كنتُ أحيا كما تحيا الكائنات . بطيء النمو أزحف على مرّ العصور، إلى أن جاء الوقت لأولد من جديد . نهضت من منامي لعالم جديد آخر. بدت لي الحياة غير ما كانت عليه في ماضي الزمان . بدأت أتفكر في نفسي ، فوجدت أنني مطمور في جسد امراة ما. نهض العُمر بأسئلة جديدة :

منْ أنا وكيف دخلت هذا الجسد وكيف وُجد الكون الذي نعيش فيه ؟ . أسئلة فلسفية ما كنتُ أحلم بها من قبل ، تقُلقني. وجدت نفسي فكراً ناعماً في عقل منقسم على نفسه . يا لهذا التطور وعجائبه الغريبة ! .
أتفاجأ بأني مثل ذرة رملٍ صغيرة ، بل هباء ضمن غُبار الدنيا و الكون حولي مُتسع متحرك . وفي مخزوني مرجل تفكير يغلي و أسئلة ومعارف أكبر مما كنت أتصور.

(2)
إني مُنقسم على نفسي : عقل أُصطلح على تسميته "العقل الواعي" ، يعمل وسط النور الاجتماعي . يتشكل وفق ما تفرضه الحياة الاجتماعية وقوانين البشر . ما المسموح وما المنهي عنه ، يتكيّف وفق مناهج البشر ونواميس حيواتهم . وعقل آخر أُصطلح على تسميته "العقل الباطن "، يتفاعل مع الغرائز، أو هو جزء باقٍ من تلك العوالم الحيوانية التي كانت تعيش في الماضي، ولكن الحاضر بقسوته يريد أن يفرض نواميسه علي. هذا الشريكان اللدودان يقتسما الحياة داخل نفسي .


(3)

جلس الطبيب" مينا" في حجرته ، يقرأ سجل مرضاه ، واحداً إثر آخر . استرعى انتباهه أن فتاة في العشرين من عمرها ، قد أدخلوها هنا في المستشفى المختص بالأمراض النفسية والعصبية أمس ليلاً. قرأ الطبيب ملف " جين " ، واستغرب من أنها ترقد في حالة شلل شبه تام . كل الإختبارات والفحص الطبي الجسدي السريري قد اكتمل ، وليس بها من عِلة جسدية !. لذا نقلها أهلها إلى هذا المصح ليلاً ، وفق نصيحة سابقة من كبير الأطباء المختصين بأمراض الجسد. وهي الآن في الغرفة رقم (6) في الطابق الأول ، فأطراف " برلين الغربية " زاخرة بنفائس العديد من المستشفيات التي تمتاز بحدائق غناء ، وأشجار غابات متنوعة بأشجار الصنوبر ، معظمها قريبة من شواطئ الأنهر الخمس التي تمر ببرلين. بيئة مناسبة لحيوية العلاج.

ببطء فتح الطبيب " مينا" الباب بعد أن طرقه بلطف . وجد الفتاة " جين " ممدةً على سرير الاستشفاء . كل الجسد مغطى بغطاء أبيض سميك . حياها الطبيب ولم تحرك ساكناً . خرج ليعُّد لها العلاج الذي يناسب ثم عاد. بدأ الطبيب تجريب التداعيات الحُرة زماناً ، ولم يتمكن من معرفة علّة مرضها .

بعدها بدأ في التفكير في ممارسة التنويم الإيحائي ،عله يصل من خلال عقلها الباطن لخلفية مرضها . كانت التجربة عسيرة ومضنية . كل يوم يقضي معها حوالى أربع ساعات . يغوص في رحلة الإبحار في المجهول إلى حيث عوالمها الباطنة.

(2)

بدأ الطبيب " مينا" التنويم الإيحائي العميق ، درجة فأخرى. استدعى ذاكرتها سنة إثر أخرى ، من العام العشرين ، ثم التاسع عشر، ثم الثامن عشر ، في هبوط مُتسلسل ، وانتهى به المطاف إلى عامها العاشر ثم التاسع والثامن . أحسّ الطبيب بأن الفتاة يتملكها الخوف الشديد من أحد أفراد العائلة ولم يتمكن من تحديد شخصيته.

