أيكونُ الخَيرُ في الشرِّ انطوى ،
أم أنّا رضعنا اللّبن والسمّ معاً.
كأن الأرض ابتلعت ماءها ،
وأنبتت بطون الشرِّ أزهارها.

(1)

مرَ الزمان بخيره وشره:
اعتدنا في زمن الديمقراطية السودانية الثالثة ، أن الذين يسبقون الآخرين في اغتناء الخُبز من الفرن ، هم الذين يصلّون الفجر حاضراً في المساجد. كان الخبز والسُكّر والبترول والدراسة في المدارس والجامعات والتطبيب في المستشفيات جميعها مدعومة من الدولة ، رغم التظاهرات التي عمّت المدن الثلاث، حواريها وطرقها وأزقتها. لقد أسهم تدبير المتأسلمين وأفعالهم المُعادية للديمقراطية في استفحال الأزمة. فقد كانوا يشترون الخُبز من الأفران، ثم يفرقونه على الجداول والخيران لإشعال الأزمة تمهيداً لقلب ظهر المُجنِّ.

الدراجات البخارية في أوائل الإنقاذ ،كانت تنقل أعضاء التنظيم الملتزمين من أماكن سكنهم إلى طلمبات البنزين فجراً. انتقى التنظيم خيرة أعضائه وفرغهم من أعباء وظائفهم للإشراف الدقيق على صرف البنزين وتدوين أرقام العدادات ، لا صرف إلا بأمرهم . لأعضاء التنظيم الإشراف على طلمبات البنزين في المُدن الأخرى، لكي لا يتعرف عليهم أحد.

(2)

عرف الناس قصة التمكين التي ابتدعها " الشاطر " المصري، ونقلها المتأسلمون في السودان عبر الحبال السريّة الممدودة بينهم. تم إحالة الآلاف من القوات النظامية، من الجيش والشرطة وموظفي الخدمة المدنية، والسلك الدبلوماسي وجهاز القضاء، من الذين لم يكونوا منتمين للتنظيم المتأسلم ،كما هو معروف. وتركوا قوائم أخرى مرحلياً ، والمكونة من الذين كانوا يرون فيهم أمل الالتحاق بالتنظيم، أو ربما ينتمون في مُقبل الأيام للتنظيم ، وإلا فسيلحقون بالسابقين!.
كثير من الأسر فقد أربابها العمل. وتفرقت الوظائف على المتأسلمين، أغلبهم بلا تأهيل. ولم تقبل الكلية الحربية وكلية الشرطة والقضاء والسلك الدبلوماسي سوى المتأسلمين، أو الذين التحقوا بتوصية منهم ،طوال تاريخهم الطويل لم يتغير شيء. وكل ذلك معروف للجميع.

خلال قانون الطوارئ ومنع التجوال، من الساعة السادسة مساء وإلى الساعة السادسة صباحاً، يُدير دولاب الأمن في الدولة إخوة لهم من تنظيم أفغانستان. وبذلك يفسحون ساعات لأعضاء التنظيم السوداني لأخذ قليل من الراحة.

(3)

يوم هادئ .الساعة قاربت الثامنة صباحاً . الطريق الذي يفضي لفرن السوق العربي في الخرطوم، يعُج بالأتربة والزحام . صف الرغيف طويلٌ، ربما خمسون فرداً. شباب وشيب وأطفال وبعض النساء. وحجارة الطريق أيضاً تقف في الصف، حَفظ أصحابها أمكنتهم في الصف. الجميع في انتظار "الخبزة " التالية، بعد أن يتخمّر العجين. ربما انتظار ساعة ونصف الساعة.
قدِم ثلاثة شبان يرتدي كل منهم بنطال رمادي أو أسود، وقمصان متنوعة غامقة الألوان غير مُتناسقة ولاتناسب الذوق السليم . خلف كل منهم مسدس بارز من الجيب الخلفي للبنطال. ذلك هو المظهر الذي اعتدناه من المنتمين لجهاز الأمن. اقتربوا من الصف ،وعلِقوا جميعهم أمام شباك الفرن. أخرج أحدهم بطاقة الجهاز، ليريها صاحب الفرن، وقال:

- ثلاثين رغيفة في هذا الكيس .

وانطلق صاحب الفرن للمهمة وترك الصف. انقبضت أنفاس الجميع ، ينتظرون أن تنزاح غيمة الغضب الجاثم في الصدور بأسرع ما يمكن. جاء صوت رجل يقف منتصف الصف :

- يا شباب بالله أقيفوا في الصف .

استدارت الرقاب لتعرف منْ يتجرأ .التفتت إليه نظرات رجال الأمن الثلاثة شذراً . كان الرجل مربوع القامة ومتوسط الطول ،يرتدي الجلباب البلدي ويعتمر " طاقية " بيضاء.

- مين دا كمان البيسأل؟

ردد الرجل بنبرات هادئة واضحة:

- يا شباب بالله أقيفوا في الصف، إنتو ما أفضل من الواقفين في الصف .

انتظر إثنان من شباب الأمن الثلاث حتى يكمل صاحب الفرن عد الخبز لهم، وحضروا ووقفوا جميعاً عند الرجل الذي خاطبهم :

- قلت شنو يا ابن العم ؟

رد الرجل:

- قلت المفروض تقيفوا زي الواقفين قبلكم ديل.

