسألني بشغف عن القصة الثانية . وأبدأ حكاية أخرى... ، تختلف عناصرها وأبطالها ، ومناطق أحداثها عن القصة السابقة . كانت زخيرتي مُيسرّة بمخزون هائل لا ينفد . ما أن أبدأ حتى تتساقط الأحداث على ذاكرتي كأنني أقرأها من كتاب ، فأنا أغرف من نبعٍ لا ينضب. وكنت أستمتع برواياتي القصصية لأنني أكاد أسمعها من فمي لأول مرة ، كأنني استحلب شاة أسطورية ، ذات حضور خرافي ، فأنا أسرد بسلاسة مع التمثيل والاخراج للأحداث بجاذبية وبلا توقف. إنه مسرح الطفل الواحد ! . الأحداث تتنوع وتتشابك ، والأبطال يخرجون من معركة ليجدون أخرى.
يبدأ النعاس يتسلل رويداً لجسد الطفل الصغير " أسامة " وأنا جالس قرب سريره . يتوقف القص فجأة ، وأسكتُ أنا عن الكلام المُباح . أتسلل بهدوء وأغادر بيتهم . أعبُر الطريق الأسفلتي إلى الضفة الأخرى لشارع الأربعين حيث بيتنا .

عبدالله الشقليني
25فبراير 2018