بعد كل فترة من فترات التنويم العميق ، تصحو الفتاة مُبتئسة . كان الطبيب يخفف الأمر عليها ويعيد التداعي الحُر، ويطمئنها بأن العلاج هو في مُختصره استدعاء للماضي المضطرب بأحداثه ، وعرضه على مرايا العقل الواعي ، أي يأتي بالنفائس من أعماق بحر الذاكرة إلى الشاطئ حيث الأمان النفسي .

كان الطبيب "مينا" كلما ما اقترب أو كاد أن يقترب ، شعر بأن المسافة أبعد . أعاد قراءة كثير من أسفاره الأكاديمية المتخصصة ، عله يعثر على مفتاح لما تُخفيه ذاكرة الفتاة . ولم يعثر على دليل واضح . غموض كثيف غلف حالتها ، وهو تحدٍ كبير لمصداقية نهجه كطبيب مُختص.

(3)
بدأ يُنشِّط ذاكرته ، واستراح من العلاج يومين . أقام لنفسه تنويماً إيحائياً ذاتياً . ومرّ على خاطر ذكرياته ، أنه عندما كان يدرس الكتاب المقدس في طفولته المسيحية ، كانت هنالك قصة دينية تخص الإنسان " لجئون". وتذكر غرابة الحادثة واستحواذها على مساحة متوهجة من ذاكرته .
تداعت تلك القصص إلى تفاصيل الحكاية المروية في كل كتب الرُسل :

{ نظر يسوع من بعيد "لجئون ". ركض إليه الأخير وسجد له. وصرخ بصوت عظيم وقال ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي استحلفك بالله أن لا تعذبني. لأنه قال له اخرج من الإنسان يا أيها الروح النجس. وسأله ما اسمك فأجاب قائلًا اسمي "لجئون" لأننا كثيرون. وطلب إليه كثيرا أن لا يرسلهم إلى خارج الكورة. وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إليه كل الشياطين قائلين أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فأذن لهم يسوع للوقت فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير، فاندفع القطيع من على الجرف إلى البحر وكان نحو ألفين فاختنق في البحر. وأما رعاة الخنازير فهربوا وأخبروا في المدينة وفي الضياع فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه "لجئون" جالسا ولابسا وعاقلا فخافوا. فحدثهم الذين رأوا كيف جرى للمجنون وعن الخنازير. فابتداوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم. ولما دخل السفينة طلب إليه الذي كان مجنونا أن يكون معه. فلم يدعه يسوع بل قال له اذهب إلى بيتك وإلى أهلك وأخبرهم كم صنع الرب بك ورحمك. فمضى وأبتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع فتعجب الجميع.}

(4)

استرجع الطبيب " مينا " تلك القصة ، وبدت له الصور والروايات الدينية كأنها غريبة عليه . ماذا لو كان الشيطان قد دخل جسد الفتاة ! . الدُنيا عالم مفتوح ، ويمكن حدوث أي شيء . تساءل عن إمكانية أن يكون العقل الباطن قد تشكل في شخصية جديدة ، بملامح جديدة ، ورغبات جديدة . فعزم على استخدام تلك الصور الدينية في استدعاء مخزون العقل الباطن، إن كان في الوجود " عقل باطن " !.