أمسك أحد شباب الأمن بخناق الرجل، من الخلف قائلاً :
- قلتَ شنو ؟

رد عليه بكل هدوء :

- يا شاب بالله أبعد عن الشر .

قال الأمني :

- يعني حتسوي شنو ؟

لزم جميع من في الصف الهدوء، دون أن ينصروا منْ كان يدافع عنهم وعن العدل والنظام. ورفع أحد شباب الأمن يده وضرب الرجل في وجهه :

- قايل نفسك شنو ؟

تنفس الرجل بحرارة وتغيرت سحنته. ازداد إحمرار حدقتي عينيه من الغضب .لم يكُن أحد يتصور أن هذا الشخص الصبور، ضابط صف برتبة شاويش في القوات المسلحة ، وهو تعلمجي بالكلية الحربية، بل مفتول العضلات وقوي وسريع.

(4)

أمسك الرجل باليد التي كانت تخنقه، ولواها بسرعة، فصار خلف الشاب الذي صار يئن . انتزع المسدس، صوبه لقلب الشاب وأطلق الرصاص. وقف الآخران وقد صعقتهما المفاجأة. لحق بهما وأطلق رصاصتين في القلب.

تفرق الجميع، كل يجري في اتجاه. الفرار هو سبيل الجميع. انتزع الرجل المسدسين من جيوب الجثث الهامدة ، واتخذ من برميل القمامة القريب ساتراً. وبدأت المعركة .

جاء بعض رجال الشرطة، وحاولوا وقف الرجل بالقوة المسلحة ، وفي الحال أردى منهم تسع أشخاص قتلى. بدأت أجهزة " التوكي ووكي " تعمل من البعيد. بعد ثلث الساعة جاءت ناقلة تقل جنود من القوات المسلحة مع أسلحة أتوماتيكية لإنقاذ الموقف. وتم تبادل إطلاق النار. سقط ثلاثة من جنود القوات المسلحة ضحايا المعركة واثنين جُرحا. و أخيراً خرَّ بطل الفرن شهيداً ومضرّجاً بالدماء.

(5)

تحدثت أجهزة " التوكي ووكي ". نصف ساعة أخرى وجاءت سيارة الإسعاف يدوي صوتها. بدأ رجال الشرطة والأمن والقوات المسلحة يجلون القتلى من الزقاق. و تم نقل الجُثث وإخلاء المكان .
أُغلق الفرن ، وتفرق الجميع. جاءت الشرطة العسكرية، وتم نقل صاحب الفرن للتحقيق . تفرّق الجميع. تجد هنا وهناك أكوام من البشر يتحدثون بأصوات هامسة عما حدث.

بعد عدة ساعات حضر بعض أصحاب المحال المجاورة. كنسوا الطريق لإزالة آثار الدماء الجافة، بعد أن هدأ الزقاق من الضجة وحركة القوات النظامية. فُتحت نافذة الفرن للبيع عصراً. ولا أحد يقف في الصف!.

(6)

في بيت هادئ من بيوت أجهزة الأمن في الخرطوم اتنين، تم تقديم تقرير شفهي عما دار صبيحة اليوم في " السوق العربي بالخرطوم " للمسئوال الرئيس. قرر نائب الأمين العام للتنظيم أن يتم التعتيم عن الحادثة ، لا أحد يذكرها ، ولم يكن هناك غير صحيفة القوات المسلحة التي تجاهلت الأمر، كأن لم يكُن. ووجه سيادته بأن تصله معلومات عن الرجل ، المتسبب في المعركة قبل الساعة السادسة مساء، أي قبل منع التجوال.

جاءت المعلومات :

الرجل أسمر، بل داكن اللون، مربوع ومتوسط القامة، مفتول العضلات. يعمل ضابط صف برتبة شاويش في الكلية الحربية السودانية، في منتصف الأربعينات. وهو من المدرِبين المتميّزين لضباط في الكلية الحربية. يدرِّب "البيادة" نظرياً وعملياً. متزوج وأب لولدين ، أحدهما في السادسة والثاني في العاشرة. يسكن أحد مساكن قشلاق الجيش بسلاح المهندسين بأم درمان. رجل مستقيم، يعرفه كثير من ضباط القوات المسلحة، فقد تدربوا على يديه . لا يُعرف له انتماء لتنظيم.

(7)

عند المساء وفي السابعة مساء. اصطفت عربات القوات المسلحة، قرب مسكنه. لحظات وسُمع أصوات نحيب النسوة من الأقربين. ذاع الخبر بأن الشهيد قد ذهب في فوج للجنوب واستشهد هناك !. لا أحد دقق في الموضوع . حُمل الجثمان في السيارة العسكرية توطئة لنقله وإكمال إجراءت الدفن، في حين نَصبت الأشغال العسكرية سرادق العزاء.

في صباح اليوم التالي جاءت سيارة نقل عسكرية تحمل زاد العزاء . أفرغته ، واحتوى فسحة من الرزق أكثر مما اعتاده الناس في المناسبات المُشابهة. وحملت امرأة من القوات المسلحة ظرف نقود ضخم ، تم تسليمه لزوجة الشهيد كدفعة أولى.

عبدالله الشقليني
26 يناير 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.