مستحيل صد معرفتنا بك وتقديرنا لكِ سيدتي ، لأننا نحبك للعطاء الثري الذي زينتِ به أغانينا في مواضي الأيام. مضى العمر كله بأحزانه وأفراحه ، ويتذكرك البعض وينساك كثيرون ، وكثير من تاريخنا الحافل بالبطولات التي صنعها بعض أبناء وبنات السودان ، لم يزل مختفياً تحت رماد نيران التاريخ الذتي لا تنطفئ . تنطفئ نار لتقوم أخرى في مكان آخر، والجميع في حضور الغياب واجمون عند مصائب الدهر الذي لا تنقضي عجائبه .


(1)
لا أحد يتعرف على ريادة المعلم الكبير "بابكر بدري"، إلا من يقرأ مذكراته ، ففيها الكثير من الصدق الذي أورثه سلالته . قرأ الشيخ "البدوي " كراسات " بابكر بدري" ، فأشعل فيها النار لأنه خاف على المعلم الكبير من الفتنة ، فأعاد المعلم تسجيل مذكراته من جديد ،وندم على إرسالها للشيخ" البدوي". نهض هو من رماد " توشكي " التي ذهب إليها مع حملة ود النجومي ، وهي خالية الوفاض ، فقيرة من العُدة والعتاد ومئونة السفر ، وكانت الحملة الجهادية تلك وبالاً على قرى الشمال قبل أن تنتحر عند مصر المؤمنة !.
عاد "بابكر بدري" إلى الوطن بعد أن عاش سُخرة الإذلال في أرياف مصر، ووجد " الجهاديون " في زمن خليفة المهدي : صورة طبق الأصل من مُقبل جهاديي الإنقاذ . يضعون " التمباك " على جولات " الصمغ " ليصادروها لبيت المال ، أو تدفع لهم " المعلوم "!
عام 1907 افتتح في بيته مدرسة ابتدائية للبنات في رفاعة ، في وقت كان تعليم المرأة ينظره المجتمع على أنه الفجور ، فبدأ ببناته ليصمت أصحاب الأغراض. تلقفت الأُسر الأمر من بعد خوف من التعليم ومن ثمة النظر للمستقبل بذهن مفتوح ، بعد أن شاع منهاج البرجماتية أسلوباً جديداً قدم مع المستعمر، وانمحى جهاد الدين الذي دمر السودان بدل بنائه. فأصبحت رائدتنا " فاطمة الحاج " إحدى بنات العوائل السودانية ، التي وقفت مع " بابكر بدري " ملك التنوير ،من أجل تعليم المرأة.
كانت ولم تزل "رفاعة " هي موطن المعلمين والمعلمات .وطن يتقن الجدات فيه اللغة الإنكليزية ، إضافة لعلوم الحساب واللغة العربية . بون شاسع ما بين علوم" الخلاوي " وعلوم المدارس الابتدائية . و" رفاعة" أيضاً وطن " محمد عثمان عبد الرحيم "و" الشيخ " حياتي " المادح ، وأسرة أبو سن والمسرحية النابهة " فائزة عمسيب ".


(2)
قدمت " فاطمة الحاج " من قرية " سفيتة تيراب " قرب " رفاعة " . وعلى الضفة الأخرى للنيل كانت " أربجي " أرض الحضارات القديمة والحروب. و هناك في مطلع عشرينات القرن الماضي ، التحقت بمدرسة " بابكر بدري" . إذن هي من " أرض المحنة في قلب الجزيرة ". نشأت في أسرة الحاج. والدها أصوله من شمال السودان ، ووالدتها من منطقة " الحلاويين" .
اكتشفها الموسيقار الراحل وعازف الكمان "بدر التهامي" عندما كان في رحلة فنية بمدينة "رفاعة" مع الفنان الشامل " إبراهيم الكاشف". وأتاح لها الفرصة لتغنى في نفس الحفل مع "إبراهيم الكاشف". سمعها الشاعر " عمر البنا " فسافر لقريتها ، والتقى أهلها ، وشرح لهم الموهبة الغنائية لفاطمة.
في حفل زفاف بأم درمان عام 1949م كان يغني فيه المغني والشاعر "عوض جبريل" وكان يعزف له العود الفنان "الفاتح حاج سعد"، التقت فاطمة بعوض جبريل وغنت في هذا الحفل مع الفاتح حاج سعد أغنيات من الحقيبة. ومن هنا بدأ التعاون بينهما وغنت أول أغنياتها (لي حبيب شاغل بالي) كلمات "عوض جبريل"، والحان" أحمد زاهر" وأغنية (استحق صدك لاني حبيتك) . بدأت " فاطمة الحاج " بالإذاعة السودانية " وتعرف عليها أساطين الشعر والغناء والألحان . وتغنت بأغنية " زهر المواسم " ، كلمات الشاعر" حسين محمد حسن" وألحان " عبد الحميد يوسف " . وكانت أيقونة كاملة المُحيّا .