في اليوم التالي ، ومنذ الصباح الباكر ، بدأ بالغرفة رقم (6) حيث " جين " . وبدأ ممارسة النوم الإيحائي العميق ، وبلغ رجوعاً بالمريضة حتى سن السابعة . أحس بانفعالات مُتضاربة في مسلك " جين " . وهي في شبه غيبوبة . عندها ، رأى أن يجرّب عليها السلطة والمعتقد الديني ، فربما يصدق الأمر . تخّيل أن الرواية الدينية صادقة ، ورأى أن يُجرب ، لأن مصداقيته كطبيب مُختص صارت في محك حقيقي .خطرت له فكرة ، ماذا لو كان الشيطان بالفعل قد دخل جسد الفتاة ؟ . وربما كان الاسم الحركي للشيطان هو " العقل الباطن". بدأ يتخيل أنه يُخاطب جسداً روحياً شيطاني النزعة .

وبدأ مُخاطبته الشيطان في شخص الفتاة :
- أريد أن أتحدث معك ، أرجو أن تُخاطبني ؟
فجأة وبدون سابق إنزار ، بدأت ملامح الفتاة تتغير ، وتصلبت عضلات وجهها ، كأن شخص آخر لبس جسد الفتاة وصاح من داخلها صوت أجش غاضب :
- لقد عذبتني جلساتك أيها الطبيب ، أرجو أن تبتعد عن تلك الفتاة.
ورد الطبيب على الفور:
- إنك لا تعرفني ، ولا تعرف صبري على هذا الصراع ، فأنا قوي الإرادة ، أستند على إيمان مسيحي عميق ، وأن الله قد خلق الداء ، وأوجد له الدواء كما يقول المسلمون. أنت هو الشخص الغريب الوحيد في عالمنا، عدو يمقت البشر ويكرههم . سكنت أنت هذا الجسد البريء ، وتستخدمه لأغراضك وأجندتك الخاصة . ولكني موجود ، يسر لي الرب أن أقف في طريقك وأمنعك . سوف أمارس عليك سلطتي ، وسوف أقلق منامك ، فأنا لن أستسلم أبداً.
رد الشخص الذي يلبس جسد الفتاة بصوته الأجش :

- أنت لا تعرف تاريخ هذه الفتاة . لقد عذبتها زوجة أبيها ، التي لم تستطع الإنجاب . لقد عانت الكثير بسبب ذلك . ووالدها لم يكُن يصدّق روايتها . الآن لدي رغبة جامحة في قتل هذه الفتاة . ولن أحيد عن هذا الهدف . لن يمنعني أحد ، حتى لو استخدمت معي كل أسلحتك .
رد الطبيب بهدوء :
- إنني أعجب من اصرارك على إنهاء حياة هذه الفتاة الطيبة ...
فقاطعه الصوت الأجش :
- إنني قد تعذبت طويلاً ، ولن يغمض لي جفن إن لم قتل هذه الفتاة . هذا القرار اتخذته بعد رويّة وصبر ، ولن يثنيني عنه أحد.
قال الطبيب :
- مهلاً .. توقف ، ما رأيك .. أريد أن أعقد صفقة معك . أنا أتركك وشأنك ، ولن أمارس التنويم الإيحائي العميق ، وليكن عهداً بيننا أن تترك جسد الفتاة يستريح ، وتعود كسابق عهدها.
قال الصوت الأجش بعد تفكير عميق :
- ... فلنجرب ، لن أخسر بإتفاقي معك ، شريطة أن تفي أنتَ بعهدك معي .
قال الطبيب :
- الآن أنا أتعهد أمامك وأقسم بالرب يسوع ، أنني سوف تركك.
انتهت جلسة التنويم العميق ، واستيقظت الفتاة ، وذهبت في نوم عميق .

(5)

في صباح اليوم التالي ، بدأ الطبيب بالغرفة رقم (6) في الطابق الأول . ولدهشته ، وجد الفتاة جالسة تنتظره وهي تضحك مسرورة بما صار عليه حالها. تفاجأ الطبيب بالحدث أنها عادت لطبيعتها من جديد كأن لم تكُن مشلولة !. ورأى أن الشيطان قد أوفى بعهده ، وغادر جسد الفتاة . ولكنه استدرك أن القصة الدينية فيها خروج الشيطان من الجسد ومن ثمة يدخل جسداً آخر . وأنه لم يكن في الاتفاق أن يرحل الشيطان عن الفتاة ، وتلك قضية أخرى لا تتطابق مع الرواية الدينية ، وأن الخلاص ربما لن يكون نهائياً !
أعدت ممرضات المستشفي وأهل الفتاة موائد الحلوى التي تم تفريقها على الجميع بعد خبر شفاء الفتاة . وقضت المستشفى يوماً بكامل أفراحه. ورأى الطبيب أن يبقي الفتاة عدة أيام للإطمئنان بعد أن ارتاب في تعدات الشيطان .

(6)

في صباح اليوم الثاني بدأ " مينا" بغرفة الفتاة ، وعندما فتح الغرفة ، وجد الفتاة في حالتها السابقة وكأن شفاؤها حلمٌ تسرب من أيدي الجميع . جسدٌ مشلول كما كان من قبل ،وقد ملأت الدموع عيني الفتاة.
بدأ " مينا " عاجلاً بجلسة تنويم إيحائية عميقة. وعندما خاطب الشخصية التي كانت تتلبَّس الفتاة. أحس بأنه أمام شخصية مراوغة ، لا تثبت على عهد ، ولا تحترم المواثيق . تذكر الطبيب أنه حسب النواميس المعروفة ، لا عهد للشيطان على الإطلاق ، وأن هنالك ارتباط وثيق بين حالة الفتاة وحالة " لجئون " في الرواية الدينية. وأنه بصدد معركة مع الشيطان نفسه . وهي معركة مفتوحة على كل شيء . ليس هنالك من أخلاق تضبُط ، ولا عهود يتقيد بها أحد .
انزعج الطبيب ، وبدأ يفكر في أن الشخص الذي يلبس جسد الفتاة ، هو الشيطان نفسه ، وليس " العقل الباطن" كما تقول كل المراجع الأكاديمية ، فالعقل الباطن لم يزل يعاني من ضغوط يحملها على ظهره طوال السنوات ، فكيف يفكر العقل الباطن في أن يؤذي الفتاة ؟ . قال لنفسه "إنني بلا شك أواجه الشيطان نفسه".
بدأ الطبيب يعيد حساباته ، بل يعيد النظر في صلاحية مراجعه الأكاديمية . أيعقل أن يكون العقل الباطن قد تشكل شخصية موازية ، ترغب اغتيال الفتاة ، أم أن الشيطان قد دخل هذا الجسد بالفعل ، وأن الرواية الدينية حقٌ مُطلق؟.

(7)

بدأ الطبيب يعيد التفكير من جديد بعد حيرة وقلق حقيقي، أهو يواجه العقل الباطن ، أم هو يواجه الشيطان نفسه ؟. بدأت عزيمته تتنازعها الأهواء ، فاحتار حيرة شديدة . ذهب مباشرة ليكرر التنويم العميق للفتاة " جين " . كان يحس بالغضب للخديعة التي مارسها الشيطان عليه. بدأ يشعر بأن مصيره مرتبط بما سوف يحدث للفتاة ، وبدأ صراع الباطل والحق ماثلاً أمامه دون مواربة.

عند استغراق الفتاة في النوم الإيحائي العميق، خاطب الشخصية باسمها الجديد :
- أيها الشيطان ، أنا أومن بالله وبيسوع الرب . باسمه آمرك أن تخرج من جسد الفتاة ، وتدخل جسد القطة التي تنام تحت المقعد هنا . أخرج يا ملعون أخرج ...
وفي الحال صرخ الصوت الأجش عالياً ، وبعده بدأ مواء القطة الصغيرة ، وتحركت فجأة صوب باب الغرفة على عجل . وانطلقت خارج الممر . وعبرت الدرج هابطة إلى الطابق الأرضي . وسارت مسرعة خلال الرواق الطويل ، ثم خارج البوابة الرئيسة ، ودخلت الغابة المجاورة واختفت.

عبدالله الشقليني
20 ديسمبر 2017


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.