(3)
يقول الدكتور " محمد عجاج " إن صوت المطربة " فاطمة الحاج " هو من فصائل السوبرانو . ولها قدرة متمكنة في تطويع صوتها خلال الصعود والهبوط . لها قوة في الصوت ودربة في تطويعه، خاصة عند بلوغها الختام ،رغم أن زمانها لم يتعرف على تقنيات التدريب المناسب ، كانت تسكن " حي البوستة " بأم درمان . وفي زمانها كانت السينما وسيلة لمعرفة ما يدور في الدنيا من حولنا . كانت تدخل دار سينما " برمبل بيه " و " السينما الوطنية ". ولدار السينما أثر عميق في نقل الثقافة . وتأثرت بالموسيقى الشرقية عند مشاهدتها للأفلام وسماعها " أم كلثوم " و " ليلى مراد" و " أسمهان " . ويقول دكتور " محمد عجاج " أن صوتها كان الأقرب " لصوت "أسمهان ".
يمكننا أن نحسبها ميسورة الحال بمقاييس زمانها . كانت معتدلة الجمال، ينقسم شَعرها بمسيرتين ، والشلوخ بادية على خديها ، وعادة " دق الشفاه " جزء من أساليب المجتمع لطمر الشهوات الطبيعية باسم الجمال ، رغم قساوتها في ذاك الزمان . كانت تتزين بأسورة ذهبية في أذرعتها ، وترتدي الثوب السوداني .صورة طبق الأصل لامرأة وسط السودان.
سبقنها للغناء والطرب الرائدات : " ست الحسن الشايقية " و " مهلة العبادية " و " فاطمة خميس " و " عائشة الفلاتية " و " رحمة مكي " . وهؤلاء جميعاً بدأن بأغاني " البنات" في مواسم الأفراح ، قبل امتهانهنَّ لفن الغناء ، ولكنها الوحيدة التي بدأت بالإذاعة السودانية.


(4)
ويعترف الشاعر عوض جبريل بأن المطربة " فاطمة الحاج" هي التي وضعته كشاعر غنائي في قائمة الشعراء الكبار أمثال "سيد عبد العزيز" و"إبراهيم العبادي" و"عبيد عبد الرحمن "و" محمد بشيرعتيق" و"عبد الرحمن الريّح" .
غنت مع المطرب" عثمان الشفيع" أغنية "محمد عوض الكريم" القرشي (حبيتو ما حباني) وقد أبدعت فاطمة الحاج في أداءها .


(5)
من أغانيها :
حبيب الروح – لي حبيب شاغل بالي – نسيم الصباح – قماري الريد – لاقيتو باسم – لوتسأل عني – قاسي الغرام – وردة – خياله مسهرني – حبي الواحد – حبيبي راح – في قلبي سهام – زهر الخميل – كيف حالك – أستحق صدك.
وهب لها الشاعر" عوض جبريل " الكثير من الأغنيات ، وبعضها من ألحانه وبعضها الآخر من ألحان غيره .
سجلت للإذاعة السودانية (29) أغنية ، وجميعها كانت مسجلة في اسطوانات فحمية ، وعند تحويلها لشراط التسجيل ، لم يتم الحفظ الدقيق ، فاندثرت نصف أغنيات "فاطمة الحاج " وكذلك اختفت كمية هائلة من الأغنيات والحوارات التوثيقية، للكثير من المطربين والمطربات.
كان يرافقها في الغناء كورس نسائي : " أمونة ، ودلقونة والرضية " .
من الشعراء الذين تغنت لهم : " عوض جبريل " " حسين محمد حسن " و" عمر البنا" و" إسماعيل خورشيد" و " بشير محسن " .
من الملحنين الذين صدحت بألحانهم : "عبد الحميد يوسف" و " عوض جبريل " و" علاء الدين حمزة " و" التاج مصطفى " و " أحمد زاهر" و " أحمد مرجان " و " سيف عبد القادر " و " يوسف الشيخ " وغيرهم.

عبدالله الشقليني
23 ديسمبر2017


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.